الرئيسية / مقالات وتحليلات / إِجْهَاضُ مشاريع الإصلاح سُنَّة تاريخيــــَّـة مُتجدِّدة

إِجْهَاضُ مشاريع الإصلاح سُنَّة تاريخيــــَّـة مُتجدِّدة

إعداد// علاء جاسم 
تعرض الأنبياء والمصلحون إلى مواجهات عنيفة جدًا، من قبل الجهلاء وأعداء الديانات السماوية، الأمر الّذي جعل الأنبياء ودعاة الحق يدفعون ضريبة القتل والتشريد، كما ينقل : فقط على الصخرة الّتي ببيت المقدس قتل سبعون نبيًا. [البداية والنهاية – الجزء الثاني].
وكما جاء في تفسير الثعلبي ومصادر أخرى؛ إنَّ اليهود قتلوا سبعين نبيًا من أول النهار إلى آخر النهار .[تفسير الثعلبي الكشف والبيان 1-6 ج1].

فضلًا عما تعرض له النبيّ الخاتم – صَلّى اللهُ عَلَيْه وَآلِهِ وسلّم – من معاناة وعذابات وتشريد، حتى قال قولته المشهورة : “ما أوذي نبي مثل ما أوذيت” [بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٣٩ – الصفحة ٥٦].

خطر المصلحون على الزعامات المنحرفة
دائمًا علاقات الزعامات المنحرفة مع المصلحين الحقيقيون وعلى طول الخط، كانت تقوم على أساس الخوف الشديد من نشاط كل قائد مصلح حقيقي، ودوره في الحياة، سواء أ كان هذا المصلح ( نبيًا ، أو إمامًا ، أو عالمًا مجتهدًا كما في عصر ما بعد النص ) ، حتى يصل الخوف لدى الزعامات المنحرفة، أحيانًا إلى درجة الرعب، وكان محصول ذلك باستمرار تطويق كل مصلح حقيقي بحصار شديد ووضع رقابة محكمة عليه، ومحاولة فصله عن قواعده الشعبية، ثم التآمر على حياته، ووفاته شهيدًا، بقصد التخلص من خطره، كل هذه الإجراءات من ( نفي، وسجن، وتشريد، وقتل ) الّتي تكون بحق دعاة الإصلاح الحقيقيون هي نتيجة شعور الحُكام المنحرفين بخطورة الدور الإيجابي الّذي يمارسه هذا المصلح أو ذاك .

سياسة الإقصاء سلاح المنحرفين
تعرض الكثير من الأنبياء والأئمة والمصلحين إلى حملات عنيفة جدًا من خلال إقصائهم وتشريدهم من قبل أعدائهم والجهلاء ، إضافة إلى تأليب رأي الجماهير ضدهم للسخرية بهم، وإفشال مخططاتهم الرسالية الّتي جاءوا بها لنشر العدل والمساواة، ولإنهاء مظاهر الاستبداد وتخليصهم من كل حالات الانحرافات، والتطرّف، والانحلال، والتخنث، الّتي تصيب المجتمعات بعد سيطرة المنحرفين على زمام الأمور ومقاليد الحكم .

الأسباب وراء إقصاء المصلحين 
في المجتمعات المنحرفة، يكون التطهر والتنزه عن مفاسد الأخلاق، تهمة الإنسان، فالشرف والدعوى لنبذ مظاهر التطرّف والتخنث والانحلال، والسعي لإصلاح المجتمع من كل هذه الظواهر السلبية، تُعتبر خيانة وتهمة يستحق عليها أشد أنواع العقوبات من تهجير وتشريد وتحريض على القتل والسجن، هذا واقع حال المجتمعات المنحرفة، كما حصل ذلك مع سيدنا لوط النبيّ – عليه السَّلام -.

لوط وتهمة التطهر عن رذائل الأخلاق
بعد أن استحكم على قوم لوط – عليه السَّلام – كل مظاهر الانحرافات السلوكية، والأخلاقية، واصل دعوته – عليه السَّلام – على نبذ هذه التصرفات المشينة، إلّا أنه – عليه السَّلام – تعرض لمواجهة عنيفة واتهام بدعوى كونه طاهرًا متنزهًا!!؛ كما بينت لنا ذلك الآيات القرآنية:
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) سورة النمل .
وكما جاء بيان هذه الآيات في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي :

يقول السيد الطباطبائي – رحمه الله – : 
1 – قوله تعالى: ” وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ” الفاحشة هي الخصلة البالغة في الشناعة والمراد بها اللواط.
2 – وقوله: ” وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ” أي وأنتم في حال يرى بعضكم بعضًا وينظر بعضكم إلى بعض حين الفحشاء.
3 – قوله تعالى: ” أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ” الاستفهام للانكار، ودخول أداتي التأكيد – إن واللام – على الجملة الاستفهامية للدلالة على أنَّ مضمون الجملة من الاستبعاد بحيث لا يصدقه أحد والجملة على أي حال في محل التفسير للفحشاء.
وقوله: ” بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ” أي مستمرون على الجهل .

فأما لو أتينا لمعرفة كيف كان جواب قومه، وكيف واجهوا النبيّ لوط – عليه السَّلام – ومن آمن معه، فالآية القرآنية توضح ذلك : 
قوله تعالى: ” فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) ” أي يتنزهون عن هذا العمل وهو وارد مورد الاستهزاء.
ففي تفسير الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي يتحدث عن معنى هذه الآية قائلًا :
جوابهم كاشف عن انحطاطهم الفكري والسقوط الأخلاقي البعيد!.
أجل.. إنَّ الطهارة تعد عيبًا ونقصًا في المحيط الموبوء، وينبغي أن يلقى أمثال يوسف المتعفف في السجن، وأن يطرد آل لوط نبي الله العظيم ويبعدوا – لأنهم يتطهرون – خارج المدينة، وأن يبقى أمثال ” زليخا ” أحرارًا أولي مقام. 
ويضيف الشيخ مكارم الشيرازي قائلًا : كما ينبغي أنْ يتمتع قوم لوط في مدينتهم دون حرج!.

وهذا عينه ما يواجهه المصلحون على مر العصور والدهور ، وكأنها سنن تاريخية، قائمة منذ نشأت الخليقة وإلى آخر العمر .
بدليل استمرار وجود الخط والنهج المنحرف، الّذين زين لهم الشيطان اعمالهم، كما صرحت بذلك الآيات القرآنية والسنة النبوية:
١ – وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ .(24) سورة النمل.
٢ – وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) سورة العنكبوت .
٣ – إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) سورة الأنفال.
وفي معرض بيان معنى قوله تعالى”وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَيقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان
وقوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) تزيين الشيطان لهم أعمالهم كناية استعارية عن تحبيب أعمالهم السيئة إليهم وتأكيد تعلقهم بها وصده إياهم عن السبيل صرفهم عن سبيل الله الّتي هي سبيل الفطرة، ولذا قال بعضهم: إنَّ المراد بكونهم مستبصرين أنهم كانوا قبل ذلك على الفطرة الساذجة. [تفسير الميزان – السيد الطباطبائي – ج ١٦ – الصفحة ١٢٦].
خاتمة القول :
حتى من يُريد أنْ يعزز ثقة الشباب الّذين جرَّهم الإلحاد وعصفت بهم مضلات الفتن وأخذتّهم الأهواء إلى غير جادة الصواب، تجد حملات التسقيط والاستهزاء والأساليب الّتي عملت عليها الأقوام المنحرفة ومنها قوم لوط حاضرة، في مواجهة المصلحين وأصحاب المشاريع التوعويّة، لا بل يتعرض المصلح الحقيقي لأعتى وأشرس مواجهة غير منضبطة بسلوك أخلاقي!!!.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الوسطية مرجعية حضارية عابرة للقومية مرتكزة على القيم الإنسانية

إعداد // حيدر السلطاني الوسطية أحد أبرز عنوانات الرسالة الإسلامية الخالدة وهي قطعًا وبلا ريب …

2 تعليقان

  1. حيدر السلطاني

    سنة محاربة الاولياء والصالحين من قبل أولياء الشيطان قائمة على قدم وساق استاذنا الفاضل منذ هبوط سيدنا آدم عليه السلام الى هذا اليوم وهذه واضحة ومعلومة لمن يريظ أن يتدبر في النصوص القرآنية والشواهد التي ذكرتموها في مقالكم القيم هي جزء يسير وإلا من يريد المتابعة سيجد شواهد كثيرة لهذا المعنى.
    استاذنا الفاضل اجدت وابدعت ..لجنابكم وافر الاحترام والتقدير.

  2. علي الخليفاوي

    الاصح ان يقول الكاتب: (كما في عصر الغيبة) وليس في عصر ما بعد النص
    فعصر النص هو عصر النبي، ويسمّى بعصر انقطاع الوحي.
    لأن كلمة عصر ما بعد النص توحي للقارىء ان هناك عصرا تاريخيا اسمه عصر ما بعد النص وليس المقصود به عصر الغيبة
    شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *