الرئيسية / مقالات وتحليلات / المنهج المارق… يغتال الوصي

المنهج المارق… يغتال الوصي

عبد الرحمن الفراتي

في حادثة تأريخية خطيرة جرّت على الإسلام والمسلمين الويلات والمآسي والثبور، جريمة اغتيال خليفة النبي ووصيّه علي -عليه السلام-، كان المنهج المارق قد بذل جهده وطاقاته في التخطيط لها وتنفيذها. ومنذ ذاك التأريخ، تأريخ الفاجعة ما زال دوي الملكوت يصخ أسماع المدى مُعلنًا استشهاده: [تهدمت والله أركان الهدى، وانفصمت العروة الوثقى، قُتل علي المرتضى، قُتل ابن عمِّ المصطفى، قُتل أتقى الأتقياء، قتله أشقى الأشقياء].
في هذا المبحث المبسَّط سنحاول معرفة الجهات المتآمرة والمنفّذة والمستفيدة من قتل الإمام -عليه السلام-، ومحاولة معرفة الدوافع الكامنة وراء حادثة اغتياله.
في تحقيق شخصي، ثبت أنَّ هناك عدّة أسباب وعوامل أغاضت المجرمين فدفعتهم الى اغتيال الإمام –عليه السلام- فضلًا عن أنَّ للإمام الكثير من الأعداء من كفّار قريش وغيرهم من العرب، وكان يزداد بغض هؤلاء لعليّ وهمّهم على قتله يومًا بعد يوم، إذ كلّما جدّت غزوة للنبيّ ولعليّ تنكيلًا بصناديدهم كانوا يزدادون حقدًا وكرهًا له، ولذلك كان همّهم الأوّل اغتيال عليّ والفتك به بأي شكل وصورة كانت. فكانوا مراقبين له من الداخل والخارج، ولم يسلم علي من كيد الجميع الحاسدين والكارهين والمبغضين والحاقدين والخوارج المارقين.
ومن الأسباب والعوامل التي دفعت المارقين الى اغتيال علي –عليه السلام- 
قرّر بعضها وتلخّصت في التالي (1):

أولًا: الحسد، إن الجوانب العظيمة المتكاملة في شخصية أمير المؤمنين -عليه السلام- في السبق إلى الإسلام والشجاعة والطاعة لله والقرابة من رسول الله دعت الكثير إلى حسده وقد أكد أهل البيت -عليهم السلام- هذا الجانب ليس في حياة أمير المؤمنين عليه السلام فقط بل وفي حياة جميع الأئمة فهم الناس المحسودون.

ثانيًا: تراكم الدماء، إنَّ تراكم الدماء من سيف علي -عليه السلام- أصبح من أشد الذرائع التي اتخذها الخوارج وأعداء علي -عليه السلام- عامة ، فالخوارج يطالبون بدماء أصحابهم وقطام تريد قتله برأس أبيها وأخيها (إنَّ عليًا قتل أبى) (إن عليًا قتل إخواننا في النهروان) إلى آخره من مثل هذه الذرائع. فوقائع مثل بدر وأحد وحنين وخيبر والخندق والجمل وصفين والنهروان خلّفت له قتلى كثيرين ومن ورائهم أرحام يطلبون بثأرهم ومن خلفهم خصوم يتذرعون بهم .

ثالثًا: سياسة الحزم، ومن أهم هذه العوامل أيضًا سياسة أمير المؤمنين -عليه السلام- الحازمة وعدم غض البصر عن الهفوات من أي مسلم كان صدرت، وترك الاتِّجار بالدين وكان لذلك شواهد عديدة.

رابعًا : اختلاف أصحابه، ومن الدوافع التي جعلت المتآمرين يقدمون على تنفيذ جريمتهم هو كثرة اختلاف أصحابه أولًا فيما بينهم وثانيًا فيما بينه وبينهم، وقد حُسبوا عليه أصحابًا أمثال الخوارج والأشعث بن قيس وأبي موسى الأشعري فإنهم بهذا الاختلاف هيؤوا الأرض لبذرة جريمة القتل والتي أثمرت في التاسع عشر من رمضان.
خامسًا سياسة عفى الله عما سلف، سياسة أمير المؤمنين في العفو المطلق وعدم أخذ المجرمين بالعقوبات الخارجة عن الحدود والذي تمليها عليه سيرته في العدل حيث إنَّه -عليه السلام- لا يأخذ بالظنّة ولا يُعاقب حتى ترتكب الجريمة حتى وإنْ أشارت الدلائل إلى بوادر وقوعها وإنما الحدود عنده وضعت عند تجاوز الشريعة ليس على الظنون والشبهات وهذا هو منهجه في العدل المطلق -سلام الله عليه- فضلًا عن سيرته في نفسه وأكثر من كل هذا أنه لم يسترجع فدك بعد إن استلم الخلافة الظاهرية, واسترجع قطائع عثمان لجميع الصحابة.

خامسًا: سياسة عفى الله عما سلف، سياسة أمير المؤمنين في العفو المطلق وعدم أخذ المجرمين بالعقوبات الخارجة عن الحدود والذي تمليها عليه سيرته في العدل حيث إنَّه -عليه السلام- لا يأخذ بالظنّة ولا يُعاقب حتى ترتكب الجريمة حتى وإنْ أشارت الدلائل إلى بوادر وقوعها وإنما الحدود عنده وضعت عند تجاوز الشريعة ليس على الظنون والشبهات وهذا هو منهجه في العدل المطلق -سلام الله عليه- فضلًا عن سيرته في نفسه وأكثر من كل هذا أنه لم يسترجع فدك بعد إن استلم الخلافة الظاهرية, واسترجع قطائع عثمان لجميع الصحابة.

دور الأمويين وتواطؤهم في جريمة قتل الإمام
لم تكن مؤامرة اغتيال الإمام علي –عليه السلام- مقتصرة على الخوارج فحسب بل إنَّ بني أمية كان لهم الأثر الفاعل في التخطيط والتمويل والتأسيس لهذه الحادثة الرزية التي أصيب بها الإسلام واستفاد منها أهل النفاق والكفر، وعلى هذه المشاركة الأموية في قتل أمير المؤمنين –عليه السلام- توجد شواهد عديدة منها:

أولًا: اتفقت الروايات على أنّ ابن ملجم من بني مراد، وكان عداده في كندة، أي تسجيل نفوسه ومسؤوليته الحقوقية والجنائية في كندة ورئيسها الأشعث بن قيس، وأنّ ابن ملجم دخل الكوفة قبل شهر من اغتياله لأمير المؤمنين –عليه السلام- ونزل ضيفًا عند الأشعث، واتفقت الروايات على أنّ الأشعث كان رجل الأمويين الأول في العراق، وأنّه عمل بكل قدرته لإنجاح مؤامرة ابن ملجم في قتل أمير المؤمنين –عليه السلام- وأشرك عددًا من رجاله فيها، فهل يُعقل أن لا يكون الأمويون وراءها أو في مجراها؟ قال أبو الفرج الأصفهاني: “وللأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين أخبار يطول شرحها…”. (2).
وقال البلاذري: وبعث الأشعث ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضرب علي فقال: أيْ بنيَّ انظر كيف أصبح الرجل وكيف تره؟ فذهب فنظر إليه ثم رجع فقال: رأيت عينيه داخلتين في رأسه، فقال الأشعث: عينيْ دميغ ورب الكعبة. (3).

ثانيًا: قال أبو الأسود الدؤلي صاحب أمير المؤمنين مقطوعة شعرية كان قد رثى فيها الإمام –عليه السلام وألقى تبعة مقتل الإمام علي بني أمية، جاء فيها:
ألا أبلغ معاويـة بـن حـرب
فلا قرت عيون الشامتـينا
أفي شهر الصلاة فجعـتمونا
بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطا
ياورحلها ومن ركب السـفينا
ومعنى هذه الأبيات أنّ الأمويين هم الذين فجعوا المسلمين بقتل الإمام الذي هو خير الناس، فهم مسؤولون عن إراقة دمه، ومن الطبيعي أنّ أبا الأسود لم ينسب هذه الجريمة للأمويين إلا بعد التأكد منها، فقد كان الرجل متحرجًا أشد التحرج فيما يقول.(4).

ثالثًا: افتخار بعض الأمويين عندما أدخلوا السبايا في مجلس يزيد بن معاوية بقوله (5).
نحن قتلنا عليًا وبني علي
بسيوف هنـدية ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك 
ونطحناهم فأي نطاح
وبهذا، بات الأمر واضحًا ودليلًا على أنّ للأمويين يدًا طولى في قتل سيد الوصيين علي بن أبي طالب –عليه السلام-.

مؤامرة الخوارج المارقين ابن ملجم وقطام
ما زال المنهج المارق منذ العصر الأول للإسلام معاندًا مصرًا يكنّ العداء لله ولرسوله وللإمام، وقتل الإمام المفترض الطاعة على المسلمين علي –عليه السلام- كان من أولى أولويات منهج الخوارج وأفكاره التي يعتقدها في سلوكه العملي التطرّفي في الواقع الإسلامي، ولذالك فقد أرسلوا عبد الرحمن ابن ملجم لاغتيال الإمام –عليه السلام-: وقد عاهد على التوجّه إليه وقتله أو يموت دونه (6)
فقدم عبد الرحمن بن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريد وكان يزورهم ويزورونه. فزار يومًا نفرًا من تيم الرباب فرأى امرأة منهم يقال لها: قطام بنت شجنة بن عدي بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم الرباب- وكان عليّ قتل أباها وأخاها يوم النهروان، فأعجبته فخطبها فقالت: لا أتزوّجك حتّى تسمّي لي. فقال: لا تسأليني شيئًا إلاّ أعطيتك.
فقالت: ثلاثة آلاف وقتل عليّ بن أبي طالب. فقال: واللّه ما جاء بي إلى هذا المصر إلاّ قتل عليّ بن أبي طالب وقد آتيناك ما سألت.
ولقي عبد الرحمن بن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فأعلمه ما يريد ودعاه إلى أن يكون معه، فأجابه إلى ذلك. وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليًا في صبيحتها، يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده، حتى كاد أن يطلع الفجر فقال له الأشعث: فضحك الصبح فقم، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة، فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدَّة التي يخرج منها علي.(7).

فزت وربُّ الكعبة
وخرج الإمام علي –عليه السلام- وصلّى بالناس فبينما هو ساجد ضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف فصاح الإمام: فزت ورب الكعبة.
فقال بعض من حضر ذلك فرأيت بريق السيف وسمعت قائلًا يقول: لله الحكم يا علي لا لك، ثم رأيت سيفًا ثانيًا فضربا جميعًا، فأما سيف عبد الرحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق، وسمعت عليًا يقول: لا يفوتنكم الرجل. وشدًّ الناس عليهما من كل جانب، فأما شبيب فأفلت، وأُخذ عبد الرحمن بن ملجم فأُدخل على علي فقال: أطيبوا طعامه وألينوا فراشه، فإن أعش فأنا أولى بدمه عفوًا أو قصاصًا، وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين. (8).
وأما شبيب بن بجرة، فإنّه خرج هاربًا فأخذه رجل فصرعه وجلس على صدره، وأخذ السيف من يده ليقتله، فرأى الناس يقصدون نحوه، فخشي أن يعجلوا عليه فوثب عن صدره وخلاه، وطرح السيف عن يده ففاته، فخرج هاربًا حتى دخل منزله، فدخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال له: ما هذا؟ لعلك قتلت أمير المؤمنين فأراد أن يقول: لا، فقال: نعم، فمضى ابن عمه فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله.(9).

—————-

المصادر
(1)العتبة العباسية: مقتل امير المؤمنين علي بن أبي طالب، مقال.
(2)الأصفهاني: مقاتل الطالبين
.(3)البلاذري: أنساب الأشراف. ومثله في طبقات ابن سعد: ج3 ص144.
(4)باقر القرشي: حياة الإمام الحسين، ج2 ص 103-109.
(5)الطبرسي: الاحتجاج2 ص28.
(6)طبقات ابن سعد: ج3 ص35.
(7)مصدر سابق.
(8)مصدر سابق.
(9)ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب، ج3 ص95.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

تحقيق التكامل والهدف الأسمى بمنهج وسطي

إعداد / شيماء الموسوي مُقدِّمة : بعد أن تفضل الله -سبحانه وتعالى- على عبدهِ بالعقل …

6 تعليقات

  1. تحليل أكثر من رائع وضح الكثير من المشاكل التاريخية العالقة في أذهان الناس بوركت اناملك الطيبة عزيزي الكاتب

    • عبد الرحمن الفراتي

      ممتن جدا لكم أستاذنا الفاضل مرتضى الأعرجي لإطلالتكم الطيبة
      شكرا لمروركم البهي

  2. حيدر البابلي

    ما زال المنهج المارق منذ العصر الأول للإسلام معاندًا مصرًا يكنّ العداء لله ولرسوله وللإمام، وقتل الإمام المفترض الطاعة على المسلمين علي –عليه السلام- كان من أولى أولويات منهج الخوارج وأفكاره التي يعتقدها في سلوكه العملي التطرّفي في الواقع الإسلامي.

    أستاذنا القدير عبد الرحمن الفراتي..بحث ممتع ومدعم بالأدلة والبراهين التي تكشف حقائق غابت عن كثرين .
    لجنابكم ….خالص الأحترام والتقدير .

    • عبد الرحمن الفراتي

      القدير حيدر البابلي شكرا لإهتمامك سيدي العزيز وشكرا للمرور العطر والإطلالة البهية
      مع التقدير

  3. علاء المنصوري

    جهود مباركة وبحث قيم دمت والعطاء حليفكم أستاذ عبد الرحمن .

    • عبد الرحمن الفراتي

      شكرا اخي الكريم علاء المنصوري للمرور الطيب والتقييم الكريم
      أسعدنا كثيرا أن ما كتبناه قد نال اهتمامكم ورضاكم
      محبتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *