الرئيسية / الإعجاز والإلحاد / المشكلة الاجتماعية والعلاج الإسلامي

المشكلة الاجتماعية والعلاج الإسلامي

إعداد: شيماء الموسوي

لا يخفى على عاقل أَنَّ المجتمع تعرّض للفتن والمآسي بسبب الانحرافات والالتواءات المذهبية التي ظهرت بمراحل زمنية متعاقبة، والتي دفعت بالإنسان إلى الخوض بمشاكل دينية، وسياسية، واقتصادية، وكانت ولا زالت تُسلّط المآسي والمظالم على المجتمع، كل ذلك تمهيدًا للانحراف عن المسار الاجتماعي الصحيح… وبما إنَّ
أ- الإنسان بطبيعته ميّالًا إلى إرضاء النفس، متأثرًا بالمغريات الدنيوية فقد أصبحت المشكلة ذات خطر أكبر.
ب- العقل يُشكِّل الخطر الأكبر على مستقبل وأهداف تلك المذاهب، أصبح إقصاءه أمرًا مهمًا، بمفهوم مادي للحياة يعتمد على تفضيل النفس والانشغال بالحياة المادية وتأمين متطلباتها.

ونظرًا للحاجة المُلّحة لمعرفة اتجاه تلك المذاهب انبرى بعض الباحثين منهم المرجع الصرخي في كتابه (فلسفتنا بأسلوب وبيان واضح) لتفصيل وتبيان أفكار الانظمة وأخطارها على المجتمع ومعالجتها بمبدأ إسلامي قائم على قيم أخلاقية متكاملة، فإنَّ حكم الانظمة للمجتمع تعمل على هدم المفهوم الحقيقي للحياة. والتي سندرجها لعرض مشكلاتها ومخاطرها وعلاج الإسلام لتلك المشكلات مقابل فشل الانظمة في ذلك المجال.
وسيتضمَّن البحث عرض مُختصَر للأنظمة ومشكلاتها وعلاجاتها…
والذي يتكون من ثلاث فصول:

الفصل الأول: مفهوم الانظمة الاجتماعية (الديمقراطية الرأسمالية، الاشتراكية، الشيوعية).

الفصل الثاني: مشاكل الانظمة الاجتماعية.

الفصل الثالث: علاج المشاكل الاجتماعية بمبدأ إسلامي.

…………..
الفصل الأول
مفهوم الانظمة الاجتماعية (الديمقراطية الرأسمالية، الاشتراكية، الشيوعية)

كانت ولا زالت تجتاح المجتمعات عدة انظمة تحمل في طياتها قوانين وتشريعات تُغيّر مسار الأمم، فتؤثِّر سلبًا على حياة الفرد، وبالتالي تُشكِّل خطرًا جسيمًا و داءً يُصيب مفاصل المجتمعات التي تتعرض لتأثير تلك الانظمة، وكان تمكّن الانظمة من بعض المجتمعات بسبب جهل البعض بماهية تلك الانظمة، وعليه لا بدّ من تفصيلها وإيضاح مسارها.

١- النظام الديمقراطي الرأسمالي: هو ذلك النظام الذي يقوم على الملكية الفردية لعناصر الانتاج والحرية الاقتصادية في إدارة، وتسيير، وممارسة النشاط الاقتصادي من خلال جهاز الثمن أو قوى السوق(١).

(آدم سميث) مَنْ أسس النظام الرأسمالي الديمقراطي واضعًا أُسس النظام القائمة على:
١- الحرية الاقتصادية التي تُبيح للفرد الأساليب والطُرق التي توفِّر له حياة الرفاه والتمتع باللذات وإنْ كانت على حساب المجتمع والأفراد، بما فيها:
أ- إباحة الملكية الخاصة للفرد دون التقيد بمبدأ أو سلوك، فللجميع الحرية المطلقة لتحقيق الهدف المادي.
ب- ضمان حماية الفرد وممتلكاته.
ج- مشروعية دفاع الفرد عن ممتلكاته الخاصة وبأساليب لم تكن في إطار أخلاقي محدود.

من الواضح أنَّ هذا النظام مادي خالص، منفصلًا انفصالًا تامًا عن المبدأ الأخلاقي أو أي جانب خارج نطاق المادة.
فبتأثير قوانين هذا النظام يتعرض المجتمع إلى المآسي والويلات والمصائب بسبب: 
أ-الفوضى الاقتصادية التي تعم البلد بارتفاع وانخفاض أسعار السلع وزيادة الانتاج وتقليصه بحسب تدرّج مصلحة المُنتِج المالك.
ب- المخاطر التي تهدد المجتمع بالانهيار باعتبار أنَّ الفرد هو الحاكم الرئيسي وتصيير الأمور وإدارتها تحت تصرفه وسيطرته فتُهمَّش مصلحة الجماعة.
ج-تدهور وسوء الأوضاع للطبقة الضعيفة كون صاحبة القوة الجبارة هي الطبقة المتسلطة على اقتصاد البلد.
د- امتداد أطماع المُنتِج لبقاع أوسع ليطال المناطق المجاورة واستغلالها بطرق غير مشروعة فتُخلّف الجرائم والويلات.
وعند دراسة هذا النظام( الديمقراطي الرأسمالي) دراسة موضوعية دقيقة يبدو ذو أهداف تختبئ خلف تلك الانظمة الاقتصادية ويتّضح الهدف في ما ذكره المرجع الصرخي في نص كلامه “ويُستفاد أيضًا من الديمقراطية الرأسمالية نفسها: حيث إنَّ الفكرة فيها تُقدَّم على الإيمان بعدم وجود شخصية أو مجموعة من الأفراد بلغت من العصمة قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها، إلى الدرجة التي تُبيِح إيكال المسألة الاجتماعية إليها والتعويل في إقامة حياة صالحة للأمة عليها” (٢)…
بالمفهوم العام للنظام أنَّه يروّج إنكار العصمة وعدم وجود قوة تُناط إليها المسألة الاجتماعية، وكل فرد قادر على تشخيص المشكلات ومعالجتها بطريقة منفصلة عن القوى الكبرى وبالتالي ترويجًا لمبدأ الإلحاد على أنَّه لا توجد قوة فوق قوة وطاقة الإنسان، ولا حاجة للإنسان لقوى تُسيِّر أموره أو توجدها، وهذا ما عصف بطبقة الشباب المعاصر، وبعض الطبقات والمجتمعات المُفتقِرة للعقل والإدراك الحقيقي والمفهوم الواقعي للحياة.

٢- الحرية السياسية: في المفهوم الديمقراطي الرأسمالي أنَّ السلطة والحكم مرتبطة بالفرد ارتباطًا مباشرًا باعتباره صاحب الملكية والمصلحة، فعليه يكون النظام وتعيين السلطات مرتبطة بالفرد وآيلة إليه…و بتباين وتفاوت القدرات الفكرية والعلمية بين شخص وآخر في الفهم الخاطئ للواقع السياسي الذي يولد من تلك التفاوتات هي صراعات فكرية بين الواقع والفرد، وبين الفرد والفرد(بحدٍ منفصل)، بالإضافة للصراعات الواقعية نسبةً لما تقتضيه حاجة الفرد وفطرته في حب الذات والسعي خلف الملذات، فيسعى لمقومات وعوامل تخدم تلك الرغبات وإنْ كانت تتسبب بإضرار مصلحة الجماعة وهلاكها، فإذا كان النظام يخدم الملكية الخاصة وداعم لها فلا حاجة للتضحية من أجل المجتمع والإيثار وتفضيل المصلحة العامة والتجرّد من (حب الذات).

٣-الحرية الفكرية والشخصية: وتعني أنَّ للفرد مطلق الحرية في تفكيره وإعلان رأيه ورغباته ومعتقده بلا قيد، فلا حد لحرية الفرد ما دامت لا تمس حريات الأفراد.
إذا كانت حرية الفرد مُطلقة من الطبيعي أن تؤثر سلبًا على الفرد وتظهر في سلوكه بطبيعة الحال، فالتفكير والتخطيط لعملٍ ما يتطور إلى معتقد ثم دراسة بالتالي عمل وتنفيذ وربما كان ذلك التنفيذ كارثة تحلّ بالمجتمع، فما دام الفرد مالكًا ذلك الكيان فهو قادر على فعل أي شيء باعتبار أنَّ حاضره ومستقبله عائد إليه.

٤ – الحرية الدينية: وهنا تقع المآسي والمصائب والويلات… فالنظام الديمقراطي الرأسمالي يمنح الفرد حرية المعتقد والتوجه ما دام يحقق سعادته فالإنسان تحت ظل ذلك النظام ترتبط مصلحته بالحياة المحدودة والفهم المادي للحياة بعيدًا عن الرضا الإلهي والعمل على تحقيق السعادة للحياة الأبدية!!! فحياة الفرد مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالجانب المادي بعيدًا عن الفهم الواقعي للحياة و كل فهم خارج الإطار المادي، ونجد ذلك المعنى يتّضح في ما ذكره المرجع الصرخي في نَص كلامه “مِنَ الواضح أنَّ هذا النظام الاجتماعي مادي خالصًا آخذ فيه الإنسان منفصلًا عن مبدئه وآخرته، محدودًا بالجانب النفعي من حياته المادية. وافترض على هذا الشكل، لكن هذا النظام في نفس الوقت الذي كان مشبعًا بالروح المادية فإنَّه لم يُبنَ على فلسفة مادية للحياة، ولا على دراسة مفصلة عنها…” (٣). 
فالمعنى من ذلك النظام أنْ يُبنى الإنسان على مبدأ بعيدًا بل منفصلًا عن مبدأ الدين والآخرة فتولد قناعة إنَّ المصلحة المادية فوق كل الاعتبارات وإنْ كانت دينية أخلاقية.
وعند قراءة النظام الديمقراطي الرأسمالي قراءة موضوعية دقيقة يتّضح للعقل مدى خطورة تلك الحرية بإقصاء الدين عن حسابات الفرد والمجتمع، وبالتدرج الحاصل في الابتعاد عن الرضا الإلهي والمفهوم الواقعي للحياة فإنَّ الفكرة ستصبح حلقة وصل وأداة للوصول إلى قناعة بإنكار الخالق وعدم ضرورة الارتباط بحياة الآخرة لتحل الكوارث وتتطور الفكرة إلى مفهوم الإلحاد وإنكار الخالق بتعزيز المصلحة الفردية وضرورة حصولها، وبعدمها حاصل الهلاك لا محال.
فالمفهوم العام للنظام الديمقراطي هو حرية الفرد حرية مطلقة فكريًا، ودينيًا، وعمليًا، فلا توجد قوانين تحدّ من سلوكيات الفرد أو تقيدها، ولا رقابة دينية أو سياسية أو حتى مُعتقَد يضع قانون يتصرف بموجبه الفرد.

٢- النظام الاشتراكي: هو ذلك النظام الذي يقوم على الملكية الجماعية لوسائل الانتاج وتحكّم الدولة في إدارة وتسيير، وممارسة النشاط الاقتصادي من خلال التخطيط المركزي (٤).
المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الاشتراكية هو إلغاء الملكية الفردية وتحويلها إلى السلطة القائمة على المجتمع، وبمعنى آخر سلب الحرية والملكية الخاصة التي منحتها الرأسمالية للفرد دون ومراعاة فطرة الإنسان في حب الذات واستعداده لخوض الصراعات وصولًا إلى هدفه المادي وأهوائه ورغباته سعيًا لإرضاء النفس، بالإضافة إلى أنها فلسفة خاصة للحياة وفهم مادي لها بطريقة ديالكتيكية، فمبدأ (الجدل) مع المفهوم المادي للحياة لا يتناسب وفطرة الإنسان بحب الذات وسلب حرياته وملكيته، فيؤدي إلى سخط وتمرّد الأفراد على ذلك النظام والخروج عن سيطرة الجهاز الحاكم.

٣-النظام الشيوعي: إذ لا يختلف عن النظام الاشتراكي في مفهومه المادي للحياة وتشريعاته وقوانينه وأسلوبه في معالجة المُشكل الاجتماعي بنفس الطريقة الخاطئة.
بعد أنْ استكمل (هيجل) تلك الفلسفة جاء (كارل ماركس) وتبنّى الفكرة وطبقها، فقام بتفسير التأريخ ماديًا بطريقة ديالكتيكية (جدلية)، وحاول تسوية الأوضاع الاقتصادية ومعالجتها بطريقة ساذجة بعيدة عن نقطة الداء وتشخيصها زاعمًا أنَّ هذا النظام سيحقق الهدف الإنساني وإنقاذ البشرية، اعتقادًا بأنَّ تلك الفلسفة تستبدل الوضع الراهن بوضع جديد تستقر وتتعادل فيه طبقات الإنسانية وتحقق ارتباط الفرد بتلك الطبقة الموحَدة، متناسيًا الصراعات والنزاعات التي تقوم في ميدان التناقضات بسبب التغييرات المفاجئة الحاصلة على حياة الفرد، مما يثير غضبه وتمرّده ضد النظام الجديد عائدًا هذا لبقاء واستمرار فطرة الإنسان وطبيعته قائمة في نفسه، فالنظام الماركسي الشيوعي يقوم على : 
أ- إلغاء الملكية الفردية وتسليم الاقتصاد للسلطة، إذ يصبح مصير الفرد ودخله ورأسماله تحت تصرف الجهاز الحاكم وعائد إليه، إيمانًا بمساوئ النظام الديمقراطي الرأسمالي في إعطاء الفرد حرية التصرف باقتصاد البلاد، وعملًا بمبدأ ترويض الأفراد وإعادة تأهيلهم بانتزاع حب الذات بالإجبار أو ما يشابه سرقة الذات، مما يوّلد السخط والغضب ضد النظام والمجتمع.
ب- توزيع المنتجات والسلع والعائدات على الأفراد بحسب الحاجة، والعمل كلًا بحسب قدرته، وحصول الأفراد على احتياجاتهم بصورة متساوية ومتعادلة، مما يدعو البعض أو الأغلب للتراجع عن العمل والانتاج، فبطبيعة النظام سيحصل على ما يحتاجه كأي فرد لم يساهم في العمل الجماعي والانتاج!!! فلماذا بذل الجهد من أجل الغير والعمل بمبدأ الإيثار وبالتالي يحصل التساوي في توزيع الإيرادات؟! وهذا طبيعي كون الفرد لا زال يعيش فطرته وشعوره بحب الذات، فقد اُنتِزعَتْ ملكيته وتجرّد منها، لكن حب الذات والصراع من أجل البقاء لا زال قائمًا في نفسه، ورغباته في السعي خلف الملذات لا زالت قائمة كذلك.
في نظر المؤسسين للنظام الشيوعي أنَّ هذا النظام سيعالج مشكلات المجتمع ويُعتبَر الحل الوسط لاستقرار الأفراد و الجماعة والسيطرة عليها من قِبَل الجهاز الحاكم لتصبح قيادة الفرد الاقتصادية والسياسية والفكرية تحت تصرفه، وإنَّ بمقدوره تحقيق المعجزة في تغيير سلوك الفرد والتمكن من انتزاع حب الذات وحقوقه بمجرد إلغاء الملكية الخاصة وتجريده من تلك الامتيازات التي كان يتمتع بها تحت بموجب النظام الديمقراطي الرأسمالي، ومِنَ الطبيعي عند النظر بدقّة لذلك النظام سيظهر الطابع العام في تشريعاته وقوانينه وهو إلغاء دور الفرد وإفناؤه جاعلًا الفرد أداة لتحقيق الانتاج والنجاح الاقتصادي، على عكس الشخصيات الاجتماعية هي الفائزة في ذلك المحور وتلك المرحلة، إذ إنَّ النظام الماركسي يساند المجتمع مع إقصاء الفرد واضمحلاله تحت مجريات النظام الجديد.
مع تلك التناقضات والتغيرات المفاجئة التي حصلت على حياة الفرد، هل يُعتبَر الحل الشيوعي علاجًا تامًا في تحقيق التربية الذاتية والاستقرار المجتمعي؟!!! بطبيعة الحال…لا، فالعلاج ينقصه دراسة موضوعية لحياة الفرد وطبيعته وعدم التعامل معه بمبدأ مادي بحت بعيدًا عن مبدأ الإسلام الأخلاقي المتكامل، فالأخطار الجسيمة التي تحصل على المجتمع بسبب العلاج الشيوعي ستطال جميع الأفراد والجماعات على حدٍ سواء وتعد من أكبر المأساة التي تطيح بالاستقرار والأمن كون حب الذات لا زال يكمن في حياة الفرد لكن يختبئ بتأثير الضغوطات الإجبارية بعد أنْ ضُرِبَ بيد من حديد من أجل التخلي عن ملكيته وحبه لذاته والتظاهر بالإيثار المزعوم، فالعلاج الشيوعي وإنْ كان يتمثل بالإنسانية ظاهرًا لكنه لم يشخّص نقطة الداء لذلك لم ينجح بعلاج المشكل الاجتماعي، ولم يلتفت إلى نقطة مهمة وهي أنَّ المشكلة لا تكمن في الملكية الخاصة فحسب بل هي في نفس الشخص وفطرته التي وُلِدَ وتربى عليها التي يكون الإنسان تحت تأثيرها إذا لم يتم انتزاعها بمبدأ إسلامي يتناسب مع مبادئ الأخلاق والإنسانية.
ونجد ذلك المعنى في كلام السيد الصدر –قدس سره– في نص كلامه ” والواقع أنَّ النظام الشيوعي وإنْ عالج جملة الأدواء الرأسمالية الحرة، بمحوه للملكية الفردية، إلّا أنَّ هذا العلاج له مضاعفات طبيعية تجعل ثمن هذا الدواء باهظًا، وطريقة تنفيذه شاقة على النفس لا يمكن سلوكها إلًا إذا فشلت سائر الطرق والأساليب، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هو علاج ناقص لا يضمن القضاء على الفساد الاجتماعي كله، لأنه لم يحالفه الصواب في تشخيص الداء، وتعيين النقطة التي انطلق منها الشر حتى اكتسح العالم في ظل الانظمة الاجتماعية…”(٥).

……………..

الفصل الثاني
مشاكل الانظمة الاجتماعية

سنتناول في هذا الفصل مشاكل الانظمة الاجتماعية الثلاث، وما تسببت به من انهيار وتهديم المجتمعات، ومدى آثارها السلبية على حياة الفرد والجماعة.
١- مشاكل النظام الديمقراطي الرأسمالي: ذكرنا في الفصل الأول آلية النظام الديمقراطي في تعامله مع الفرد، فمنحه الحرية المطلقة في جميع الجوانب الدينية، والاقتصادية، والسياسية، لضمان حياة مستقرة من الناحية المادية!!! ولنُجسِّد مشهد طبيعة الحياة تحت تأثير ذلك النظام وتطبيقه نظام حرية الفرد… فيكون الإنسان يتمتع بالحريات المطلقة دون قيد أو قانون يُحدد تصرفاته وأفعاله ونشاطاته بالتزامن مع مفهومه المادي للحياة، والعمل لحياة محدود دون الارتباط الفكري والمعنوي بالمفهوم الواقعي للحياة، وانفصاله انفصالًا تامًا عن الهدف الأخلاقي والمبادئ والقيم والمفهوم الواقعي للحياة وهو ارتباط الفرد بالرضا الإلهي، فتكون أفعال الفرد قائمة على تحقيق مطالبه وتكالبه على الحياة السعيدة، 
وأصبح عمل الفرد قائمًا على عدة خطوات لتحقيق الهدف بما تتضمنه الخطوات من مشاكل وأزمات، فهي:

أ- الخطوة الأولى: تخطيط الفرد لضمان رأس المال لتنفيذ مشروعٍ ما، وبما إنَّ الفرد يتمتع بالحرية المطلقة فمن الطبيعي أنْ يسلك شتّى الطرق لتأمين المبالغ الرأسمالية، وإنْ كان فيها اصطدام بمصلحة الأفراد والجماعات… وعلى الأرجح قيام الصراعات بين الأفراد لتكالب كل منهم في تحقيق هدفه المادي، وبالتالي تؤدي إلى جرائم وزهق للأرواح، وعلى أقل تقدير للمصائب الواقعة سلب الأموال وتفضيل المصلحة الذاتية على المصلحة العامة، فلا ضوابط أخلاقية للتضحية لخدمة الصالح العام، ولا قانون يحاسب المتجاوزين على أمان ومصالح الأفراد، فالإنسان يتمتع بحقوق شاملة مِنْ قِبَل الجهاز الحاكم، والعمل كلًا بحسب قدرته، بمعنى آخر (افعل ما تشاء لضمان العيش الرغيد) وهذا المعنى كفيل بكوارث فعلية تفتك بالمجتمع.

ب- الخطوة الثانية: تأمين المكان الجغرافي لإقامة المشاريع وقد يتسبب في الاستيلاء على أراضي الغير، فما زال القانون يمنح الحريات -كما أسلفنا- فتنتفي المعايير الأخلاقية عند الفرد للحصول على أراضٍ تضمن قيام مشاريعه، غير مُبالٍ بالنتائج التي تُبنى على سلوكه اللاشرعي، فمن حق الأقوى وحسب إمكانيته أَنْ يؤمٍّن المقومات الأساسية لحياته المادية بغض النظر عن المصلحة الجماعية، والأخلاق، والدين، والقيم، والمبادئ، والإيثار… وما إلى ذلك من صفات إنسانية، فهذه الصفات اُقصيَتْ من حياة الفرد وارتبطت حياته بالهدف المادي الخالص.

ج- الخطوة الثالثة: تأمين الأسواق اللازمة لترويج البضائع وتصريف المنتجات والسلع، وبما إنَّ الإنسان قادر على زيادة الانتاج فبالتالي تزداد الحاجة في توفير الأسواق الإضافية للتداول والتبادل الاقتصادي فيعمد الفرد لتوفير الأسواق، لتمتد الأطماع إلى الأراضي المجاورة واستغلالها بطرق و إنْ كانت غير شرعية، ومِنْ الطبيعي يَصحَب ذلك انتهاك للحرمات وسفك الدماء وزهق الأرواح، مُتسببًا خسائر بشربة ومادية ومعنوية، فنتائج الاحتلال المأساوية مُتوقعَة في أي مجتمع يتعرض له سواء كانت نتائج على الصعيد المادي أو المعنوي.
إنَّ شِدَّة حركة الانتاج وقوّتها بدافع مِن الحرص على كثرة الربح مِن ناحية، ومِن ناحية أُخرى انخفاض المستوى المعيشي لكثير مِن المواطنين بدافع مِن الشر المادّي للفئة الرأسماليّة، ومغالبتها للعامّة على حقوقها بأساليبها النفعيّة، التي تجعل المواطنين عاجزين عن شراء المنتجات واستهلاكها، كل ذلك يجعل كبار المنتجين في حاجة ماسّة إلى أسواق جديدة لبيع المنتجات الفائضة فيها، وإيجاد تلك الأسواق يعني التفكير في بلاد جديدة” (٦).

٢- مآسي الشيوعية: بما إنَّ النظام الديمقراطي الرأسمالي تسبب في فوضى أطاحت بالمجتمع بسبب تشريعاته في حرية الفرد والملكية الخاصة بالتحديد، جاء نظاما الاشتراكية والشيوعية لمعالجة المشكلة الراهنة خوفًا من تفاقمها، ظنًا أنَّ بمقدوره تحقيق المعجزة وتبديل الإنسان بغير الإنسان وتقديم العلاج للأدواء المجتمعية، فقامَ بـ :

أ- انتزاع الملكية الخاصة وتجريد الفرد من ملكيته وحرياته التي منحها إياه النظام الديمقراطي الرأسمالي دون الالتفات إلى فطرة الإنسان في (حب الذات) واستعداده للتقاتل من أجل مصلحته الشخصية، خصوصًا بعد أنْ عززها النظام الديمقراطي، فالتناقضات التي تسببت بها الانظمة ستأخذ بالأفراد والمجتمعات إلى ساحات صراع مفتوحة بسبب تلك النقلة المُفاجِأة في حياة الفرد، فبعد أنْ كان يتمتع بجميع الحريات والضمانات لحقوقه الخاصة أصبح مُجردًا منها، وبعد أنْ كان همّهُ مصلحته الخاصة أصبح مُجبَرًا على تفضيل مصلحة المجتمع والتحلّي بالإيثار المزعوم القاهر لرغباته وحبه لذاته، وهذا بديهي كون انتزاع الملكية الخاصة وبقاء (حب الذات) سيولد التمرّد والصراعات التي وُلِدَتْ من رحم التناقضات في تلك المرحلة التي اُجبِرَ الفرد على التعايش معها والانسجام مع نظامها الجديد، فأصبح الإنسان من فرد له ملكيته وحرياته إلى فرد مُجرَّد منها بالكامل، مع…
– بقاء حب الذات في نفسه.
-بناء تصرفاته وسلوكياته على مفهوم مادي للحياة.
– ارتباطه بالحياة المحدودة.
– انفصاله عن مبدأ الأخلاق والدين انفصالًا تامًا.

فيصبح الإنسان أكثر عصيانًا وتمردًا للنظام باعتباره نفس الإنسان ببقاء مقومات شخصيته ورغبته السابقة في تقديم مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع.

فالنظام الشيوعي فشل في تقديم العلاج كونه لم يشخّص الداء ولم يضع له العلاج المناسب مما أدى إلى تفاقم المشكلة الاجتماعية.

ب- توزيع الموارد على الأفراد كلًا حسب حاجته، مع قيام الفرد بعمل الانتاج والاقتصاد وهذا سيولد شعور الفرد أنَّه أداة لتحقيق هدف المجتمع.
سيؤدي ذلك النظام إلى تعطيل الأغلبية عن العمل كون الفرد حاصلًا على ما يحتاج سواء ساهم في العمل الجماعي أم لم يُساهم، فلا حاجة لبذل الجهد من أجل الغير ما دام الإنسان غير مُجبَر على تقديم مصلحة الجماعة على المصلحة الشخصية، وبالتالي يحصل التراجع في الإنتاج والاقتصاد على وجه العموم.

لم تحقق الأنظمة المادية الثلاث التوازن، فالنظام الديمقراطي الرأسمالي يضع مصلحة المجتمع وتحديد مساره الاقتصادي والسياسي بيد الفرد باعتبار إنَّ مصلحته مرتبطة بالسلطة ارتباطًا مباشرًا، غير مبال بالتفاوت الفكري والأخلاقي بين الأفراد فتحصل الفوضى وتتحول البلاد لساحات صراع من أجل البقاء، فحب الذات هو المُسيِّطر على الفرد ومُسيّره حيث تحقيق الهدف.
ثم يأتي النظام الشيوعي محاولًا علاج المشكلة بداءٍ آخر ومشكلة أكبر في سلب إرادة الفرد وملكيته وحريته التي يتمتع بها ويتحول من إنسان يقرر مصير الاقتصاد إلى أداة لتحقيق مصلحة المجتمع، وبمفهوم أوضح كان علاج النظام الشيوعي ناقصًا حيث لم يحدد المشكلة الحقيقية ولم يُشخّص الداء ففشل في معالجة أدواء المجتمع.

………………

الفصل الثالث

علاج النظام الإسلامي للمشكلة الاجتماعية

بعد العرض المُبَسّط للأنظمة الثلاث ومأساتها على المجتمع، وفشلها في تقديم العلاج للمشكلة الاجتماعية، يأتي تشخيص الداء وإيجاد العلاج بالمبدأ والنظام الإسلامي بتشخيص الداء وإيجاد الحلول المناسبة للأدواء بمعتقده الأمثل في أنَّ الإنسان يولد ومعه فطرة (حب الذات) التي تظهر على سلوكه الحَسَن تارة حيث يكون الإيثار وحب المجتمع يتناسب ورغبته الذاتية، بينما يظهر السلوك الأناني بجهده وسعيه في تحقيق الملذات والمصلحة الشخصية باللامبالاة فيما يُصيب المجتمع على أثر تحقيق تلك الرغبات وعلى حساب مصلحة الجماعة، ويظهر ذلك السلوك حسب البيئة التي ينشأ فيها الإنسان، فلو عدنا إلى العلاج الشيوعي فهو محاولة صبّ الإنسان في قالب جديد وصناعة منه إنسان آخر يتناسب مع النظام الجديد، إنسان مُحب للمجتمع ساعٍ في تحقيق أهدافه، يتحلّى بالإيثار الخالص، تارك السعي خلف ملذاته وسعادته، بمجرد إلغاء الملكية الفردية!!! وجعله أداة لتحقيق أهداف المجتمع -كما أسلفنا-.

فالحل الأمثل في مبدأ الإسلام وعلاجه وهو تطوير المفهوم المادي للحياة لدى الإنسان، فالإسلام وضع يده على نقطة الداء وأوجد العلاج الصحيح لها، وأنَّ المشكلة الحقيقية ليست الملكية الفردية التي وضعها النظام الديمقراطي الرأسمالي، بل المشكلة تكمن في فطرة الإنسان وطبيعته.
حيث إنَّ الإسلام طوّر المفهوم المادي للحياة وكفَلَ حق الفرد ووضع التوازن بينه وبين المجتمع، ولم يجعل الإنسان أداة لتحقيق أهداف المجتمع والجهاز الحاكم بل كفل للفرد حقه المادي والمعنوي لتُنتَزَع منه (حب الذات) بطريقة تلقائية لتتحول إلى حب المجتمع والسعي إلى تحقيق أهدافه، نضِف إليها أنَّ الإسلام وضع أُسس تربط الإنسان بمفهوم واقعي وهو رضا الله –سبحانه وتعالى– وإنَّ المقياس الخلقي واستقامة الإنسان والتكامل يرتبط ويقاس بمقدار ما يتحقق من الرضا الإلهي، وهذا لا يعني التغيير في خلق الإنسان أو صبّه في قالب جديد فيصبح الإنسان غير الإنسان، فالفهم الواقعي للحياة غيره الفهم المادي لها، فهو يستبدل مفهوم الحياة المحدودة بأهداف تتصل بحياة أبدية تتوفر بها السعادة الكبرى ويتوقف ذلك على مقدار ما يتحقق من تكامل ومبدأ أخلاقي، فبعد أَنْ يتربى الإنسان على مبدأ إسلامي هدفه الرضا الإلهي سيكون الإيثار والعمل لمصلحة الجماعة سجيته ومبدأ لحياته… “فالدين يأخذ بيد الإنسان إلى المشاركة في إقامة المجتمع السعيد والمحافظة على قضايا العدالة فيه التي تحقِّق رضا الله تعالى؛ لأنَّ ذلك يدخل في حساب ربحه الشخصي ما دام كلّ عمل ونشاط في هذا الميدان يُعوَّض عنه بأعظم العوض وأجَلّه.” (٧).

…………….

الخاتمة//

١- النظام الديمقراطي الرأسمالي نظام مادي بما للكلمة من لفظ ومعنى لايقوم على فهم فلسفي فشل في حل المشكلة الاجتماعية..

٢-النظام الشيوعي ناظام مادي يقوم على فهم فلسفي للحياة بطريقة ديالكتيكية فشل في التشخيص والتطبيب وتطبيقه مستحيل ولايمكن إلا إذا تغير الانسان غير الإنسان.

٣-العلاج الإسلامي للمشكلة الاجتماعية جاء على أساس المبدأ الأخلاقي وتطوير المفهوم الواقعي للحياة لدى الإنسان، وارتباط حياة الفرد بالهدف الخالص في الرضا الإلهي وإنَّ الحياة المحدودة ما هي إلا وسيلة لسعادة أبدية في حياة الآخرة، ليتكون لدى الإنسان حب المجتمع والسعي لتحقيق أهداف الجماعة والعمل بمبدأ الإيثار وحب الغير.

………………….

المصادر//

١- النظام الاقتصادي مدخل ومنهاج. أشرف محمد دواية، دار السلام، القاهرة، ط ١، ٢٠١٠م. ص ٣٥.

٢- “فلسفتنا” بأسلوب وبيان واضح للسيد الصرخي ، ص ٣٢.

٣- “فلسفتنا” بأسلوب وبيان واضح للسيد الصرخي، ص ٢٧.

٤-الاقتصاد الإسلامي مدخل ومنهج، ص ٤٦.

٥- “فلسفتنا” بأسلوب وبيان واضح للسيد الصرخي، ص ٣١.

٦- “فلسفتنا” بأسلوب وبيان واضح للسيد الصرخي، ص ٤١.

٧- “فلسفتنا” بأسلوب وبيان واضح للسيد الصرخي، ص ٧٤.

17 تعليق

  1. احسنت اختي الباحثة فعلا بحث قيم يستحق التدبر وبكل دقه لما يتناوله من التفاتات من خلال الكشف عن ضعف قدرة الأنظمة على الإدارة والإرادة التي تحقق السعادة للشعوب مقارنةً بالنظام الإسلامي المتكامل

  2. احسنت اختي الكريمة

  3. بارك الله تعالى جهودك في بيان هذا البحث الرائع

  4. امل علي سلمان

    إن الإسلام كعقيدة وشريعة ,جاء بأخلاق وقيم كلية شاملة تستغرق حياة المسلم ,وسلوكياته الفردية ,وعلاقاته الاجتماعية ووضع لذالك أحكاما وتشريعات تنظم كل أنماط الحياة حتى يضمن حماية الفرد ,والمجتمع من كل انحراف قد يكون له انعكاس سلبي مدمر للفرد والمجتمع الإسلامي .والواقع أن مجتمعنا الإسلامي ظل زمانا طويلا في منأى عن كل الانحرافات الأخلاقية ,والسلوكيات الشاذة ,حتى اجتاحته العلمانية الغربية ,باسم الحرية,والديمقراطية ,والعولمة ,والتجارة الحرة ,وحقوق الإنسان …فبدأت قيمنا الأخلاقية تنهار الواحدة تلوى الأخرى بل تسارع الهدم الأخلاقي حتى أصبحنا نتساءل هل نحن مسلمون؟ ونعيش في مجتمع إسلامي؟ إن تدهور القيم وتحللها وما نتج عن ذلك من تشويه لشخصية الفرد والمجتمع معا ومن تنام للمعاصي والمنكرات لا علاج له إلا بالرجوع إلى الإسلام عقيدة وتشريعا وحكما وتنظيما

  5. احسنت

  6. موفقين لكل خير من الدنيا والآخرة اللهم يسدد الكلام الصحيح في المكان المناسب لنصرة الدين الاسلامي

  7. بارك الله بكم

  8. علاء جاسم حنون

    جزيتم خيرا أستاذتنا القديرة

  9. ارجوان البابلي

    بحث راقي،، سلمت أناملكِ استاذتنا الفاضلة شيماء الموسوي

  10. بحث راقي من راقي ومجهود رائع من رائعة

  11. الاستاذ حمود الظالمي

    لابد لكل قارئ منصف أطلع على النظريات الرأسمالية والشيوعية والإسلامية أن يلاحظ قوة وسعة وعدالة النظرية الاسلامية وكيف انها تلائم الفطرة الانسانية وترغب باعمال الخير
    اما بقية النظريات فهي ناقصة وغير تامة

  12. عبد المجيد الطائي

    بدات الشعوب الاوربية تدرك فشل انظمتها والتقارير الاجتماعية تثبت حالات الانتحار في تزايد نتيجة الفهم الخاطئ لواقع الحياةوكذلك الشعوب الشرقية التي ترزح تحت حكم الشوعيه

  13. بحث رائع حقا ولقد اطلعت على الكثير من الحقائق التي تبين حقيقة الانظمة المادية التي انهكت المجتمع وجعلته كلعبة للشطرنج .