الرئيسية / مقالات وتحليلات / الاعتدال بينَ الحقيقةِ والانتقال

الاعتدال بينَ الحقيقةِ والانتقال

الأسّتاذة // شيماء الموسوي

ربما يتساءل القارئ عن عنوان المقال وهل الاعتدال ينتقل من الحقيقة إلى ركنٍ آخر ؟!
وهل للاعتدال معنى غير الحقيقة وثبوتها بشكلٍ وسطي بعيدًا عن التطرف كما جاء به الإسلام ؟!.
نعم … فمنذ وجود الاعتدال وُجِدَ معه الغلوّ والتشويه والشبهات للتغيير في جوهرهِ الأساسي بما يخدم الأفكار المتطرفة البعيدة عن أهداف الإسلام . 
فعلى مَرّ العصور منذ بُعِثَتْ الديانات السماوية كان ولا زال هدفها تصحيح مسار الأمة بمنهج وسطي بعيدًا عن التطرُّف والتجريح والقمع وكما هو واضح للجميع توجد هناك صفتان متناقضتان وهما (الحق والباطل) لكنهما أصبحتا متلازمتين بحكم وجود الصالح والطالح فهنا وُجِدَ النقيضان على الطرفين وأنَّ الإسلام ومنهجه الوسطي في المنتصف ليأخذ مكانه في الاعتدال بينهما دون استخدام الضغوطات على المسيء لئلا تطغي صفة البغض فحوى الإسلام وما جاء به ، وكما جاء في الذكر الحكيم قوله ـ تعالى مجده ـﷻ : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة الآية : (143).
فهنا دلائل واضحة لضرورة الوسطية في الإسلام وحجة على كُلِّ مُتأسلِم يبيحُ الدماء وينتهك الحُرمات باسم الإسلام ، فلمن رأى مُنكرًا أو حتى الشرك توضيح هنا تنبيه أننا لم نجد في القرآن الكريم أي دعوى أو إشارة للقتل أو انتهاك الحُرمات لتصحيح مسار إلا بالنُّصح والإرشاد وإلقاء الحجة فليسمع أئمة القتل والجُرم وليتمعنوا في قولهِ تعالى :ﷻ ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) آل عمران الآية : (110).
هنا إشارة واضحة للأمر والنهي ولم يذكر تعالى مجده كلمة (تقتلون أو تظلمون ) بل كان القول (تأمرون وتنهون ) وحاشا لله أنْ يكون من الآمرين بالجور وسفك الدماء فكان ظاهر الآية واضحًا فهو لمن يجد منكم منكرًا فلينهَ عنهُ ويُلقي حُجَةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلام والنُّصح والإرشاد وذلك لسبب وهوَ أنَّ الله تعالى لم يبعثْ الإسلام ولا رسول إلا للاعتدال والنجاة بأفضل ما يمكن ، والكلام واضح من تعريف الوسطية في الإسلام وهي الخيرية والفضل والتميّز في الأمور المادية والمعنوية الوسطية بمعنى العدل والخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط ،وبهذا المعنى فسرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث أبي سعيد الخدري فقال : الوسط : العدل (1). 
وفسرها ابن جرير الطبري بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط (2)، وكذلك ابن كثير فسرها : بالخيار الأجود (3) ومن ذلك قوله ـ عز وجل ـ ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) أي ، عدلًا سورة البقرة الآية : (143). 
فهذا يعني أنَّ التوسط بين طرفين متنازعين دونَ ميل أو تحيُّز لطرف أو جهة والعدل إعطاء كل ذي حق حقه دون بخس أو جَور وهنا تكون الالتفاتة إلى المعنى ( دون جَور ) بمعنى أنَّ الجَور ليس من صفات الإسلام ومنهجه الوسطي المستقيم، وفي أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تأكيد لضرورة الوسطية فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنَّ أوسط الجنة وأعلى الجنة )(4)وقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ( إذا وُضِعَ الطعام فخذوا من حافتهِ وذروا أوسطه فإنَّ البركة تنزل في وسطهِ)(5) فالمعنى واضح في الحديثين الشريفين وهو أنَّ الأوسط هو الأعدل والأفضل في جميع الأمور وخيرها. 
فمن هنا نوجه الكلام إلى زعماء القتل والتكفير أئمة الجُرم والإرهاب من أتباع المنهج المارق أتباع ما يسمى ( بشيخ الإسلام ابن تيمية ) إنَّ الله تعالى بعث رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برسالة الإسلام السمحاء كرسالة اعتدال وإنصاف لكُلّ البشرية سواء من المسلمين أو المسيح أو الصابئة … الخ فلا تتخذوا الإسلام حُجة للقتلِ بتشويه الرسالة السماوية الحقة فلا الشُبهات ولا التشوّيه يخفي صفة الإسلام ولا التخويف يُجدي نفعًا لمن بثَ الله نورهُ في قلبه وبصيرته . 
والحمد لله رب العالمين.

المصادر:
1ـ صحيح البخاري، كتاب التفسير، حديث 4487 .
2ـ تفسير الطبري، ج 3 / ص242 .
3ـ تفسير ابن كثير، ج1 / 275 .
4ـ صحيح البخاري، كتاب الجهاد، حديث 2790.
5ـ سنن ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب النَّهي عن الأكل من ذروة الثريد، رقم الحديث: 3277.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

حادثة الغدير واعتدال نقل المؤرخين لها

إعداد: سامي البهادلي إنّ نقل الأحاديث والوقائع التاريخية تحتاج إلى أشخاص جديرين بالنقل خصوصًا تعاملهم …

7 تعليقات

  1. محمد الياسري

    حياكم الله استاذه شيماء الموسوي.

  2. مقال راائع جدا..اتمنى لكم التوفيق .

  3. علي المناصر

    وفقكم الله تعالى استاذة شيماء الموسوي

  4. بوركت الاقلام الاصيلة

  5. بثينه الخالدي

    احسنتي استاذة شيماء موفقه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *