الرئيسية / مقالات وتحليلات / المعنى الحقيقي للحرية وتأثيره في مسارِ الأمة

المعنى الحقيقي للحرية وتأثيره في مسارِ الأمة

الأستاذة / شيماء الموسوي

للحرية عِدّة مفاهيم تختلف باختلاف الأشخاص وبيئاتهم منها قريبة لبعضها ومنها مُتناقِضة تمامًا وأي منها لا يشترط أنْ يكون قريبًا من معناها الحقيقي في الإسلام، وبسببِ المفاهيم الخاطئة حصلت الخروقات والتعديات وانتهاك الحقوق باسم الحرية، فلا زال الشارع يعاني من استخدام المصطلحات بمعناها الخاطئ وبالتالي يكون انعكاسها سلبًا على الفرد والمجتمع والدين وتكون المشكلة أكثر تفاقمًا مع غياب الشخصيات الأكاديمية والمثقفين عن هذا الجانب وواجبهم في نشر مفهوم الحرية والتوسط في معناها بين الحرية المطلقة والتخلي عن الأخلاق وبين تقييد حرية الفرد بالإضافة إلى نشر الوعي لتصحيح الأفكار وانتشال الأمة من السقوط في هاوية الانحراف باسم الحرية الذي أودى بالبعض فكريًا ومعنويًا، وقبل التطرُّق إلى مفاهيم الحرية مقارنةً بمعناها الحقيقي نود الإشارة إلى أنَّ تلك المفاهيم لم تولد من فراغ بل هناك من روّجَ لها ورسّخها عند البعض لتمرير مخططات مُسبقة تتناسب ومصالح وهذه الجهة أو تلك وليكون معنى الحرية أكثر وضوحًا يمكن تعريفها في الإسلام بأنّها “ما وهبهُ الله للإنسان من مكنة التصرُّف لاستيفاء حقه وأداء واجبه دون تعسُّف أو اعتداء(1)

ويمكننا توضيح معنى الحرية في ثلاث محاور لنستطيع نتاج جيل متكامل يتناسب والإسلام وهذه المحاور هي :

المحور الأول : الأسرة وبما إنّها النواة الأولى والاساسية للتنشأة فهي المحور الأساسي لفهم الحرية بمعناها الحقيقي، ويتركّز الكلام قولًا وفعلًا على الآباء، هنا يكون الالتفات إلى تصرفات وسلوكيات بعض الآباء في استخدام الحرية المطلقة فيما يُضيّق النطاق على الأبناء اعتمادًا على عادات ومعتقدات اعتادوها فإبداء الرأي وحرية التعبير والمشاركة في القرارات التي تخص العائلة جميعها حق مشروع للأبناء ولتكنْ تحت مراقبة الآباء مع الالتزام بتوضيح معنى الحرية في دين العدالة والوسطية لكي لا تكون الحرية آفة تقتحم الأسرة، وضرورة الالتزام بالتفريق بين الحرية والحرام فهناك فرق كبير حين يرى البعض أنَّ الحرية هي إباحة كل فعل وقول دون مراقبة أو محاسَبة لكن عند العودة للإسلام نجد ما نوضحه للأبناء والشباب من فرق بين الاثنين (الحرية والحرام) ونجد ذلك يتجلّى في قول الرسول الكريم –صلى الله عليه وآله وسلم – “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما امرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على انبيائهم( 2 ) وهنا الفرق واضح في حديثه – صلى الله عليه وآله وسلم – في إنَّ ما نهى عنه الرسول الكريم لا حرية في الاختيار ما بين أفعل أم لا أفعل فالامتثال للشريعة واجب عقلي بعيدًا عن تقييد الحريات أو إطلاقها، وبذلك تكون الأسرة المساهم الأول في تبيان معنى الحرية في الإسلام .

المحور الثاني : البيئة الخارجية والسلوكيات التي يشترك بها العامة وتأثيرها (سلبًا أو إيجابًا) على المجتمع والاستخدام العام لمصطلح الحرية، وأنْ تكون حُرًا لا يعني ترك الأخلاق قولًا وفعلًا بل الحرية إنْ استخدمت بمعناها الصحيح فهي الأخلاق والفضائل ” كلمة الحُر في كل شيء : هي أعتقهُ وأحسنهُ وأصوبهُ. والشيء الحُر : هو كل شيء فاخر، وفي الأفعال هو الفعل الحَسَن، والأحرار من الناس : أخيارهم وأفاضلهم” (3 ) وفي الثقافة العربية كانت كلمة حُر تُعادل (نبيل) وكانَ استخدام (حُر) بمعنى شريف (حسن) شائع الاستعمال في اللغة العربية المُبكرة ” ( 4) فلو فُهِمَتْ تلك المعاني لأصبحت الحرية إحدى المقومات الأساسية لبناء مجتمعًا متكامل حسب مناهج الإسلام، فلا انتهاك للحقوق ولا سلب الإرادات ولا سلوكيات غير أخلاقية تشوّه صورة المجتمع خصوصًا عند الشباب فما وردَ في الإسلام وعنْ الفلاسفة من معنى الحرية لو فُهِمَ مِنْ قِبَلِ الشباب لكان المجتمع أكثر سموًا ورفعة. وكما جاء في لائحة حقوق الإنسان ” حرية الفرد في فعل ما لا يضر الآخرين ” (5) يُنوّه أن الحرية مطلقة مالم تَضر الآخرين أو تَخلّ بالأخلاق.

المحور الثالث : الدين بين طرح نهج الإسلام وأساليب القمع عند التكفيريين استخدام أنواع الضغوطات بحجة الالتحاق بالإسلام والالتزام بتعاليمه حين كانوا متناسين ما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى مجده (لا إكراه في الدين) (6).

وقوله – تعالى – ” َلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِين” َ(7 ) تاركين وصايا القرآن الكريم جاحدين ما أتى به الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم– يسفكون الدماء وينتهكون الحقوق ويكفّرون من عارضهم فكريًا مناقضين أخلاق الإسلام المتسامح ونهجه العادل.
وقد دعا المحقق الصرخي جميع طوائف المسلمين بأن يتصدوا لهؤلاء وكشف انحرافهم وتحذير الناس منهم ومواجهتهم بالفكر وابطال كل أفكارهم وفضحها وإلا فكل المسلمين عرضة لسيوفهم وأنهم جميعاً كفرة باعتقادهم العقيم وأن أرواحهم وآمالهم وأعراضهم مباحة لهم
بقوله :”أيها المسلمون داعش يبيح دماءكم وأعراضكم وأموالكم أيها المسلمون، لا يوجد مَن يخرج مِن حكم التكفير التيمي الداعشي التوحيدي الخرافي الأسطوري، كلكم في خانة المقتولين، في خانة المباحة الأموال والأعراض والدماء”(8).

وبذلك يكون ملخص ما ذكرناه في المحاور الثلاث أنَّ الحرية ضمن إطار الأسرة إذا ما رُسِّخَتْ بمعناها الصحيح عند الأبناء وهذا من واجب الآباء والأمهات وعند الشباب في إطار المجتمع بصورة عامة وهذا يقع على عاتق المثقفين والأكاديميين لإيصال فِكرة أن الإسلام دين العدالة والوسطية ودينيًا لو تصدينا فكريًا للدواعش التيمية وفكرهم المُنحرِف لتخليص الأُمة من عواقب شُبهاتهم وتكفيرهم لخرجنا بتلك المحاور الثلاث إلى مجتمع يليق بصورة الإسلام العادل ونهجهِ الحق …

وفي الختام من هنا ندعو الشباب واليافعين لترك المعتقدات التي زرعها الدُخلاء من مفاهيم خاطئة لنكون مجتمع بعيدًا عن الأفكار المنحرفة يليق بنا كمجتمع إسلامي عربي عادل .

…………
1- مفهوم الحرية في التطور الإسلامي ليوسف محمد أبو سليمة ص/2.
2- ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، ج 1 ص 238.
3 – معجم لسان العرب. 
4-مفهوم الحرية في الإسلام لفرانتروزنتال ص/23.
5ـ لائحة حقوق الإنسان الصادرة عام 1789م نقلًا عن بحث (الحرية في الإسلام ) للباحثة وفاء نايف خالد العجمي.
6- سورة البقرة : الآية (256 ).
7ـ يونس: الآية( 99). 
8 – المرجع الصرخي الحسني ، بحث (وقفات مع… توحيد ابن تيمية الجسمي الأسطوري) المحاضرة (3).

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

عجز الإلحاد من اختراق حصن مجالس الشور

الأستاذ / علاء المنصوري قد يستغرب الكثير من هذا العنوان الذي توجنا به مقالنا ، …

3 تعليقات

  1. العراقي العربي

    بارك الله بك اختي الكاتبه وسلمت الانامل

  2. ربي يبارك بك كلام رائع

  3. عنوان راقي وبحث رائع ..يستحق المتابعة والقراءة.

    وفقكم الله استاذة شيماء الموسوي ..وان شاء الله مزيد من العطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *