الرئيسية / الإعجاز والإلحاد / الإلحاد / انتشار الإلحاد والتطرّف، أسبابه و طرق الاتّقاء منه

انتشار الإلحاد والتطرّف، أسبابه و طرق الاتّقاء منه

الكاتب : حبيب العتابي

ما لا شكّ فيه عندما تضرب المجتمعات الإسلامية موجاتُ الأفكار الشاذة والمنحرفة كالإلحادية والتكفيرية تُزْرَع في نفوس البشرية ثقافة التطرف كالعنف والشذوذ والكفر والتكفير والإباحية والفساد والإفساد والقتل والإدمان على المخدرات والانحراف الفكري والانحلال الأخلاقي، ويمكن أن نرجع ذلك إلى أسباب عدة أهمها:

أولًا: غياب القدوة الصالحة في الأسرة والمدرسة والجامعة والدائرة ووسائل الإعلام والمراكز الثقافية والعلمية وغيرها، فمثلًا ينشأ الشباب وهم لا يعرفون دينهم حق المعرفة، فيسهل عليهم تركه لأي سبب بسيط كان..

ثانيًا: تعرض الشباب وخاصة في بدايات تكوينهم الفكري وقبل نضجهم للفكر الإلحادي من خلال قراءتهم للكتب الفلسفية واتصالهم بدعاة الإلحاد وإعجابهم بأدبهم وأطروحاتهم وخاصة ممن كان له أسلوب عرض جميل أدباء ومُنظِّرين ..

ثالثـًا: تغلب الشهوات على بعض الشباب حيث يتصورون أن الدين يمنعهم منها ويُشكّل حاجزًا بينهم وبين رغباتهم في الاستمتاع بالحياة وحريتهم المطلقة وعدم معرفتهم لحكمة تحريمها مع غلبة الشهوة والغريزة التي تجعلهم يرغبون في الإلحاد وينفرون من الاسلام وتعاليمه بل يصل الحال بهم الى لزوم إنكار الله حتى يجعلوا مبدأ الحساب والعقاب الأخروي مقدمة أو تبريرًا لنفورهم من الدين الإسلامي الحنيف..

رابعًا: انفتاح على العالم الفضائي بشقيه – القنوات والأنترنت- وما يُبث فيهما من شهوات وشبهات وأفكار منحرفة تأخذ كل واحدة منها بنصيبها من شبابنا مع عدم وجود حملة تحصين مضادة لأثارها السلبية التي دمرت وأطاحت بالمجتمع الشبابي وما يحصل لشبابنا اليوم خير شاهد ودليل على ذلك..

خامسًا: أنظمة الحكم والظلم السائد فيها وما سببته للناس من فتن في دينهم فبعضها يروج الإلحاد ويقيم المؤسسات التعليمية والأنشطة والمراكز والمواقع التي تبثه بين الناشئة، وأخرى تدعي أنها تعتني بالدين وهي مؤسساتها ممثل سيء ومشوه للدين مما يتسبب في ردة فعل عكسية من الدين والمتدينين وتسلط أئمة الضلالة على تلك المواقع والمراكز العليا، ولسان حال هؤلاء الشباب يقول: إذا كان هذا حال حماة ودعاة الدين والإسلام فما بال غيرهم من العوام؟ فبكل تأكيد يكون نفور هؤلاء من الدين أفضل لهم حسب زعمهم وقناعتهم!!

سادسًا: عدم قيام مؤسسات التربية وتعليم من مدارس ومعاهد وجامعات ومراكز فكرية توعوية تمثل منهجا وسطيا تكون قادرة على الوقوف في وجه موجة الإلحاد والتطرف الجديدة وبطء استجابتها للمستجدات العالمية والحراك الاجتماعي والشبابي لما لهذه المراكز الثقافية من دور كبير ومميز في تصحيح المفاهيم الخاطئة والمغلوطات الدينية التي توارثها المسلمون عبر التأريخ فغياب المحققين والمصلحين وإبعادهم وإقصاءهم وتهميشهم والتعتيم والتضليل عليهم سبب أساسي في فساد المجتمع وانحرافه لأن العلماء المصلحين عبر الأزمان هم الموجهون والمرشدون والمصلحون الحقيقيون الساعون لإحياء الأمة ولأنهم يمثلون حجج الله في أرضه وممثلون عن الإمام المعصوم (عليه السلام)..

سابعًا: دور النشر والمقاهي الثقافية ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية التي تروج للألحاد والتطرف من دون وجود بدائل منافسة لها يلجأ الشباب إليها وهذا واجب ولاة الأمة المصلحين من اللازم عليهم توفير بدائل خاصة وتوفير مجالس أو مراكز فكرية وثقافية ترشد وتعزز قوة الايمان والتدين وتمسك الفرد المسلم بتعاليم الإسلام الحنيف من خلال وضع منهج سليم ودين وسطي يبث ثقافة المحبة والتسامح والاخوة والإنسانية بين الناس..

ثامنًا: وجود فئات من المجتمع التي خلطت بين الدين والعادات وأساءت للدين من خلال حماسها غير المنضبط وجهلها العريض ليتحول الدين عندها إلى مظاهر مسلحة أو جماعات متشددة لا يصاحبها في كثير من الأحيان جواهر نقية فتسببت في حدوث ردّ فعل معاكس عند بعض الشباب الذين ذاقوا العنف والقسوة منهم ولا يفوتني هنا ما أثبتته الدراسات النفسية في مجال الاضطرابات السلوكية تحت ما يسمى بالجنوح الكاذب والذي ينزع فيه بعض الشباب لمخالفة القواعد والأنظمة بسبب شعورهم بالاضطهاد وخاصة في البيئات التسلطية التي يسود فيها تلك المظاهر والمجموعات المتطرفة..

تاسعًا: انتشار الظلم وعدم قدرة الضعفاء أو المستضعفين على الوصول لحقهم حتى مع اللجوء إلى المؤسسات الحكومية والدينية والمجتمع الدولي بشكل عام وكان لنا في الربيع العربي والاحتجاجات الشبابية في المنطقة موعظة عن خطر الظلم والفساد وشيوعه بين الناس.

عاشرًا: كثرة الحروب والفتن التي تهز قناعات الشباب في العقيدة بالقضاء والقدر واختلال فهمهم لقيم الحياة ومعاني الألوهية والربوبية والجزاء والحساب والعقاب كما أن كثيرًا من ضغوط الحياة المعاصرة تسببت في ظهور مرض نفسي يشيع بين المثقفين ويسمى “القلق الوجودي” وهو مركب من القلق والاكتئاب بسبب ما يرون من العجز إزاء الانحرافات في الحياة أو تضاد بين الأحداث المختلفة وبين قناعاتهم الفلسفية وقد تدفع ببعضهم للأفكار الإلحادية ما لم يكن لهم بصيرة في مسائل القضاء والقدر والتصور الإسلامي للحياة والكون ،لذلك فحينما نتحدث عن إيجاد حلول لتطويق الإلحاد والتطرف والوقاية منهما فإننا لابد أن نستحضر تجربتين ناجحتين وتطبيقهما في مجتمعاتنا:
التجربة الأولى:
هي تجربة مكافحة الإرهاب الفكري علميًا لا عسكريًا وإيجاد منظومة فكرية متكاملة قادرة على ردع وإبطال ودحض تلك الأفكار المنحرفة التي طالت شبابنا اليوم للأسف الشديد بمنهج سلمي سليم ووسطي ليس فيه تطرف.
التجربة الثانية: 
هي مكافحة المخدرات والمفاسد الأخرى التي إنجر إليها الشباب اليوم بسبب غياب سلطة القانون وغياب وتغييب دور المصلحين وإقصائهم وتهميشهم وإبعادهم عن ممارسة وظيفتهم الشرعية بدلا من تسلط أهل الضلالة والإنحراف على المؤسسات الدينية وعلى المراكز الإسلامية الثقافية ودور التوعية ونشر فكر ومنهج الإسلام الوسطي، فالإلحاد بأعتباره مشكلة فكرية لها آثار سلوكية لابد من العمل على الجانبين فتقاوم أفكاره ومناقشتها علميا ويتم الحدّ من النفوذ الإعلامي لدعاته ومروجيه في جانبه الفكري الفلسفي وفي جانبه الخلقي الإباحي..

والنتيجة:
هي إن كنا لا نرضى بمن يتطاول على مقام الأنبياء والأئمة والمقدسات والمرجعيات ونضع حولها خطوطًا حمرًا، فكيف يمكن أن نرضى بمن يتطاول على ملك الملوك الخالق تعالى شأنه!!! لكن الأمر ينبغي أن يكون بعدل ورحمة وبرفق وإحسان وبعلم وليس بقوة أو غلظة فتوبة ملحد يجب أن تكون أحب إلينا من إقصائه أو تكفيره وسفك دمه فالتطرف والعنف ليس من الإسلام بشيء، وهنا لا ينبغي بأي حال أن نغفل عن دور التربية المتضامنة بين الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام ورعاية الشباب والأندية الثقافية والمراكز الفكرية، إذ إن الإلحاد ظاهرة منتشرة في الغرب، وانتقلت إلينا ضمن ما نستورده من هناك، فمالم يكن لدينا حلول وقائية فلن نستطيع أن نقاومه بكفاءة ومهنية، مهما كان لدينا من تدين وأناس صالحين، إن تقليد شبابنا لأخلاق الغرب ولباسهم وموضاتهم وقصات الشعر وطريقة عيشهم سوف يصاحبه تقليد معتقداتهم وأفكارهم الشاذة، ونحن بحمد الله نمتلك أعظم تعاليم سماوية يمكن أن تجيب على كل شاردة وواردة وعلى التساؤلات التي أشغلت الإنسانية وحارت فيها طويلا، ولا ينقصنا علماء و لا دعاة ولا مفكرين، وإنما تنقصنا النية الصادقة والإخلاص والتخطيط وتغليب مصلحة الإسلام والمسلمين على المصالح الحزبية والفئوية والشخصية..
لذلك يجب علينا أن نكون على قدر المسؤولية، وحفاظا على الدين وعلى المقدسات وعلى شبابنا من التيه والوقوع وسط تلك المنزلقات والانحرافات، فعلينا أن نتحرك جميعا لمقاومة الإلحاد فكريا على بصيرة وهدى، ومن هذا المنطلق وحفاظًا على الدين الإسلامي المحمدي الأصيل تأسس مركز المنهج الوسطي للتوعية الفكرية لممارسة دوره الوقائي في تبيين خطورة الأفكار المتطرفة كالإلحادية وقد سعى القائمون على هذا الصرح العلمي الكبير في تسخير الأقلام الحرة والأصوات المعتدلة وأصحاب الخطابات النابذة للتطرف والطائفية لاستعدادهم في خوض المواجهة السلمية والعلمية والأخلاقية ضد التطرف والالحاد، على وفق المنظومة الفكرية السليمة التي ليس في قاموسها ألا بث ثقافة الحياة والتعايش السلمي وإبعاد خطر الفساد الفكري والانحلال الأخلاقي لمجتمعاتنا الإسلامية وعدم تأثير شبابنا وأمل مستقبلنا بتلك التيارات التي لا تريد الخير والصلاح والسلام للبشرية بغض النظر عن المجتمع المسلم.

عن المنهج الوسطي

5 تعليقات

  1. علاء المنصوري

    جب علينا أن نكون على قدر المسؤولية، وحفاظا على الدين وعلى المقدسات وعلى شبابنا من التيه والوقوع وسط تلك المنزلقات والانحرافات، فعلينا أن نتحرك جميعا لمقاومة الإلحاد فكريا على بصيرة وهدى، ومن هذا المنطلق وحفاظًا على الدين الإسلامي المحمدي الأصيل تأسس مركز المنهج الوسطي للتوعية الفكرية لممارسة دوره الوقائي في تبيين خطورة الأفكار المتطرفة كالإلحادية >>> أحسنت أخي العزيز

  2. العراقي العربي

    حياك الله اخي الكاتب لنشر الفكر المعتدل والتصدي للافكار المنحرفه

  3. صراحة بحث قيم ويلامس الواقع ليت المعنيين يبدؤون بالتحرك للوقوف لهذه الموجة التي بدأت تجتاح المجتمعات الاسلامية بوركت اناملكم

  4. حيدر البابلي

    كل التوفيق للكاتب المتميز الاستاذ العتااابي.

  5. عادل الربيعي

    وفقك الله استاذ حبيب على هذا البحث الراقي … ومما يجدر الإشارة له انه لا بد من تربية المجتمع التربية الصالحة ومن قبل المصلحين مباشرة كي يسلك المجتمع طريق التكامل الثقافي الفكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *