الرئيسية / مقالات وتحليلات / العلم المكي والمدني، جذوره، أهميته، ضرورته، خطورته على النص القرآني

العلم المكي والمدني، جذوره، أهميته، ضرورته، خطورته على النص القرآني

إعداد : علاء المنصوري

المقدمــــة
يُعتبر علم تقسيم سور وآيات القرآن الكريم إلى مكي ومدني من العلوم القرآنية المستقلة التي أُلفت فيها العديد من الأبحاث والكتابات , كما ويعد من جملة العلوم القرآنية التي ينبغي على أصحاب التفسير معرفته والإحاطة به , لكي يتسنى لهم معرفة الآيات الناسخة من المنسوخة , وذلك من خلال معرفة الفترة التي أنزلت بها الآيات والسور .

سنتطرق خلال بحثنا هذا لمناقشة جملة من القضايا المتعلقة بهذا العلم من حيث بداية نشوئه – وهل له حضور في زمن النزول أم لا ؟ – وأهميته والآثار التي ترتبت عليه , وآراء المحققين بخصوص موقفهم من هذا العلم , كل هذه الأسئلة سيتضح جوابها خلال المحاور التالية.

المحور الأول : جذور العلم المكي والمدني
اختلف العلماء بخصوص فترة بداية نشوء هذا العلم ؛ منهم من ذهب إلى أنّ هذا العلم لم يكن له حضور في عهد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولم يرد عنه في ذلك قول ؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم – لم يؤمر به أصلًا , ومن جملة هؤلاء العلماء وأقوالهم : 
أ – القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (1) في “الانتصار يقول : “إنما يُرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين, ولم يرد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك قول , لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإنْ وجب في بعضه على أهل العلم ومعرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يُعرف ذلك بغير نص الرسول” [الإتقان للسيوطي جـ1 ص9]

ب – الزرقاني (2) في المناهل أيضًا يقول : لا سبيل إلى معرفة المكي والمدني إلا بما ورد عن الصحابة والتابعين في ذلك لأنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم -بيان للمكي والمدني. [مناهل العرفان للزرقاني جـ 1 ص 196]

ومن خلال هذه الآراء يتضح أنّ علم المكي والمدني , لم يرد عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولم يؤمر به , ولم يكن من الفرائض الواجب على الأمة معرفتها, وكل ما يرد بخصوص تفاصيل كونه مدني أو مكي فهو عن غير طريق النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – سواء من خلال الصحابة أو التابعين .

بينما مَن يعتقد أنّ علم ( المكي والمدني ) نشأ منذ العهد الأول لنزول القرآن , وله جذوره الممتدة إلى عهد الصحابة , وهذه الجذور يمكن معرفتها من خلال أقوال وتصريحات كبار الصحابة , ومنها ما قاله عبد الله بن مسعود : وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ . [صحيح البخاري رقم الحديث 4643]

يوجد عندنا اعتراضان نبينهما على النحو التالي :
الاعتراض الأول : حتى لو تنزلنا وقلنا بأنّ هناك من الصحابة من يعلم بمكان نزول الآيات والسور , فإن هذا العلم يحتاج إلى إثبات كونه قد دون بالتفصيل , لأنّ العلم في الصدور شيء , وتدوينه شيء أخر , بمعنى نحتاج إلى إثبات أنّ هذا العلم قد دون .
الاعتراض الثاني : إذا تنزلنا وقلنا بأنّ الصحابة دونوا ما يعلمونه بخصوص أين أنزلت كل آية وسورة , أيضًا يطرح سؤال : إذا كان ذلك كذلك ؛ وأنّ الصحابة دونوا بالتفصيل أين أنزلت كل آية , فيا ترى لماذا لم يعتمد القائمون والمختصون على هذا العلم على ما دونه الصحابة ويختصروا الطريق لتصنيف الآيات إلى مكي ومدني, بدلًا من بحثهم في مضامين الآيات والسور , وبعض خصائص الخطاب القرآني حتى يقسموا الآيات والسور على ضوء ذلك ؟!!!

قد يرد اعتراض من البعض على النحو التالي :
الاعتراض الثاني ليس تامًا , فعدم تدوين الصحابة لكل ما يعلمونه بخصوص أين أنزلت الآيات والسور , لا ينفي كونهم قد دونوا قسمًا منها .

الجواب على هذا الاعتراض يمكن معرفته من خلال المحور الثاني :

المحور الثاني : الضابطة في تقسيم وتصنيف المكي والمدني
اختلف العلماء والباحثون والمختصون في علوم القرآن وغيرهم بتحديد الضابطة لمعرفة الآيات والسور المكية والمدنية , حيث يرى جملة من العلماء أنّ السور والآيات المكية هي التي أنزلت في مكة ,والسور المدنية هي التي أنزلت في المدينة, بينما آخرين – من العلماء – يرون الآية والسورة وإنْ كانت نازلة في مكة فهي تكون في عداد السور المدنية والعكس صحيح , لأنّ المناط والضابطة عند هذا القسم من العلماء هو هجرة النبي من مكة إلى المدينة ( الهجرة النبوية ) , حيث يقولون : إنّ السور التي أنزلت قبل الهجرة هي مكية وإنْ كانت قد نزلت في غير مكة , وإنّ السور والآيات التي أنزلت بعد الهجرة هي مدنية ؛حتى وإنْ كانت قد أنزلت في مكة أو في غير المدينة , ومن جملة من يذهب إلى مثل هذا الرأي :

أ – ابن عطية (3) يقول ” وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي – صلّى الله عليه وآله وسلّم – فهو مدني , سواء ما نزل بالمدينة , أو في سفر من الأسفار , أو بمكة , وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة . [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 5/5]

ب – العلامة البقاعي (4) يقول : وكل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي , وكل ما نزل بعدها فهو مدني , ولو كان النبي – صلّى الله عليه وآله وسلّم – وقت نزوله في بلد آخر . [مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور 1/161]

وهنا على هذا الأساس وهذا الاتجاه , من إن كون مكية ومدنية الآيات والسور ناظرة إلى زمان هجرة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فلا يبقى أي معنى لقول الصحابة فيما لو قالوا وحددوا مكان نزول الآيات والسور , لأنه حتى لو كانت الآيات والسور قد نزلت في المدينة أو مكة لا يصح أنْ نرتب على هذا أي أثر لأنّ الضابطة ليست أين أنزلت بل متى أنزلت ( لا يهم معرفة مكان نزول الآيات ؛بل المهم لمعرفة مكية ومدنية الآيات هو الزمان , وبالتحديد زمان نزول الآيات هل كان قبل الهجرة أم بعد الهجرة وهذا لم يثبت من قِبل الصحابة ) .

بمعنى حتى لو تنزلنا وقلنا بأنّ الصحابة عينوا مكان نزول الآيات والسور ودونوا ذلك ؛ فأن هذا التعيين والتدوين لا ينفع في المقام في تحديد مكية ومدنية الآيات والسور ولا يحل المشكلة , لأنّ الضابطة في التقسيم – إلى مكي ومدني – هي الفترة الزمانية التي نزلت بها الآيات والسور وليس المكانية ؛ فالمناط هو :
أ – هل الآيات والسور أنزلت قبل هجرة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – حتى يصح القول عنها وتصنف ضمن عداد الآيات والسور المكية.
ب – أم أنزلت الآيات والسور بعد الهجرة النبوية ؛ حتى يصح القول عنها وتصنف ضمن عداد الآيات والسور المدنية .

المحور الثالث : أهمية تقسيم السور والآيات إلى مكي ومدني 
يذهب العلماء الذين يحتجون بعلم المكي والمدني إلى أنّ أهمية هذا العلم ترجع لمعرفة الآيات الناسخة من المنسوخة , حيث يقول أبو جعفر النحاس : وإنما يذكر ما نزل بمكة والمدينة ؛ لأنّ فيه أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ ؛ لأنّ الآية إذا كانت مكية وكان فيها حكم , وكان في غيرها مما نزل بالمدينة حكم غيره علم أنّ المدنية نسخت المكية . [الناسخ والمنسوح للنحاس 2/611]

وهنا تأكيد على أنّ الآيات المدنية : هي الآيات التي نزلت بعد الهجرة وتكون ناسخة ؛ بمعنى أنّ الآيات المدنية هي الآيات المتأخرة زمانًا في النزول على الآيات المكية , لأنّ مدنية الآيات ومكيتها تكون على النحو التالي : 
أ – ( الآيات المدنية : كل آية أنزلت بعد الهجرة وإن كانت في غير المدينة وتعتبر آياتها ناسخة) .
ب – ( الآيات المكية : كل آية أنزلت قبل الهجرة وإن كانت في غير مكة , وتعتبر آياتها منسوخة ) .

المحور الرابع : التأكيد على أهمية معرفة خصائص علم المكي والمدني
يعتقد العلماء الذين يحتجون بالعلم المكي والمدني لمعرفة الآيات الناسخة من المنسوخة , من أنّ كون هذا العلم من المرتكزات الأساسية التي ينبغي معرفتها , وخاصة لمن يريد أنْ يتكلم في كتاب الله – عز وجل – ومن لم يعرف أوجه هذا العلم لم يحل له التكلم في كتاب الله تبارك وتعالى , ومن جملة العلماء الإمام أبو القاسم النيسابوري وذلك بعد تبيانه الأوجه الخمس وعشرين من هذا العلم يقول : فهذه خمسة وعشرون وجهًا من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أنْ يتكلم في كتاب الله عز وجل . [التنزيل وترتيبه لأبي القاسم النيسابوري 222].

المحور الخامس : الآثار المترتبة على مكية ومدنية الآيات :
بينا في بداية البحث ومن خلال آراء كبار العلماء والمختصين على أنّ علم المكي والمدني , لم يرشد إليه القرآن الكريم , ولم ينبه عليه الرسول الخاتم -صلى الله عليه وآله وسلم- ، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة , أو كما نقلنا عن الزرقاني بقوله : لا سبيل إلى معرفة المكي والمدني إلا بما ورد عن الصحابة والتابعين , وهذا تأكيد على أنّ تقسيم الآيات إلى مكي ومدني لم يرد لا من خلال نص قرآني ولا نص نبوي.
يوجد سؤال مهم ومحوري وهو : لماذا لم يرشد القرآن الكريم ولم ينبه خاتم الأنبياء – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى تقسيم السور إلى مكية ومدنية ؟!
الجواب : نحن نعلم أنّ الإسلام ونبي الإسلام – صلى الله عليه وآله وسلم – ودلالات الآيات القرآنية الثابتة من خلال السنة النبوية مستهدفون من قبل أئمة المارقة , أصحاب الأفكار المدمرة لروح القرآن ودلالاته الناصعة البينة , كل هذا من أجل أنْ يبقى خطهم المنحرف قائمًا حتى ولو على تمزيق الآيات وطمر الحقيقة الواضحة البينة , وإلا لا يوجد من هو أحرص على الإسلام من النبي الخاتم – صلى الله عليه وآله وسلم – ومع هذا لم ينبه لضرورة وجود مثل هذا التقسيم ولم يرشد القرآن إلى هذا التقسيم أصلًا .
وكما سيتضح لنا خلال المحور السادس : كيف أنّ تقسيم الآيات إلى مكي ومدني , قد تمكن أصحاب المنهج المتطرف والمنحرف من استغلاله لبث سمومهم في سحق وتمزيق الآيات الدالة على انحراف الخط المارق , بحجة أنّ هذه الآيات والسور مكية والحادثة أو الرؤية أو ما شاكل ذلك وقعت وحدثت في المدينة !!, أي بمعنى أنّ الرؤية التي شاهدها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في عالم الرؤيا ؛ من أنّ جماعة من بني أمية قد نزت على منبره كما تنزو القردة حدثت متأخرة زمانًا على نزول الآية , وأنّ الآية – آية الشجرة الملعونة – تتحدث عن الكفار في مكة وليس عن بني أمية لما رآهم النبي الخاتم في منامه وهو في المدينة !.

المحور السادس : مدنية ومكية الآيات وتأثيرها على دلالات الآيات !!

في هذا المحور , نبين جملة من آراء المفسرين وكيف تعاملوا مع الآيات بحكم مدنيتها ومكيتها ويكون حديثنا بخصوص آية الشجرة الملعونة على سبيل المثال لا الحصر :
1- يقول عبد الله اسكندر : نفى بعض المفسرين هذه القصة لأنّ ما حدث بهذا الشأن كان بالمدينة والسورة مكية إلا أن تكون هذه الآية مدنية والسورة مكية. [الشجرة الملعونة في القرآن : عبد الله بدر اسكندر]

2- وفي تفسير الوسيط لطنطاوي ينقل عن ابن عباس قال: الرؤيا التي في هذه الآية، رؤيا رسول الله – صلى الله عليه [وآله]وسلم – أنه يدخل مكة في سنة الحديبية- فرده المشركون عن دخولها في تلك السنة-، فافتتن بعض المسلمين لذلك، فنزلت هذه الآية.. وفي هذا التأويل ضعف, لأنّ السورة مكية، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة … » [تفسير الوسيط لطنطاوي]

3- وأيضًا في نفس التفسير لطنطاوي يقول : والذي نرجحه هو الرأي الأول، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأنه على الرأيين الثاني والثالث يترجح أن الآية مدنية، لأنّ غزوة بدر وفتح مكة كانا بعد الهجرة، والتحقيق أنَّ هذه الآية مكية. [تفسير الوسيط لطنطاوي]

4- وأما في تفسير البغوي يقول : أراد بهذه الرؤيا ما رأى – صلى الله عليه [وآله]وسلم – عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فعجل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون فرجع إلى المدينة وكان رجوعه في ذلك العام بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم حتى دخلها في العام المقبل فأنزل الله تعالى : ” لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ” ( الفتح – 27 ) .[تفسير البغوي]

5- وفي تفسير الطبري ينقل : حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: يقال: إنّ رسول الله – صلى الله عليه [وآله]وسلم – أُري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فعجَّل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – السير إلى مكة قبل الأجل، فردّه المشركون، فقالت أناس: قد ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم.[تفسير الطبري]

المحور السابع : أئمة المارقة وتمزيق القرآن
هذه الآراء في هذه التفاسير تشير وبدلالة واضحة إلى أنّ العلم المكي والمدني [ الذي لم يرد عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولم يؤمر به ] له تأثير على دلالة الآيات , وإبطال دلالة الآيات من خلال علم المكي والمدني لازمه رفض كل الأحاديث والروايات الصحيحة التي بينت على سبيل المثال من هم المقصودون بالشجرة الملعونة – كما بينا ذلك خلال المحور الخامس – وهذا بحد ذاته خطر يمزق القرآن الكريم وآياته , وهذا ليس بمستبعد على هذا الخط المارق المتطرف فإمامهم الثاني عشر المتهتك (الوليد بن يزيد بن عبد الملك ) قد مزق القرآن , واستهزأ بآياته المباركة , وأخذ يجعل من آيات الوعيد في الكتاب المجيد مرمى لسهامه, ومع كل هذا فهم – المارقة – يعدونه – الوليد بن يزيد بن عبد الملك – من أئمة الدين وخاتم الخلفاء الاثني عشر الهداة المهديين الذين أشار لهم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في مناسبات عديدة ومنها : 
قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – : لا تزال هذه الأمة مستقيم أمرها ظاهرة على عدوها – أو على غيرها – حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش .
البيهقي معلقًا على هذا الحديث بقوله : وقد وجد هذا العدد – الاثنا عشر- بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك .[دلائل النبوة للبيهقي ج6 صت 520].
مَن هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك ؟
كما أتضح لنا أنّ المارقة يعدون الوليد بن يزيد من الخلفاء الذين بقي الدين بهم قائمًا والأمة ظاهرة على عدوها وعلى غيرها , وأنه – الوليد – الإمام الثاني عشر من أئمة المسلمين الذين يعملون بالهدى ودين الحق , فيا ترى هل الوليد إمام المارقة مستوفًا لهذه الصفات والمزايا فلنتابع عن قرب لمعرفة من هو الوليد الإمام الثاني عشر وخليفة المارقة ؟
1- الكامل في التاريخ لابن الأثير المؤرخ ص: 946 
ومما شهر عنه – الوليد – أنه فتح المصحف فخرج: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم :15]، فألقاه ورماه بالسهام وقال: 
تهددني بجـبـار عـنـيدٍ فها أنا ذاك جبار عـنـيد 
إذا ما جئت ربك يوم حشرٍ فقل يا رب مزقني الوليد 
2- تفسير القرطبي ص: 1896 
وحكى الماوردي في كتاب [أدب الدنيا والدين] إنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يومًا في المصحف فخرج له قوله عز وجل: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم :15] فمزق المصحف وأنشأ يقول: 
أتوعد كل جبـار عـنـيد فها أنا ذاك جبار عـنـيد 
إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد 
3- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ص: 504 
وكان – الوليد – في أيام هشام ينتظر الخلافة يومًا فيومًا، ففتح يومًا المصحف فطلع وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم :15] فجعل المصحف هدفًا للسهام وجعل يرمي نحو تلك الآية ويقول: 
تهدد كل جبـار عـنـيد فها أنا ذاك جبار عـنـيد 
إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد .

الشجرة الملعونة في الروايات
أما بما يخص الروايات التي تشير إلى أنّ الشجرة الملعونة هي فئة محددة وأمرها بين عند الصحابة وأمهات المؤمنين , بخلاف المنهج المارق الذي ضرب كل هذه الروايات والمرويات بعرض الحائط , بحجة أنّ الآية مكية والرؤية التي رأها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في المدينة , ومنها قول القرطبي : قال ابن عباس : هذه الشجرة بنو أمية ، وأنّ النبي – صلى الله عليه [وآله] وسلم- نفى الحكم , يقول القرطبي : وهذا قول ضعيف محدث والسورة مكية ، فيبعد هذا التأويل ; إلا أن تكون هذه الآية مدنية ، ولم يثبت ذلك . أنتهى كلام القرطبي 
نقول : أثبتنا عدم تمامية هذا القول من خلال ما تقدم , وإن مكية الآيات ومدنيتها لا يصح الاحتجاج بها ؛ لأنّ الآية وإنْ كانت قد نزلت في مكة بعد الهجرة فهي مدنية والعكس صحيح هذا لو سلمنا بأنّ مكي الآيات ومدنيتها يصح الاحتجاج بها على مدلول الآيات والسور.

من الروايات التي تشير إلى المقصودين بالشجرة الملعونة :
أ- عن عبد الله البهي قال: قال عبد الرحمن لـ [مروان] : ألست يا مروان ابن اللعين الذي لعن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أباك؟!.. [“تفسير ابن كثير” (4/159) – , أخرجه النسائي في “الكبرى” (6/458- 459) ]
ب – قالت أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – : رسول الله صلى الله عليه [وآله] لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله. [تفسير الدر المنثور للسيوطي ج 6 صـ 11]
ج – قال يعقوب بن سفيان : أنبأ أحمد بن محمد الأزرقي ، ثنا الزنجي ، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم [وآله]- قال : رأيت في النوم بني الحكم – أو بني أبي العاص – ينزون على منبري كما تنزو القردة . قال : فما رئي رسول الله -صلى الله عليه وسلم [وآله]- مستجمعًا ضاحكًا حتى توفي . 
د – قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد ، عن علي بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن ، هو الحمصي ، عن عمرو بن مرة ، وكانت له صحبة ، قال : جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرف كلامه ، فقال : ائذنوا له ، حية أو ولد حية ، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين ، وقليل ما هم ، يشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة ، ذوو مكر وخديعة ، يعظمون في الدنيا ، وما لهم في الآخرة من خلاق . [ البداية والنهاية ص: 271 ]
هـ – قال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا يحيى بن معين ، ثنا عبد الله بن نمير ، عن سفيان الثوري ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب في قوله : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [ الإسراء : 60 ] قال : رأى ناسًا من بني أمية على المنابر ، فساءه ذلك ، فقيل له : إنما هي دنيا يعطونها . فسري عنه . 
هذه والعشرات من الروايات والاحاديث تثبت وتشير وبصورة واضحة لا لبس فيها على أنّ رؤيا النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – هي في بني أمية وهم الشجرة الملعونة .

المحور الثامن : آراء المحققين بتقسيم الآيات والسور إلى مكي ومدني 
نكتفي بما ورد خلال المحاضرة الرابعة من بحث وقفات مع توحيد ابن تيمية الجسمي الأسطوري للمحقق الحسني حيث يلفت الأذهان إلى احتمال الخطورة التي تكمن وراء هذا التقسيم للآيات قائلًا : 
واحتمال الخطورة المترتبة على التقسيم – إلى مكي ومدني – تكمن في وجود الغرض الماكر والدافع الخبيث والمستَغِل المدلِّس الذي أسَّس للتقسيم وشجع عليه فاستغله بِحيلَة ومَكْر لتحقيق ما يصبوا إليه من فكر ومنظومة فكرية تختطف الإسلام واصوله النقية وتؤسس لإسلام منحرف اسطوري خرافي عديم الفكر والأخلاق، فيكون التفخيخ والعبوات الناسفة على طول الزمان فيكون التفجير للإسلام والمنظومة الأخلاقية الإسلامية من الداخل وباسم الإسلام ووسائله وأدواته بل وآياته وأحاديثه ورواياته، فلابد من الحذر والوعي الكامل لطرد كل مارق غريب وتكفير إرهابي شنيع .

وأضاف المحقق خلال المحاضرة الرابعة أيضًا إلى نقطة مهمة جدًا متحدثًا عن الآية التي أوردنا آراء المفسرين بخصوصها آية الشجرة الملعونة حيث يقول : 
لا يخفى عليكم أنّ القرآن الشريف عندما يريد “بالفتنة والشجرة الملعونة” أئمة المارقة دواعش التكفير الفكري وغير الفكري، فإننا نتيقن أنهم سيَشُدّون الأحزمة لنسف ذلك المعنى حتى لو مزقوا القرآن كما فعل إمامهم الوليد بن يزيد أحد الخلفاء الاثني عشر الذين بشّر بهم الرسول الأمين عليه وعلى آله الصلاة والتسليم!!!! وهنا وبكل سهولة فالدس والتدليس جاهز فيُرفَض ويُنفى وينتفي المعنى كليا بدعوى أن السورة مكية أو الادعاء أن الآية الشريفة مكية وليست مدنية فلا يأتي ذكر أي احتمال يخالفهم إلّا على نحو الطعن والتسفيه .

الخاتمة : 
الآيات القرآنية لا يمكن أنْ ترفض دلالتها من خلال علم لم يرشد القرآن الكريم عليه من خلال آياته ولم ينبه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – لضرورة نشوء مثل هذا التقسيم ولم يأمر به ولم يرد عنه من خلال السنة النبوية الشريفة وكما أثبت ذلك العلماء الذين أشرنا لهم خلال البحث , ويظهر هذا التقسيم وذلك من خلال تمزيق القرآن بحجة مكان نزول الآيات وزمنان نزولها يعتبر من الأساليب الخبيثة والدنيئة التي ينتهجها أئمة المارقة لتغيير دلالات الآيات وحرفها عن مواضعها حتى وإنْ كانت هذه الأساليب لازمها أنكار الأحاديث الصحيحة والثابتة , ولحكمة القرآن والخاتم – صلى الله عليه وآله وسلم – لم ينبهوا على مثل هذا التقسيم وذلك لقطع الطريق أمام أصحاب النفوس الخبيثة التي تحاول أنْ تمرر أساليبها الخبيثة والدنيئة وإلا لعد هذا التقسيم مبررًا شرعيًا والحمد لله أنه لم يرد بذلك أي نص قرآني ولا نبوي .
…………….
[1] أبو بكر الباقلاني : “القاضي أبو بكر ابن الباقلاني محمد بن الطيب بن محمد بن محمد بن جعفر، البصري، المالكي الأصولي المتكلم , وقال الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي: محمد بن الطيب أبو بكر القاضي معروف بابن الباقلاني، المتكلم على مذهب الأشعري، وكان ثقة، أعرف الناس بعلم الكلام وأحسهم خاطرًا وأجودهم لسانًا، وأصحهم عبارة .
[2] محمد بن عبد الباقي الزرقاني (1055 هـ – 1122 هـ ) (1645 م – 1710 م ) ، محدث، فقيه، أصولي، متصوف، من أعلام المذهب المالكي، ولد بالقاهرة سنة 1055 هـ) وتوفي بها سنة (1122 هـ، ونسبته إلى زرقان قرية من قرى منوف بمصر ..
[3] ابن عطية : هو أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن عطية المحاربي من أهل غرناطة.
نبذة عن حياته: ولد سنة 481هـ بغرناطة بالأندلس مع بداية عهد دولة المرابطين التي كانت تعرف بدولة الفقهاء.
كان فقيهًا عالمًا بالتفسير والأحكام والحديث. وكانت له اليد الطولى في اللغة والأدب والشعر.
[4] البقاعي : برهان الدين البقاعي(809 هـ – 855 هـ ) هو إبراهيم بن عمر بن حسن بن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، نزيل القاهرة، ثم دمشق.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

وسطية الإمام الجواد وعدله

مقال: شيماء الموسوي الإمام الجواد : هو أبو جعفر بن علي الجواد وهو التاسع من …

3 تعليقات

  1. حيدر البابلي

    بحث قيم وممتع
    كل التوفيق للكاتب المتميز ..الأستاذ علاء المنصوري في ميزان اعمالك الصالحة استاذنا الجليل.

  2. العراقي العربي

    بحث رائع وفقكم الله لنشر الحقيقه والوعي الفكري المعتدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *