الرئيسية / بحوث ودراسات / أصحابُ الحسيـــن أم أصحـــابُ القائم، مَنْ هُم أفضل وأربط جأشًا؟ دراســــةٌ تحليليــةٌ مقارنــــةٌ

أصحابُ الحسيـــن أم أصحـــابُ القائم، مَنْ هُم أفضل وأربط جأشًا؟ دراســــةٌ تحليليــةٌ مقارنــــةٌ

إعــــداد / خديجــــة شنـــان اللهيّبـي

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم

{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) }

صَدَقَ اللهُ العَظيم 

[سورة طـــــــــــــه]

 

الاهــــــــــــداء

إلى سيدنا ومولانا.. بقية الله في أرضه.. المذخور لنشر عدله في بريته.. خاتم أئمة الهدى.. ومصابيح الدجى.. وأعلام التقى.. الحجة الثاني عشر.. المهدي المنتظر – عجل الله تعالى فرجه الشريف. نرفع مجهودنا المتواضع هذا لمقامه السامي آملين منه حسن القبول.

 

المقدمــــــــــــة:

     اللهم لك الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك، الذين استخلصتهم لنفسك ودينك، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم، الذي لا زوال له ولا اضمحلال، بعد أنْ شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية، وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء به، فقبلتهم وقرّبتهم وقدّرت لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك، وكرمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك، وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة إلى رضوانك.

اللهــــم عرفنـــي نفسك فإنك إنْ لــم تعرفنـــي نفسك لم أعرف نبيـــك، اللهــــم عرفنـــي رسولك فإنــك إنْ لـــم تعرفنـي رســــــولك لم أعرف حجتـــك، اللهم عرفني حجتك فإنك إنْ لم تعرفني حجتـــك ضللت عن دينــــي، المجلسي، ج 92، ص٣٢٦،

وبعــــــــــــــــــــد…

      اختــــلف النـــــاس والباحثون، على قلــة عددهم، بشأن أفضليــة أصحاب الإمام الحسين أم أصحاب الإمام المهدي -سلام الله عليهمـــا-  إلى عدة آراء:

1- ذهب بعضهـــم إلى أنَّ أصحاب الإمام الحسين -سلام الله عليه- أفضل من أصحاب الإمام المهدي -عجل الله فرَّجه الشريف-  فقد كانوا على يقين قاطع أنّهم مقتولون، ولا أمل لهم بالغلبة العاجلة، مُستندين بذلك لحديث الإمـــام الحسين ليلةِ العاشر من محرم الحرام “فأنّي لا أعلم أصحـــابًا أوفى ولا خيــــرًا من أصحــابي، ولا أهــل بيت أبـــــرّ ولا أوصــل من أهل بيتـــي فجزاكـــم الله عنـــي خيـرًا…” (الإرشاد ج 2 ص 91).

 

2- ويقول آخرون: إنَّ أصحاب الإمام المهدي هم خـيــــر الأصحاب على الإطــــلاق لأنَّ الله اختصهم بأنْ جعلـــهم أهل آخـرِ الزمـــــان فبهم ينصر الله أضعف خلقه وينيــــر بعدلهم ظلــم الجـــــور ويــُـطفئ بهم نيـــران الكــفر حتى يجـــري حُكمه على كل حكم ويغلب بحقه كل باطل، وأنَّ حديث: ” فأنّي لا أعلم أصحابًـــا أوفــى ولا خيرًا من أصحابـــــي…” يختص بخيــر الأصحاب الذين مضـــوا قبلهم وليس بالذيــــن يأتـون من بعدهم.

 

3- ونظر فريق آخر من دعــــاة الحياد بأنْ لا نفتح بابًا للتســـاؤل والنقـــد في مثل هذه الأمـــــور لأنَّ الطرفين من أهل الجنة وكــــلاهما عمل ويعمـــل في رضـــا الله وأنَّهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِيــــنَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، المائدة: 101.

 

4- رأي آخــــــر منسيُّ وهو الرأي المستفاد من كلام أهل البيت -سلام الله عليهم- وحديثهم وما وصل إلينا من رواياتهم ونقله العلماء الكبار، مؤسسو المنهج العلمي والاجتهادي في الفقه والأصول والتفسير والكلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منهجيـــــــــــة البحث

      في هذه الورقة ركزنا على الرأي الأول والثاني لِما لهما مِن أهمية وثقل على أرض الواقع ولكونهما يمثلان مضمون مشكلة البحث، وأيضًا تبنينا الرأي الرابع والذي سنحاول جاهدين إنْ شاء الله تبيان سبب ذلك بالتفصيل، بل يمكننا القول: إنَّ الجزء الأعظم من هذا البحث ما هو إلّا شرح وتحليل لهذا الرأي بالذات وبصرف النظر عن علم الإمام بالغيب فإننا قمنا بدراسة النهضة العظيمة لخير الأصحاب من زاوية المجرى الاعتيادي  للأمور كي يكون عملهم أســــوةً يمكن للناس أنْ يقتدوا بهِ.ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكلمـــات المفتاحيـــــة: خير الأصحاب، أفضل أهل كل زمان، إيمان الأحرار أم التجار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تمهيـــــــــــــد:

       ارتبط اسم (خير الأصحاب) بفاجعة طف كربلاء تلك الحادثة بل سلسلة الحوادث الأليمة التي ما زال مجرد ذكرها يفجع الروح والقلب ويحرك في الإنسان الدافع والحافز نحو البحث والتنقيب والتحقيق فيها ودراستها وتحليل وبحث عللها وعواملها التي لعبت دورًا كبيرًا في رسم الصورة العظيمة لخير الأصحاب في عقل الإنسان الشيعي خاصة والمسلمين عامةً وغيرهم.

       لو أخذنا هذه الحادثة بعين الفرد الشيعي الذي اعتاد سماع خطباء المنابر وهم يرددون بجزالة وغزارة بطولات أصحاب الإمام الحسين في طف كربلاء لكان من المحتمل جدًا أنْ ننهي البحث بجملة قصيرة تقول: “كان أصحاب الحسين خير الأصحاب ولا مجال لمقارنتهم بغيرهم فلقد رمــوا بأنفسهم في سبيل الله وهم يعلمون أنَّ الانتصار المادي مُتعذر في ذلك اليوم الأليـــم”.

       ولكن إذا أردنا أنْ نقوم بدراســـــــــةٍ تاريخية لما حصل فعلًا في طف كربلاء مع أصحاب الإمام على لسان أهل البيت أنفسهم ومما وصل إلينا من الروايات ونحللها تحليلًا تاريخيًا علميًا كما نحلل أي حادثة أخرى، فلا بُدّ أنْ نرتكز في مثل هذه الدراسة إلى نصوص التاريخ الأصلية وأنْ نستعين بالعقلِ والمنطق متأبطين الدليل العلمي الشرعي كسبيل أحجى لتشخيص الحقائق وفق ما هو موجود وحاصل فعلًا.

       لقد تم هذا البحث طبقًا للطريقةِ الثانية واخترنا هذا المنهج لأننا بذلك نكون قد قدمنا ورقةً ذات فائدة أعم وأشمل ويتوق لمطالعتها حتى غير الشيعة أيضًا.

ولذا سنبسط الكلام لأربعة موضوعات هي التالية مع شرح وتوسعة لشيء من المضامين المهمة:

أولًــــا: تعريف الصاحب لغةً واصطلاحًا وفي القرآن الكريم 

ثانيًــا: صفات أصحاب الإمام الحسيـــن -سلام الله عليه-

ثالثًـــا: الدليل الدامغ والكاشف الحقيقي عن شخصية ووضع خير الأصحاب

رابعًا: صفات أصحاب الإمام القائم المهدي -عَجَّل الله فرجه-ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولًــــا: تعريف الصاحب لغـــــــةً واصطـلاحًـــــــا وفي القرآن الكريم 

     أ- الصاحب في اللغة هو: الملازم، هو المعاشر للإنسان، يقال: فلان صاحب فلان، أي مُعاشره ومُلازمه وصديقه. وفي هذا يقول الفيومي في كتابه المصباح المنير في كتاب الصاد «صحب:« “صَحِبْتُهُ أَصْحَبُهُ صُحْبَةً فَأَنَا صَاحِبٌ وَالْجَمْعُ صَحْبٌ وَأَصْحَابٌ وَصَحَابَةٌ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَمَنْ قَالَ صَاحِبٌ وَصُحْبَةٌ فَهُوَ مِثْلُ فَارِهٍ وَفَرَهَةٍ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ رُؤْيَةٌ وَمُجَالَسَةٌ وَوَرَاءَ ذَلِكَ شُرُوطٌ لِلْأُصُولِيِّينَ وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى مَنْ تَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ فَيُقَالُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَكُلُّ شَيْءٍ لَازَمَ شَيْئًا فَقَدْ اسْتَصْحَبَهُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ وَاسْتَصْحَبْتُ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ حَمَلَتْهُ صُحْبَتِي وَمِنْ هُنَا قِيلَ اسْتَصْحَبْتُ الْحَالَ إذَا تَمَسَّكْتَ بِمَا كَانَ ثَابِتًا كَأَنَّكَ جَعَلْتَ تِلْكَ الْحَالَةَ مُصَاحِبَة غَيْرَ مُفَارِقَةٍ
وَالصَّاحِبَةُ تَأْنِيثُ الصَّاحِبِ وَجَمْعُهَا صَوَاحِبُ وَرُبَّمَا أُنِّثَ الْجَمْعُ فَقِيلَ صَوَاحِبَاتٌ” (الفيومي: كتاب الصاد).

      الجدير بالذكر أنَّ الصحبة لا تعني مجرد اصطحاب الأشخاص بأبدانهم فلا نلغي الجانب الروحي للصحبة، في مادة “صحب” يذكر الراغب الأصفهاني: “الصاحب الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا أو مكانًا أو زمانًا ولا فرق بين أنْ تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر أو بالعناية والهمة وعلى هذا قال: لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي، ولا يقال في العرف إلّا لمن كثرت ملازمته، والمصاحبة والاصطحاب أبلغ من الاجتماع لأجل أنَّ المصاحبة تقتضي طول لبثه فكل اصطحاب اجتماع وليس كل اجتماع اصطحابًا” (الراغب الاصفهاني).

    ب-  في المعنى الاصطلاحي بيّنَ العلماء من الشيعة والسّنّة، هناك قيد الإسلام بالنسبة لصحابة رسول الله، إنْ لم يكن الشخص مسلمًا، فلا يُعترف بصحابيته، وبكونه من أصحاب رسول الله، فهذا القيد متفق عليه ومفروغ من، وبما أننا هنا نحكي عن صحابة الحسين الشهيد وصحابة القائم المنتظر فالقيد يكون هنا إسلام الأصحاب ومصاحبتهم حُسينًا -عليه السلام- أو الحجة المنتظر -عَجَّل الله فرجه-.

جـ- الصحبــة في القـــرآن الكريم

       سنكتفي بمجرد ذكر الموارد القرآنية التي ذكرت فيها الصحبة بصرف النظر عن اختلاف معانيها في كل آية ومناسبة.

 قال تعالى:

  • (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي) الكهف: 76.
  • (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا… قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) الكهف: 34، 3
  • (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) يوسف: 39.
  • (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لقمان: 15.
  • (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) عبس: 34-35-36.
  • (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ) المعارج: 11-12.
  • (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) النساء: 36.
  • )مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) النجم:
  • (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) التوبة: 40.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثانيًــا: صفات أصحاب الإمام الحسيـــن -سلام الله عليه-

      قبل الشروع بتعداد وتفصيل هذه الصفات يجب أنْ يعلم القارئ والمتتبع الكريم أنَّ مدرسة الإمــــام الصادق -سلام الله عليه- ضمنت بشكل كامــــل حريـــة الفــــكر والبحث وهــــذه إحـــدى سمـــات الإســــلام فلا مصـــادرة للحريات الفكــــرية والدينيــــة ووأدهــــا، وأنَّ باب البحث مفتوح للجميع وكذا باب الرد إنْ حصل الاختلاف بوجهات النظر.

 وفيما يلي بعض ما شخْصناه من حال وأحوال أصحاب الإمام الحسين -عليه السلام-.

 

2،1  كانـــــــــــــــــــــوا مع إمام معصوم ورأوه بالمباشر

      نعلم وتعلمون ويعلم الجميع أنَّ الإمام الحسين -عليه السلام- انطلق من مكة مصطحبًا معه أهله وخاصته وصحبهِ بناءً على كتب ورُسل أرسلها له أهل الكوفة يطلبونه، فأصحابه كانوا ملازمين له، يرونه ويسمعون كلامه ويصلون خلفه ويتقاسمون معه الطعام ويشاركونه الوجه واليد واللسان، فلقد كانوا مع إمامهم وقائدهم المعصوم ورأوه بالمباشر وبعضهم عاصر إمامين معصومينِ أو اكثر، بعض الاصحاب، التقى بهم الإمام خلال الرحلة من مكة لكربلاء وآخرون التحقوا به يوم الطف، فهم أيضًا ينطبق عليهم تعريف الصحبة لكونهم شاركـــوه بالكثير حتى ليلة العاشر من محرم حين اجتمع -سلام الله عليه- مع أصحابه وخطب فيهم خطبته المشهورة.

        يذكر صاحب الإرشاد قائلًا: وأصبح الحسين بن علي -عليهما السلام- فعبّأ أصحابه بعد صلاة الغداة وكانَ معه اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرةِ أصحابه وأعطى رايته العباس أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت أنْ يُترك في خندق كان قد حُفر هناك وأَنْ يُحرق بالنار، مخافةَ أَنْ يأتوهم من ورائهم

(الشيخ المفيد: ج2، ص95).

 

2،2 كانـــــــــــــــــــــــــــوا يستمعونَ لِكلامه وهو يشحذ هِمَمَهُم 

      في أرض المعركة يوم عاشوراء، وما سبقها من أحداث وأخبـــار وكتب ورسل وكل صغيــــرة وكبيرة حدثتْ في محضر الأصحاب، كان الإمام الحسين يتدخل بالمباشر ويلقي الخطابات المؤثرة ويعقد جلسات التشاور مع صحبهِ ليشحذ هممهم ويرفع معنوياتهم ويرجو لهم النجاة ويُرغبهم في الله ويُلهب مشاعرهم ويحرك وجدانهم ويرفع في ذلك ذكرهم إلى سماء المجد والعظمة.

     مِنْ خطاباته الحماسية لأصحابهِ في مسيرهِ إلى الكوفة بعد اعتراض عمر بن سعد ونزوله بالحسين، خطب أصحابه وقال: “قد نزل [لنا] ما قد ترون وأَنَّ الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها [واستمرت حذاء] ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربهِ محقًا محقًا فإني لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برما إنَّ الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فإذا مُحصوا بالبلاء، قلَّ الديانون” (ابن شعبة الحراني: ص189)، (الذهبي، ج3، ص310)، وأيضًا (الإربلي: ج2، ص242).

       ونقل السيد ابن طاووس لما عزم الإمام الحسين -عليه السلام- الخروج من مكة متوجهًا إلى العراق فيقول: قام خطيبًا (أي الحسين -عليه السلام-)  فقال: الحمد لله ما شاء الله ولا قوة إلا بالله… خٌطَّ الموت على ولد آدم مخط القـــــــــــلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيرُ لي مصرع أنا لاقيــــــــــه، كأني بأوصالي تقطعُـــــــــــــــها عُســـلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشًا جوفا وأجربة سُغبَـــــا، لا محيص عن يـــــــوم خُط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت نصبرُ على بلائه ويُوفينا أجر الصابرين، لن تشُـــــذَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله- لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده. من كان باذلًا فينا مهجتـــه وموطنًا على لقــــــــاء الله نفســــــــــــه فليرحل معنــــــــــا فإنني راحــــــــــــــــــــــــل مصبحًا إنْ شاء الله تعالى (السيد ابن طاووس: ص38).      

بعد هذه الخطبة الحماسية من القائد العسكري والإمام المعصوم، ما كان مِن الأصحاب إلّا الاندفاع وترديد الشعارات وهتافات النصرة والولاء والجهاد وليلبـــوا نداء الرحيل مع إمامهم وسيدهم وقائدهم. وفي بعض خطبهِ المزلزلة والتي تهز مشاعر الأحرار قام زهيرًا بن القين وتبعه مسلم بن عوسجة وهلال بن نافع البجلي وكذا برير بن خضير والبقية من الأصحاب الأنصار يرفعون شعارات، هي الأخرى ألهبتْ مشاعر الحاضرين وحرّكت وجدانهم ورفعتْ من معنوياتهم، تكلموا بكلام يشبه بعضه بعضًا في وجه واحد.

      ومن خطاباته التي تدمي القلب وتفجع الروح وتزرع في الميت الحياة يوم واقعة الطف بل ساعة الطف وأثناء القتال: فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ  -عليه السَّلام- صَبْرًا بَنِي الْكِرَامِ، فَمَا الْمَوْتُ إِلَّا قَنْطَرَةٌ يَعْبُرُ بِكُمْ عَنِ الْبُؤْسِ وَالضَّرَّاءِ إِلَى الْجِنَانِ الْوَاسِطَةِ وَالنَّعِيمِ الدَّائِمَةِ، فَأَيُّكُمْ يَكْرَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سِجْنٍ إِلَى قَصْرٍ، وَ مَا هُوَ لِأَعْدَائِكُمْ إِلَّا كَمَنْ يَنْتَقِلُ مِنْ قَصْرٍ إِلَى سِجْنٍ وَعَذَابٍ، إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه و آله-: إنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ، وَالْمَوْتُ جِسْرُ هَؤُلَاءِ إِلَى جِنَانِهِمْ، وَ جِسْرُ هَؤُلَاءِ إِلَى جَحِيمِهِمْ، مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِّبْتُ” (الشيخ الصدوق: باب معنى الموت، ص288-289).

      خطاب وكلمات الحسين -عليه السلام- لم تؤثر في أصحابه فحسب بل حتى في أعدائه ومن خرج لقتاله من جند ابن سعد من أهل الكوفة، لِما شهدوه من مفاوضات أجراها الإمام مع عمر بن سعد للحيلولة دون وقوع القتال، فأثّرت كلماته الحارة والصادقة والتي خرجت من أعماق قلبه المتألم في حوالي ثلاثين من جند عمر بن سعد فانقلب حالهم من فسطاط النفاق والظلم إلى الإيمان والعدل وقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وآله- ثلاث خصال فلا تقبلون بواحدة! وتحولوا إلى الحسين فقاتلوا معه (الذهبي: ج3، ص311)، وأيضًا في (تهذيب تاريخ ابن عساكر: ج4، ص338).

 

2،3  أراهم الحسين موقعهم من الجنة لكي يشوّقهم للشهادة

      بعد أَنْ أصبحتِ المواجهة العسكرية حتمية بين فسطاط الإيمان وفسطاط النفاق، يسأل سائل، هل خرج أصحاب الحسين طمعًا في الجنة أم حبًا ونصرةً للحسين وبالتالي نيّل رضوان الله -جل وعلا-؟! ننظر الآن في استعداد الأصحاب ومدى قدرتهم لمواجهة عدوهم والتي كان الإمام الحسين طول مسيره وخروجه من مكة متوجهًا نحو الكوفة يعمل على هذا الجانب النفسي فيهم ويدعمه ويعززه بخطبه وأقواله وأفعاله ولما له من سيرة وتاريخ فهو سبط النبي وسيد شباب أهل الجنة الشجاع المقدام الذي له ما له عند الله ورسوله والناس.

أراهم الحسين -عليه السلام- موقعهم من الجنة لكي يشوّقهم للشهادة كـــــزهير بن القيـــن فإنه لم يلتحق بالحسين إلّا بعد أنْ طلبهُ الإمام وبعث إليه برسول ورفض زهير طلب الإمام، إلّا بعد تحريضٍ من زوجته وهي دلهم بنت عمرو، بعدها مضى زهير والتقى بالإمام ومن ثم أراه الأخير موقعهُ من الجنة وشوّقهُ ورغَّبه وجرى بينهم حديث طويل مليء بالشجون وهو مــا نستنجهُ من ردة فعلهِ بعد لقــــائه الإمام الحسين -سلام الله عليه-. حيث ذهب زهير مكظوم الوجه فعاد مستبشرًا قد أشرق وجهه فطلق زوجته والتحق بالإمام.

     يذكر صاحب الأخبار الطوال: ثم سار الحسين -عليه السلام- حتى انتهى إلى زرود فنظر إلى فسطاط مضروب فسأل عنه فقيل له هو لزهير بن القين وكان حاجًا أقبل من مكـــــــــــــــة يريد الكوفة فأرسل إليه الحسين أنْ ألقني أكلمك فأبى أنْ يلقــــــــــــــــــــــــــــــــــــاه وكانت مع زهير زوجته فقالت له : سبحان الله يبعث إليك ابن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فلا تجيبه! فقام يمشي إلى الحسين -عليه السلام- فلم يلبث أنْ انصرف وقد أشرق وجهه (الدينوري: ص246)، (الشيخ المفيد: ج2، ص73)، وأيضًا (ابن طاووس: ص44).

      ليس ابن القين فحسب، فها هو جون مولى أبي ذر يصدح بطلب الجنة عندما برز وكان عبدًا أسودًا فقال له الحسين -عليه السلام-: أنت في إذنٍ مني فإنما تبعتنا طلبًا للعافية فلا تبتل بطريقنا، فقال: يا ابن رسول الله أنا في الرخاء ألحسُ قصاعكم وفي الشدة أخذلكم والله أنَّ ريحي لنتن وأنَّ حسبي للئيم ولوني لأسود فتنفس عليَّ بالجنة فتطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم، ثم برز وهو يقول :كيف ترى الكفار ضرب الأسود +++بالسيف ضربًا عن بني محمد+++أذب عنهم باللسان واليد+++ أرجو به الجنة يوم المورد ( السيد ابن طاووس: ص 64)، وأيضًا (المجلسي: ج45، ص22- 23).

      وهو ذات الطلب والرغبة والمنى من حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة بينما سقط الأخير صريعًــــــــــــــا في طف كربلاء، في آخر لحظات عُمرِ مسلم بن عوسجة، ها هو ينازع الموت وحبيب يدنو منه ليبشره بالجنة فهي الغاية والمنى لمثل حبيبٍ ومسلمٍ، مسلم بعد قليل يلتحق بالجنان وحبيب  ينتظر دوره ويواسي نفسه ومسلمًا أَنَّ الجنة قد شرعت أبوابها في انتظارهم، وهو ما ينقله الشيخ المفيد -رحمه الله- في كتابه الإرشاد فيقول: ثم حمل عمرو بن الحجاج في أصحابه على الحسين -عليه السلام- من نحو الفرات فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي – رحمة الله عليه – وانصرف عمرو وأصحابه، وانقطعت الغبرة فوجدوا مسلمًا صريعًا، فمشى إليه الحسين -عليه السلام- فإذا به رمق، فقال:
رحمك الله يا مسلم ﴿ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾” ودنا منه حبيب بن مظاهر فقال: عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة، فقال مسلم قولًا ضعيفًا: بشّرك الله بخير)الشيخ المفيد: ج2، ص 103).

فيا ترى هل كانت الرؤية واضحة عند هؤلاء الأصحاب؟ هل كان الهدف المقدس للحسين الشهيد واضحًا عندهم؟.

       وينقل الشيخ المجلسي -رحمه الله- ولقد مزح حبيب بن مظاهر الأسدي فقال له يزيد بن حصين الهمداني وكان يقال له سيد القرّاء: يا أخي ليس هذه بساعة ضحك، قال: فأي موضع أحق من هذا بالسرور، والله ما هو إلّا أنْ تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم، فنعانق الحور العين (المجلسي: ج45، ص 93).

      وفي علل الشرائع: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن أبي عبد الله -عليه السلام – قال: قلت له: أخبرني عن أصحاب الحسين وإقدامهم على الموت، فقال: إنهم كشف لهم الغطاء حتى رأوا منازلهم من الجنة فكان الرجل منهم يقدم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها وإلى مكانه من الجنة) الشيخ الصدوق:ج1، باب163، الرقم1، ص224).

       وأيضًــــــــــا: جعل برير يهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا، فوالله ما هذه بساعة باطل، فقال له برير: والله لقد علم قومي أنّي ما أحببتُ الباطلَ شابًّا ولا كهلًا، ولكن والله إنّي لمستبشرٌ بما نحن لاقون، والله إنّ بيننا وبين الحور العين إلّا أنْ يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددت أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم (الطبري: ج3، ص318). فمثل برير لم يقاتل لأجل دخول الجنة بل من أجل الحور العين وحسب وإنَّ طلب الجنة ورغبتها وجعلها الهدف الأقصى والأسمى لبعض الأصحاب قد يكون هدفًا مقبولًا فيما لو قارناه مع الرغبة في الحصول على الحور العين!!!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنويـــــــــــــــــــــــه: هل هذا إيمان أحرار أم إيمان تجـــــــــــار!!!؟ سؤال مفتوح وفقط تنويه للقارئ اللبيب ولكل باحث!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سؤال/ لماذا كان الإمام الحسين -عليه السلام- يقدم أصحابه للقتال ويتأخر عنهم؟

     يحكي صاحب الإرشاد: فلما لم يبق مع الحسين -عليه السلام – أحد إلّا ثلاثة رهط من أهله، أقبل على القوم يدفعهم عن نفسه والثلاثة يحمونه، حتى قتل الثلاثة وبقي وحده وقد أثخن بالجراح في رأسه وبدنه، فجعل يضاربهم بسيفه وهم يتفرقون عنه يمينًا وشمالًا (الشيخ المفيد: ج2، ص111). إذًا لماذا كل أصحابه مضوا أمامـــــــــــــــــه؟!! هذا ما سنعرف جوابه بشكل جليّ وواضح في المحور الثالث من هذه الورقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثًـــا: الدليل الدامغ والكاشف الحقيقي عن شخصية ووضع خير الأصحاب

        عن عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ -عليه السَّلام-: “لَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ بِالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -عليهما السلام- نَظَرَ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ، فَإِذَا هُوَ بِخِلَافِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كُلَّمَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُمْ وَ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- وَ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ مِنْ خَصَائِصِهِ تُشْرِقُ أَلْوَانُهُمْ وَ تَهْدَأُ جَوَارِحُهُمْ وَ تَسْكُنُ نُفُوسُهُمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا لَا يُبَالِي بِالْمَوْتِ! فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ  -عليه السَّلام- صَبْرًا بَنِي الْكِرَامِ، فَمَا الْمَوْتُ إِلَّا قَنْطَرَةٌ يَعْبُرُ بِكُمْ عَنِ الْبُؤْسِ وَالضَّرَّاءِ إِلَى الْجِنَانِ الْوَاسِطَةِ وَالنَّعِيمِ الدَّائِمَةِ، فَأَيُّكُمْ يَكْرَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سِجْنٍ إِلَى قَصْرٍ، وَ مَا هُوَ لِأَعْدَائِكُمْ إِلَّا كَمَنْ يَنْتَقِلُ مِنْ قَصْرٍ إِلَى سِجْنٍ وَ عَذَابٍ، إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه و آله-: أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ، وَ الْمَوْتُ جِسْرُ هَؤُلَاءِ إِلَى جِنَانِهِمْ، وَ جِسْرُ هَؤُلَاءِ إِلَى جَحِيمِهِمْ، مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِّبْتُ” (الشيخ الصدوق: باب معنى الموت، ص288-289), وأيضًا (الشيخ المجلسي: ج، ص 154).

     الآن نُحلّل كلام الإمام السجاد -سلام الله عليه- في وصف وضع وحالة الإمام الحسين -عليه السلام- وأصحابه يوم طف كربلاء، فيقول: لَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ بِالْحُسَيْنِ (أي لما زاد الأمر اشتدادًا أي صار شديدًا بعد اللين، قويَ وزاد فخرج عن الحد العادي) نَظَرَ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ (من كان مع الحسين من أصحابه، تأملوا الحسين وعاينوه فهم لم يبصروه فقط بعيونهم بل ببصائرهم يعني تعمقوا في رؤيته) فَإِذَا هُوَ بِخِلَافِهِمْ (أي أنَّ الحسين بعكس حالهم، على خلاف حالهم) لِأَنَّهُمْ كُلَّمَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ (الآن يوضح زين العباد سبب ذلك الخلاف في الحال، فكلما زاد الأمر صعوبةً وحِدَّةً في المعركة يتغير لون بعض الأصحاب، أي يتبدل لونهم ويتحول، أي امتقع لونهم) وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُمْ (ارتعد: يرتعد ارتعادًا فهو مرتعد، أي ارتعش واضطرب خوفًا، والفريصة: لحمة بين الجنب والصدر والكتف، وهي ترتجف عند الخوف: « ارتعدت فرائصه »، أي خاف خوفًا شديدًا (وَوَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (الوجل: هو الخوف والفزع {قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ} (الحجر: 52( وفي بعض النسخ “وجبت”: اوجب القلب وجبًا ووجيبًــــا ووجبانًـــــا: أي رجف وخفق).

      هذا حال عموم أصحاب الإمام الحسين -عليه السلام- لأنَّ الإمام السجاد عندما وصف حالهم تكلم بصيغة الجمع والتعميم ثم بعد ذلك قال “لأنهم كُلَّمَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ…” ثم بعد ذلك دخل في التبعيض -سلام الله عليه- فقال: وَ كَانَ الْحُسَيْنُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- وَ “بَعْضُ” مَنْ مَعَهُ مِنْ خَصَائِصِهِ تُشْرِقُ أَلْوَانُهُمْ وَ تَهْدَأُ جَوَارِحُهُمْ وَ تَسْكُنُ نُفُوسُهُمْ (بعض الشَّيء: قليل منه، طائفة منه)، فكان الحسين وبعض أصحابه بخلاف عموم الأصحاب. يعني هناك بعض الخوف والارتعاد من جيش الكفر إلّا القسم الآخر الذين تشرق ألوانهم وتهدأ جوارحهم وتسكن نفوسهم كلما اشتد الأمر بالحسين، وينهي كلامه -عليه السلام- بــــ ما كذبتُ وما كذبتُ. الآن صار واضحًا لنا لماذا قدَّم الإمام الحسين أصحابه وتأخر عنهم وجوابه على لسان زين العباد وهو ما نقلناه أعلاه من خوف وارتعاد الفرائص لعموم الأصحاب فقدمهم الإمام لينالوا أجر الشهادة بعد أنْ رغّبهم وأراهم موقعهم من الجنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقطةُ هامَّــــــــــــــةُ:

     ليعلم القارئ والمتتبع والباحث، نحنُ إنما وضحنا صفات الأصحاب في ميدان التفاضل مع أصحاب الإمام الحجة ولذا نظرنا لهذا الجانب الذي قد يقول قائل عنه تسليط الضوء على سلبيات الأمور وترك التضحيات العظيمة والجسيمة لخير الناس في عصرهم. وحقيقة الأمر عندما يكون مُنتهى مُرادك الوصول إلى الحقيقة، فلا بدّ أنْ تتخلص من سذاجة الاعتقاد والتسرع في الحكم ومتابعة الهوى، وعليك أنْ تكون عاقلًا، فالعاقل لا ينتمي إلّا للحقيقة، ولا يطلب في ذلك إلّا الله، ولا ينحاز أو يتعصب، ولا ينقاد كالأعمى وقد أشرنا إلى هذا المعنى في بداية ذكر حال وأحوال أصحاب الحسين -سلام الله عليه- وإلّا هل يوجد عاقل ينفي أو يلغي تضحيات مَنْ تشرق ألوانهم وتهدأ جوارحهم وتسكن نفوسهم كلما اشتد الأمر وحَميَ الوطيس، ومَن يستأنس بالمنية دون الحسين استئناس الطفل إلى محالب أمه!!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابعًا: صفات أصحاب الإمام القائم المهدي -عَجَّل الله فرجه-

       كنّا قد بدأنا بتعداد وتفصيل صفات أصحاب الإمام الحسين ووعدنا بذكرِ صفات أصحاب القائم -عَجَّل الله فَرَّجه الشريف- وقد آنَ الأوان لاستعراض جميع الروايات التي لها دور أساسي في توضيح وإظهار صفات أصحاب الإمام المهدي -عليه السلام وعَجَّل الله فرجه الشريف- ودراستها وتمحيصها، كل هذا بصرف النظر عن الجدل والنقاش في ولادة المهدي منذُ أكثر من 1184 عام أو أنَّه سَيولد لاحقًا، لا ندخل في هذه التفاصيل رغم ما نعتقد بهِ مِنْ أنَّ الإمام مولود وموجود وهو البشارة المحمدية القرآنية التوراتية الإنجيلية وهذا ما أثبته المحقق الصرخي في المحاضرة الثامنة مِنْ بحثهِ الشيَّق والمثمر ’’الدولة.. المارقة.. في عصر الظهور.. منذ عهد الرسول -صلّى الله عليه وآله وسلّم- ‘‘ حيث قال: “…بشارة موسى التوراتية، ثم بشارة عيسى الإنجيلية، ثم تأتي البشارة المحمدية القرآنية، التي تُبَشّر بالمهدي خاتم الخلفاء الأئمة المصلحين -عليهم السلام-، الذي يكون على يديه النصر والفتح القريب، قال تعالى: (وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) الصف:13، وقد جعل القرآن هذا المعنى في مقابل الجهاد بالأموال والأنفس والذي يحتمل فيه أيضًا نصرٌ وفتحٌ، قال تعالى: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿11﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) الصف، لكن هذا الجهاد والنصر يختلف عن النصر والفتح القريب البشرى للمؤمنين الذي يكون في خلافة المهدي الموعود -عليه السلام-“.

       نعم لا مغالاة ولا تطرف إنْ قلنا بأنَّ البشرية بأجمعها اجتمعت على انتظاره بفارغ الصبر، وأجمعت على تأكيد دوره وإنِ اختلفت في تسميته وفي حقيقةِ شخصهِ وسيُحقق الله بظهوره وعده الذي وعده في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) النور: 55، وقوله -جلَّ وعزَّ-: (وَنُرِيدُ أَنْ نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، القصص: 5.

ونذكر هنا بعض الموارد التي فيها ذكر لصفات أصحاب الإمام القائم:

  • ¨ قالأبو عبد الله -عليه السلام-: إنَّ صاحب هذا الامر محفوظ له، لو ذهب الناس جميعًا أتى الله له بأصحابه وهم الذين قال لهم الله عز وجل: ” فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ” وهم الذين قال الله فيهم: ” فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ” (المجلسي: ج52، ص370)، (النعماني، باب20، ص330).

 

  • ¨ عن أبي عبد الله -عليه السلام- قال:”… وقد علم أنَّ أولياءه لا يرتابون ولو علم أنهم يرتابون لما غيّب حجتهُ طرفة عين…” (الشيخ الصدوق: ج2، الباب1، ص7، ح16)، (المجلسي: ج52، ص145).

 

  • ¨ وكما روي عن الإمام الباقر -عليه السلام-:” لكأني أنظر إليهم مصعدين من نجفالكوفة ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا كأنّ قلوبهم زبر الحديد…” )الشيخ المجلسي :ج52، ص343، ح 91(.

 

  • ¨ وروى الشيخ الصدوق: عن أبي خالد الكابلي، عن سيد العابدين علي بن الحسين -عليهما السلام- قال: المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا عدة أهل بدر فيصبحون بمكة، وهو قول الله عزَّ وجلَّ: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا} وهم أصحاب القائم -عليه السلام- (الشيخ المجلسي: ج52، ص323،ح34)، (الشيخ الصدوق: ص654، ح21)، وأيضًا (الطوسي: ص477، ح503).

 

  • ¨ عن الاِمام الباقر -عليه السلام-: “ويجيء والله ثلاث مائة وبضعة عشر رجلًا فيهم خمسون امرأة، يجتمعون بمكة على غير ميعاد قزعًا كقزع الخريف” (الشيخ المجلسي: ج52، ص,22، ح87).

 

  • ¨ قال النبي -صلى الله عليه وآله- لعلي -عليه السلام-: “يا علي! واعلم أنَّ أعظم الناس يقينًا، لم يلحقوا النبي وحجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد في بياض” (الشيخ الصدوق: ص320، باب25، ح8)، (الشيخ المجلسي، ج52، ص370، ح12).

 

  • ¨ قال رسول الله -صلى الله عليه وآله-: “سيأتي قومٌ من بعدكم، الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله!.. نحن كنا معك ببدر وأُحد وحنين، ونزل فينا القرآن!.. فقال: إنكم لو تحمّلوا لما حُمّلوا لم تصبروا صبرهم” (الشيخ المجلسي: ج52 ص130، باب22، ح26)، (الشيخ الطوسي: ص456، ح467).

 

من هذه الموارد والأحاديث المروية عن النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- وأهل بيته وما وصل إلينا من أقوالهم ونقلناه أعلاه، نستشف صفات أصحاب الإمام المهدي -عجل الله فرجه- وهي في نقاط كالتالي:

1/ تلبية نداء الإمام المهدي من غير أنْ يروه بالمباشر.

2/ لم ولا يشحذ هممهم لكي يلتحقوا به وبقضيته العالمية.

3/ لم يطلبوا مكانهم من الجنة ولم يكن سبب التحاقهم لطلب الجنة أصلًا.

4/ خصوصية قلوبهم الخالية من كل متعلق دنيوي مع قوتهم وشدتهم.

      يفرد الشيخ لطف الله الصافي الگلبايگاني بابًا في كتابه (منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر) تحت عنوان (في قوتهم وشدّتهم) أي أصحاب الإمام فيذكر فيه خمسة أحاديث عن قوة وشدّة هؤلاء الأصحاب منها:

  • ينابيع المودة، ص 424: عن كتاب المحجة، عن أبي بصير قال: قال جعفر الصادق -عليه السلام-: ما كان قول لوط -عليه السلام- لقومه: “لو أنَّ لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد” إلّا تمنيًا لقوة القائم المهدي وشدة أصحابه، وهم الركن الشديد، فإنَّ الرجل منهم يعطى قوة أربعين رجلًا، وأنَّ قلب رجل منهم أشدّ من الحديد، لو مروا بالجبال الحديد لتدكدكت، لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل.

 

  • عن جابر، عن أبي جعفر-عليه السلام-: “فإذا وقع أمرنا وخرج مهدينا -عليه السلام- كان أحدهم أجرى من الليث، وأمضى من السنان، ويطأُ عدوَّنا بقدميه، ويقتله بكفيه” (الشيخ المجلسي: ج52، ص372، ح 164).

 

 5/ الدليل الدامغ والكاشف الحقيقي عن وضع أصحاب الإمام المهدي -عليه السلام-

       قال الإمام السجاد -عليه السلام- : “إنّ أهل زمان غيبته، القائلون بإمامته، المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان، لأنّ الله – تعالى ذكره – أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وآله- بالسيف، أولئك المخلصون حقًا، وشيعتنا صدقًا، والدعاة إلى دين الله سرًّا وجهرًا (الشيخ الكليني: ج52، ص122،ح4)، ومصدره كتاب الاحتجاج، ص318.

     الآن نظرة على ما نعتبره الدليل الدامغ والكاشف الحقيقي لوضع خير الأصحاب فيقول زين العُباد -سلام الله عليه- أفضل أهل كل زمان حتى صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، لماذا صارت عندهم الغيبة بمنزلة المشاهدة؟ يعطي الإمام أسباب ذلك وهي بعكس صفات أصحاب الإمام الحسين فقلوبهم خالية من الخوف والارتعاد بل كزبر الحديد كما يصفها الإمام الباقر -سلام الله عليه- ولأنَّ الله -تعالى ذكره- أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة فكيف بك وبالذي يشاهد الإمام الحسين وفي قلبه خوف وارتعاد ووجل!!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النتيــــــــــــــــــــــــــــــــجة:

     من خلال ما تم مناقشته وتحليله من روايات النبي وأهل بيته الطاهرين الكاشفة عن حال وأحوال ووضع خير الأصحاب في المحاور آنفة الذكر فإننا نجد أنَّ أصحاب الإمام الحسين -سلام الله عليه- على مستويات عدة وقد نبهنا إلى هذا الغرض مسبقًا فمنهم من التحق حبًا ونصرة ومنهم من طلب الجنة ومنهم من رغب بالحور العين ومنهم من كانت أفعاله وغاياته عالية الهمة وأهدافه مقدسة ونبيلة كما هو هدف إمامهم، ورأينا كيف أنَّ الإمام السجاد وصف حال عمومهم بالخوف والارتعاد وتغيّر اللون كلما اشتد الأمر بالحسين -عليه السلام- في يوم الطف فوجدنا فيهم الخوف والارتعاد ووجل القلب وتغير اللون ومنهم من يستأنس بالمنية وفيهم الشجاعة والقوة التي قلَّ نظيرها… إذًا فهم على مستويات عالية وأخرى متدنية فيما لو قورنت مع أهداف وغايات أصحاب المهدي -سلام الله عليه-. لكننا لم نجد هذا التفاوت والاختلاف في أصحاب القائم فكانوا كما وصفهم النبي الأكرم “أعظم الناس يقينًا” وهم “أطوع من الأمَةِ لسيدها”، (الشيخ المفيد، ج52، ص307)، فلا مجال لقياس أحد بهم ولا مجال للمقارنة معهم وهم أفضل أهل كل زمان على حد تعبير الإمام السجاد، نفسه الذي وصف أصحاب الحسين بالخوف وارتعاد الفرائص.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المناقشة والتوصــــــــــــــيات

      إنَّ هذه الدراسة في مجملها تهدف إلى جمع العوامل أو الأبعاد الداخلة في معرفة صفات أصحاب الإمامين الهُمامين الحسين والمهدي -عليهما السلام- وبيان أهمية ودور هذه العوامل في تحديد ورسم تاريخ الأشخاص وبالتالي الأمم، فيصبحوا قدوة للناس تسير بسيرهم وتقتفي آثارهم، كنا قد أشرنا في بداية هذا البحث إلى أنَّ الذين طبقوا عنوان خير الأصحاب على أصحاب الإمام الحسين قد اعتمدوا في ذلك على حديثه -سلام الله عليه- ليلةِ العاشر من محرم الحرام “فأنّي لا أعلم أصحـــابًا أوفى ولا خيــــرًا من أصحــابي، ولا أهــل بيت أبـــــرّ ولا أوصــل من أهل بيتـــي فجزاكـــم الله عنـــي خيـرًا…” (الإرشاد ج 2 ص 91)، وبالتالي لا بُدّ من التفصيل في هذا الحديث وتحليله وهل وجود مثل هذا الحديث يتعارض مع حديث الإمام السجاد -سلام الله عليه-:”إنّ أهل زمان غيبته، القائلون بإمامته، المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان، لأنّ الله – تعالى ذكره – أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة…” (الشيخ الكليني: ج52، ص122، ح4).

      أولًا/ من خلال تكوين إطار نظري وإخضاعه للدراسة التحليلية نجد أنَّ مقصود الإمام الحسين -عليه السلام-  بقوله: “فأنّي لا أعلم أصحـــابًا أوفى ولا خيــــرًا من أصحــابي” يقصد بذلك أي لا أعلم أفضل منهم أمّا بمنزلتهم فلا ينفيه الإمام وإنما أفضل لا يوجد، هذا حسب الطرح الأولي.

ثانيًا/ المقصود في قول الإمام الحسين: “فإنّي لا أعلم أصحـــابًا أوفى ولا خيــــرًا من أصحــابي”، أي لا أعلم أصحاب حفظوا الصحبة خيرًا من أصحابي… أي بلحاظ الصحبة وليس أفضلية مطلقة… أي من جهة كونهم أصحابًا فهم لا يوجد خيرًا منهم كأصحاب.

ثالثًا/ مقصود الإمام زين العابدين بالأفضلية هو من جهة العلم والفهم بقرينة التعليل في النص. خير أهل كل زمان لأنَّ الله أعطاهم من الأفهام والمعرفة والعقول ما صارت بها الغيبة عندهم ظهور ومشاهدة.

  • قول الإمام الحسين -عليه السلام-: “لا أعلم” فيه فهمان:

الأول: العلم اللدني للإمام والذي يشمل الماضي والحاضر والمستقبل، فهنا الإمام يفضلهم على الجميع.

الثاني: العلم الظاهري والمقصود لا أعلم في المجتمع الذي نعيشه أو في الزمن الذي نعيشه، وهنا خاص بزمانه ولا يتعارض مع نص الإمام السجاد -عليه السلام-. نعم القول أنَّه يقصد بلحاظ أصحاب أمير المؤمنين والنبي -صلوات الله عليهم- وبالمقارنة معهم يحتاج إلى قرينة وهي مفقودة.

  • عبارة الإمام الحسين فيها صيغة تفضيل (خير)، وعبارة الإمام السجاد أيضًا فيها نفس الصيغة (خير) أما المُساوي لا يوجد في القولين ما ينفيها ويبقى البحث عن قرينة لتقديم “خير” الأولى على الثانية أو بالعكس، وما ذكره الإمام السجاد كعلة للتفضيل يصلُح للقرينة وأنه فضلّهم بسبب العقول والأفهام والمعرفة، وما ذكرهُ الإمام الحسين -عليه السلام- “أوفى أو أبرّ”، قرينة على التفضيل بجانب الوفاء والبِر وليس العلم، فيرتفع التعارض.
  • في علم الأصول فإنَّ الأداة (كل) هي من أدوات العموم واللفظ الخاص، أي أنَّ النص إذا تعارض معها بنحو التخصيص فإنه يخصصها ولذلك قالوا: لا يجوز العمل بالعام إلّا بعد البحث عن مُخصص.
  • تعميم الإمام السجاد بعبارته “كل” يُخصصه قول الإمام الحسين “لا أعلم خيرًا…” فيقدم الخاص على العام وليس العكس، فتكون العبارة: (خير أهل كل زمان باستثناء أصحاب الحسين فإنهم يساوونهم على الأكثر).
  • يجب تحديد مقياس للمقارنة والأفضلية، فلعل خوف أصحاب الحسين لأجل الحسين وليس لأنفسهم، أما في أنفسهم فهم كزبر الحديد وأشد وهل يوجد فيهم من هو دون ذلك!؟ يٌقدِمون على موت حتميّ، نسبة النجاة فيه “صفر” بالمئة ويثبتون!!! وهنا نتذكر رغبتهم بالحور العين والجنان وكيف أنَّ الإمام رغّبهم وطلبهم وأراهم موقعهم من الجنة لكي يشوقهم للشهادة فيرتفع هذا الاحتمال من كونهم يخافون ويرتعدون لأجل الإمام، فمن تكون غايته متدنية، عقلًا ومنطقًا يصبح ارتعاده وخوفه على نفسه أو لشدة المواجهة والتي لا هروب منها إلّا بإعلان الخذلان وترك الحق.
  • غيرهم كأصحاب القائم لم يُختبروا في وضع كهذا واحتمال النجاة عند أكثرهم كبير وليس صفرًا كأولئك، نعم ممكن القول أنَّ أصحاب القائم أكثر وعيًا وعلمًا في هذه النقطة، فإنَّ أولئك همهم الجنة والحور العين وهؤلاء همهم نشر الدولة العالمية والعدل في العالم وبهذا نعود للتعليل في كلام الإمام وقرينته وأنَّ الله أعطى أصحاب القائم من العقول والإفهام أكثر من أصحاب الحسين -عليه السلام- وأصحاب أي بشر، خصوصًا مع المغريات الكبيرة والضغوط الاجتماعية والسياسية وغيرها.
  • ويندرج هذا تحت الوعي والفهم فهؤلاء آمنوا بإمام، شاهدوا وربما عاصروا إمامين أو أكثر وأصحاب المهدي لم يشاهدوه حسيًا وتجسد عندهم بوعيهم وأصبح كالحاضر المُشاهدِ، عندهم الغايات ربما متدنية وإنْ كانت الأفعال عالية وأصحاب القائم الغايات عالية والأفعال أيضًا عالية.
  • أنصار المهدي كان عندهم الوقت الكافي للتمحيص والغربلة وإثبات جدارتهم وقدرتهم في عصر الغيبة الكبرى قبل الظهور المبارك للحجة، أما أصحاب الحسين لم يكن عندهم الوقت لخوض هذه الامتحانات والخروج بنتائج أفضل فقد انطلقوا معه لإقامة دولة إسلامية عادلة لها كل مقومات النجاح من حيث العدة والعدد والكتب والرسل، فكانت صدمة لهم أنْ يتغير الحال وينقلب للغدر والخيانة ممن طلبهم وألحَّ في قدومهم للنصرة فلم يكن أمامهم سوى خيارين أما الانسحاب والخذلان أو المواجهة والموت الحتمي بشرف ورفعة واختاروا الرفعة وبسببها وسببهم نحن نكتب هذه الكلمات اليوم.

 

والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين.

مصـــــــــــــــادر البحث ومراجعه:

  • ابن ابي زينب النعماني، 2011م-1432ه. الغيبة. الطبعة الأولى. دار الجوادين، شبكة الفكر.
  • ابن شعبة الحراني، 2007م-1428ه. تحف العقول عن آل الرسول، الطبعة الأولى. لبنان- بيروت: دار المرتضى.
  • أبو حنيفة أحمد بن داوود الدّينوري. 2009. الأخبــــــــــــــــــــار الطـــــــــــــــــــــــــــــوال. موقع ويكي مصدر. https://ar.wikisource.org/wiki/ملف:الأخبار_الطوال.pdf [5/8/2018 ].
  • أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج3. لبنان- بيروت: دار الأضواء.
  • أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، 1411ه. الغيبة، الطبعة الأولى. إيران-قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.
  • الإمام شمس الدين بن عثمان الذهبي. سيّر أعلام النبلاء، ج3. موقع إسلام لاند. https://www.islamland.com/uploads/books/ar_03_sir_a3lam_elnobalaa.pdf [5/8/2018 ].
  • الراغب الأصفهاني، 2009. مفردات غريب القرآن. الطبعة الرابعة . المكتبة الوقفية. http://waqfeya.com/book.php?bid=9614 . [30/7/2018].
  • السيد ابن طاووس، 1417ه. اللهوف في قتلى الطفوف، الطبعة الأولى. إيران- قم: أنوار الهدى.
  • السيد محسن الأمين، 2014. أعيان الشيعة، ج1. مكتبة ترجس. http://www.narjes-library.com/2014/03/blog-post_92.html [3/8/2018].
  • الشيخ الصدوق، 1429هـ. كمال الدين وتمام النعمة، الطبعة الخامسة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الشيخ الصدوق، معاني الأخبار،ج1، باب معنى الموت. قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.
  • الشيخ المفيد، 2008م- 1429ه. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج2، الطبعة الثانية. لبنان- بيروت: تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
  • الشيخ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار،ج2.
  • الشيخ محمد باقر المجلسي، 2008. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ج6. الطبعة الأولى لبنان- بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
  • الشيخ محمد باقر المجلسي,200،. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار،ج52. الطبعة الأولى. بيروت- لبنان: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
  • الْفَيُّومِيُّ الْمُقْرِي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، كتاب الصاد، [الصَّادُ مَعَ الْحَاءِ وَمَا يَثْلِثُهُمَا]. بيروت: المكتبة العلمية.
  • القرآن الكريم.
  • المحقق السيد محمود الصرخي الحسني، 2016. بحث: الدولة.. المارقة.. في عصر الظهور.. منذ عهد الرسول -صلى الله عليه وآله-، المحاضرة الثامنة، https://www.al-hasany.net/category/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D8%B1%D8%A7%D8%AA/ [11/8/2018].

 

الكتب التي استفدنا منها لغرض البحث والنقد فقط:

  • السيد محمود الصرخي الحسني، 2010م-1431ه. البحث العقائدي الدجال. الطبعة الأولى. بيروت-لبنان: دار المحجة البيضاء.
  • السيد محمود الصرخي الحسني، 2010م-1431ه. البحث العقائدي السفياني. الطبعة الأولى. بيروت-لبنان: دار المحجة البيضاء.
  • نعمة الله صالحي نجف آبادي، 2013. الشهيد الخالد الحسين بن علي. الطبعة الأولى. بيروت-لبنان: الانتشار العربي.
  • السيد محمد الصدر، 2014م-1435ه. مختصر موسوعة الإمام المهدي. الطبعة الأولى. مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر.

 

 

©حقوق النشر محفوظة لمركز المنهج الوسطي للتوعية الفكرية

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

استعمال السب في القرآن وإبطال دليل القائلين بجوازه 

استعمال السب في القرآن وإبطال دليل القائلين بجوازه    إعداد علاء المنصوري     المقدمة …

30 تعليق

  1. العراقي العربي

    احسنت اخي الكاتبه وسلمت اناملك

  2. حيدر السلطاني

    بحث رائع وقيم جدًا ..كل التوفيق للكاتبة الأستاذة خديجة اللهيبي على هذا المجهود المميز أن شاء الله تعالى في ميزان حسناتها واعمالها الصالحة .

  3. زينب الكربلائية

    دائما ماتكون بحوثكم راقية وفقكم الله

  4. مصطفى القريشي

    (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).
    هذ المنهج القرآني الألهيالداعي الى اللاعنف المفروض يطبق في كل مكان.

  5. نعم منهج الاعتدال والوسطية هو نهج اهل البيت عليهم الصلاة و السلام

  6. رند محمد علي

    أنصار المهدي كان عندهم الوقت الكافي للتمحيص والغربلة وإثبات جدارتهم وقدرتهم في عصر الغيبة الكبرى قبل الظهور المبارك للحجة، أما أصحاب الحسين لم يكن عندهم الوقت لخوض هذه الامتحانات والخروج بنتائج أفضل فقد انطلقوا معه لإقامة دولة إسلامية عادلة لها كل مقومات النجاح من حيث العدة والعدد والكتب والرسل، فكانت صدمة لهم أنْ يتغير الحال وينقلب للغدر والخيانة ممن طلبهم وألحَّ في قدومهم للنصرة فلم يكن أمامهم سوى خيارين أما الانسحاب والخذلان أو المواجهة والموت الحتمي بشرف ورفعة واختاروا الرفعة وبسببها وسببهم نحن نكتب هذه الكلمات اليوم.

    بارك الله بك ست خديجة .

  7. شاكر العراقي

    بحث رااائع ومجهود متميز

  8. أحسنتم بحث قيم يستحق القراءة وإشارات راقيه جدا جدا موفقين لكل خير

  9. حوراء الشمري

    شكرا لكل أنسان شريف يكتب في هذا المركز ويساعد على تعريف الناس حقيقة دينهم .

  10. الحقيقيه انتم قمت الاعتدال والوسطيه في العالم كله وفقكم الله شباب

  11. أحسنتم بحث قيم يستحق القراءة وإشارات راقيه جدا جدا موفقين لكل خير

  12. حييتم وبوركتم

  13. وفقكم الله تعالى لنصرة الدين الحق وانتم تخطون النهج المعتدل القويم لكل الناس

  14. بحث راقي ..كل التوفيق للكاتبة المبدعة خديجة اللهيبي

  15. بارك الله فيكم وسلمت الانامل

  16. بارك لكم يا انصار الحق في نشر ثقافة اهل البيت عليهم السلام اللهم اجعله في ميزان حسناتكم يا انصار الاعلم

  17. سليم الخليفاوي

    بحث قيم والتفاتات رائعة .. تحياتي لك ست خديجة وزادك الله علمًا

  18. اسامه العربي الدليمي

    احسنتم تحليل دقيق ومشوق نسال الله لكم التوفيق

  19. وفق الله الناشر كلام راقي جدا

  20. عادل الربيعي

    نتمنى لك التوفيق والإبداع المتزايد ست خديجة … فعلا بحث رائع وجميل للغاية وفيه نكات ملفته للنظر بالنسبة لكل باحث في القضية المهدوية …

  21. أحسنتم .. بحث راقي ورائع .. نتمى منكم ان تكتبوا في موضوعات اخرى .

  22. م.علي ال طالب

    حياك الله اختنا العزيزة على هذا الجهد المتميز
    واضيف شيء قليل وهو ان اصحاب المهدي عليه السلام كما جاء بالروايات ….غرباء …ملاحقين مضطهدين غرباء حتى وسط اهلهم واهل مذهبهم بسبب التحريف في معالم الدين وقابضين على دينهم كمن يقبض على جمرة ولذلك ياتي الامام بدين جديد غير ما هو موجود عند الناس من الشيعة والسنة فكيف تكون عقيدتهم وايمانهم واخلاصهم !؟على عكس اصحاب الحسين عليه السلام معززين مكرمين يعيشون في مجتمعات محبة للامام الحسين ومشايعين له ويقتدون به و لولا الجبن والخذلان في وقت ثورته… والدين الحق واضح وجلي واصحاب الحق معروفين وهو الامام الحسين عليه السلام والخلل الوحيد هو الجبن والخضوع وانعدام الهمة والارادة في التغيير والوقوف بوجه الظالم

اترك رداً على جلنار إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *