الرئيسية / مقالات وتحليلات / أهل البيت وسطية دائمة ومنهاج معتدل

أهل البيت وسطية دائمة ومنهاج معتدل

سامي العراقي

قال الله سبحانه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

من المعلوم أننا نعيش اليوم في وسط أجواء مملوءة بالحقد والكراهية نتيجة الشحن الطائفي الذي يمارسه البعض بقصد أو بدون قصد وبالنتيجة أننا سنحصل على نتائج وخيمة وسلبية بسبب تلك الجماعات الدينية او غير الدينية ، أو التي ارتبطت بمشروع أجنبي قد عرف ونجح في تفريق الأمة الإسلامية التي جمعتها كثير من المشتركات العقائدية والفقهية، لكنها نسيت او تناست تلك المشتركات واتجهت الى قضية خلافية ليحدث بعدها صراع دموي خلف ملايين من المهجرين،والمشردين،والقتلى،والأيتام،والأرامل ، وأذا نظر كل إنسان معتدل وصاحب ضمير حي هل تستحق بعض الخلافات التي سجلت في كتب هذه الطائفة أو تلك الى كل هذا الحقد الدفين؟؟ ام أننا نقول :أنّ هناك إرادة شيطانية استعمارية سعت وتسعى لبقاء فجوة الخلا الى ما لا نهاية من الزمن وكل من يريد أنّ يحقق وجهات التقارب بين المسلمين تسعى تلك العمائم والجهات الحزبية والسياسية الى تشويه صورة تلك الشخصيات الدينية المعتدلة التي تسعى الى نبذ التطرف والتي قرأت الواقع بشكل صحيح ومعتدل تسعى من خلال خطاباتها الإنسانية اولاً،والإسلامية ثانياً، الى جعل روح المحبة والتسامح هي اللغة السائدة والغالبة على كل الخطابات التحريضية التي لم نجني منها الا الدم والخراب ومن الامور المهمة التي ذهبت اليها مدرسة أهل البيت -عليهم السلام-في مواجهة التطرف والزيف بالعلم والوسطية ،
أولاً :العدل 
والعدل في اللغة خلاف الجور والظلم، وتذهب مدرسة أهل البيت الى جعله أصلًا مهمًا من أصول الدين، تهدد عقيدة من لا يلتزم به، الى جانب التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد، كما يكون شرطًا اساسًا في تولّي الانسان لمنصب الرئاسة العليا في الدولة، ومرجعية التقليد، والقضاء، وحتى إمامة الصلاة.
وتأكيد هذه المدرسة على العدل، تجد مصاديقه في نصوص القرآن الكريم وسنّة الرسول الاكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- ، وقد أكثر أئمة أهل البيت -عليهم السلام- ، من ذكر وجوبه في الوالي وغيره، ولا أدلّ على ذلك؛ ما تركه الامام علي – عليه السلام – من اقوال ووصايا، إذ قال في كتابه الشهير الى واليه على مصر، مالك الأشتر ما نصه: «أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك ألا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حربًا حتى ينزع او يتوب، وليس شيء أدعى الى تغيير نعمة الله، وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فانّ الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد».(1)
ويقترن التأكيد على العدل بالتأكيد على المنظومة الحقوقية المحترمة للحاكم والمحكوم، كما يظهر من قول الأمام، -عليه السلام-: «فإذا أدت الرعية الى الوالي حقه، وأدّى الوالي اليها حقها، عزّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها (وجوهها) السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطالع الأعداء، وإذا غلبت الرعية واليها، وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور وكثر الأدغال (الإفساد) في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا تستوحشن بعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار، وتُعز الأشرار، وتعظم تبعات الله عند العباد».(3)
ولم تكن هذه الوصايا مجرد مواعظ، بل كانت منهج عمل وسلوك طبقه الأمام مع القريب والبعيد، والعدل عند أهل البيت، عليهم السلام، مبدأ عظيم ينطوي على منظومة متكاملة من القيم كالوسطية والاعتدال والاستقامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرفق والتسامح والتأكيد على اجتماع الكلمة والتقوى والورع.

ثانياً:العلم
يشكل العلم أساس قيام مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، فهي مدرسة تلتف حول من تجدهم اكثر الناس علمًا ومعرفة بمستنبطات الأحكام من مصادر التشريع، وأكثر حكمة ودراية بحوادث الأيام.
لقد أثبتت الروايات أنّ أئمة أهل البيت كانوا أكثر أهل زمانهم علماً وحكمة، ولم يستطع أحد من الصحابة ومن علماء عصرهم دحض حجتهم وإثبات تفوقه عليهم، وليس أدل على ذلك من قول «الخليفة الثاني»: «لولا علي لهلك عمر»(2) فعلم علي، عليه السلام، فاق علم جميع الصحابة، وكذلك علم أبنائه من الأئمة، و ورد عن أهل البيت كثير من الأحاديث المؤكدة لأهمية العلم في حياة البشر، كقول الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – :
«أطلب العلم من المهد الى اللحد»، كما ورد عن الامام علي، عليه السلام، قال: «العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فإنّ أجابه وإلاّ ارتحل عنه»، وقوله: «الناس ثلاث: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا الى ركن وثيق»(3).
إنّ تقديس العلم واحترامه في هذه المدرسة يجعلنا لا نقبل أن يكون الحاكم على الناس، أقلهم علمًا ومعرفة وكفاءة، أفلا يمكن أنّ يقود الجهلة وإنصاف المتعلمين شعوبهم مستعملين سياسة الحديد والنار، فيغرقونها في ويلات ومحن لا تعرف سبل الخلاص منها، وهذه القاعدة عند الالتزام بها ستقطع الطريق على المغامرين والطماعين والطامحين من أصحاب الأهواء الذين يتاجرون بالشعارات والبيانات الرنانة لتضليل وخداع الناس من أجل تحقيق مصالحهم، كما حصل للأمة إنْ وقعت في ويلات حكومات فاسدة بعد رحيل الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، من بني أمية وبني العباس، والخوارج، والتكفيريين سابقًا ولاحقًا، ممن يفتقرون الى نور العلم والمعرفة.

ثالثاً: الإيثار ومحبة المستضعفين
لا تقوم مدرسة أهل البيت على سحق الضعفاء والمساكين من الناس واحتقارهم كما تفعل وفعلت الأموية القديمة والحديثة، وكذلك الأنظمة الرأسمالية الفاشلة، والشيوعية والقومية، بل هي مدرسة الإيثار والحب الكبير للضعفاء من الناس، فتؤكد على معونتهم ومساعدتهم وأداء الحقوق إليهم وترقية حسهم الانساني، انطلاقًا من قيم الإسلام وأحكامه الجليّة والواضحة، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى في سورة الإنسان، الآية:8-9(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿8﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا) ﴿9﴾، إذ نزلت هذه الآيات بحق الامام علي وأهل بيته، عليهم السلام، والمسكين واليتيم والأسير الذين ساعدوهم أهل بيت النبوة وقدموهم على أنفسهم، يمثلون جانبًا من الطبقات المستضعفة في المجتمع، ولما كان قول الأئمة وفعلهم وتقريرهم، واجبة الأتباع في مدرستهم، إذن؛ يجب على أتباعهم جعل الاهتمام منصبًا على مساعدة هذه الطبقات وحمايتها ومحبتها وإيثارها على النفس، بدلًا من الاهتمام بالمترفين من أصحاب النفوذ والسلطان، وهذا الأمر سيجعل من مدرسة أهل البيت، مدرسة تستوعب كل الطبقات المحرومة في المجتمعات المعاصرة، ثم تنميها وتطورها وتساعدها في الدفاع عن حقوقها وحرياتها.

مصادرالبحث :
…………………………………………..
1- (6) غرر الحكم: 8740.
2- حديث لولا علي لهلك عمر ذكر في المصادر الأتية:
………………………………. ……………….
*ذخائر العقبى
*أبن النعمان في كتاب الموافقة، وأخرج حديث أبى ظبيان أحمد
3-قول الإمام علي -عليه السلام- الناس ثلاث فعالم رباني …الخ ذكر في المصادر الأتية:
* أخرجه أبو نعيم في ((الحلية))، (1/79)، 
وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله))، (1878)،
والخطيب في ((الفقيه والمتفقه))، (1/182).

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

7 تعليقات

  1. حيدر البابلي

    بحث غاية في الروعة والدقة ….بوركت أستاذ سامي العراقي

  2. حياكم الله ياأهل الوسطية والاعتدال.

  3. فعلا ابداع وتألق ودقة في البحث أستاذ سامي

  4. ما شاء الله فعلا ابداع وتألق ودقة في البحث أستاذ سامي … نتمنى لك كل التوفيق

  5. حيدر العقابي

    بحث أكثر من رائع حياك الله استاذ سامي على هذا البحث الدقيق الذي يحمل في طياته التحليل المعمق لقضايا مهمة .
    بارك الله فيك

  6. العراقي العربي

    بارك الله بك اخي الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *