الرئيسية / مقالات وتحليلات / المُنى بين مرضاةِ الله والنفس الأمّارة

المُنى بين مرضاةِ الله والنفس الأمّارة

الأستاذة شيماء الموسوي

لا يخفى علينا أنَّ الإنسان بفطرتهِ يتوق لرغباتٍ دنيوية بحتة سواء كانت مادية أو معنوية ،على المستوى الشخصي أوالعائلي ، رغبات مُباحة أم غير مُباحة فعلى جميع الأصعدة تتوق النفس لها أو لبعضها … فعلى سبيل الافتراض توجّه الشباب نحوَ ما يُرضيَ رغباتهم من لهو في حفلات الطرب وما شابه ، ورغبات الرجال في كسب المال بأي وسيلة توفرت ، وحتى النساء لا تخلو من تلك الرغبات حيث توفير ما تصبو إليه النفس من رفاه وعيش رغيد على حساب الدين والاخلاق.
لكن … هنا يأتي الاستثناء ، والتساؤل هل ا لكلام لجميع الطبقات ؟ الجواب واضح فمن الطبيعي كل نفس تتوق للأمور الدنيوية لكن بتدرّج مُختلف وهذا التدرُّج يتناسب عكسيًا مع درجات الإيمان ومدى قرب الشخص من ربه وتمسّكهُ برغبات توطّد علاقته بدينهِ أكثر من دنياه فكلما كانت درجات الإيمان ضعيفة زادت الرغبات الدنيوية وكلما كانت درجات الإيمان عالية تلاشت تلك الرغبات شيئًا فشيئًا حتى يتحقق اليقين والاطمئنان التام من رحمةِ الله ـ تعالى مجده ـ حتى تتوق النفس لمرضاته ـ تعالى شأنه ـ دون التفكير أو الاكتراث لمغريات الدنيا، ونجد في الآية الكريمة قوله تعالى ﷻ( فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) هنا يكون المؤمن مُتخذّ الآية الكريمة حُجة على نفسهِ ليقول ربنا آتنا في الدنيا حَسَنة وفي الآخرة حَسَنَة وقنا عذاب النار ليقمع تلك الرغبات وتكون له في الآخرة النجاة والرضا ، فيكون الأجر مُضاعفًا لمن شرى آخرته بدنياه بترك مُغريات الدنيا وخصوصًا عند الشباب ليكون شاهدًا تجدر الإشارة إليه بمن عصى النفس الأمّارة وأطاع ربه ليصل إلى النجاة الحقة وفي مقام ذِكر النفس الأمّارة يتراود إلى ذهن القارئ رغبات اللهو وإرضاء النفس فقط ولكن لو نعود إلى حقيقتها نجدها متعلقة في جميع نواحي الأخلاق سواء كانت كلامية أم فعلية أم غيرها … فصِلة الرحم، بِرّ الوالدين ، ترك الغرور حتى خفض الصوت وغض البصر كلها تعود لعصيان النفس الأمّارة وترك ما يرضيها مقابل ابتغاء مرضاةِ الله وما أحوج الأمة لتلك الصفات حيث تكالبت عليها الأعداء لتغيير كل معالم الإسلام بما جاؤوا به من أفكار لزرعها عند الشباب والإلحاد من أبرز الآفات التي فتكت بالأفكار وأخذت مجراها بين نسبة من الشباب وإنْ كانت قليلة فهي تسري في عروق المسلمين ولا بد الالتفات لتلك الظاهرة والتصدي لها بتصحيح الأفكار وإعادتها لمسارها الصحيح ، ثم الالتفات إلى أصول الفرد فإذا لم تُزرع مكارم الأخلاق عند الآباء والشباب يصعب نتاج الجيل القادم بصورة تليق بدينِ الرسول الكريم فجميعنا مُسلِّم أنَّ فطرة الأطفال هي اقتباس شخصية الآباء والشباب الأكثر احتكاكًا بهم وهم الإخوة على الأرجح فمهما تحدثنا مع الأطفال عن المثاليات والأخلاق لا ترسخ في نفوسهم ما لم تكن واقعية فعلية أمامهم تتجسّد في شخصيات مَن حولهم، وتجدر الإشارة إلى أنَّ الكلام لا يقتصر على ما ذكرناه فحسب بل الثقة بالنفس و صدق القول و الشجاعة … جميعها مُكمِلة لشخصية الفرد سواء كان رجلًا أم إمرأة أو كان شابًا أو شيخًا كبيرًا، إذًا كيف تكون إذا ترسخت في شخصية طفل منذ بداية بنائه وتوجّه أفكاره وكانت تُبنى من قِبَل ذويه من الأب والأم والإخوة ، أما تربية النفس عند الشباب فهي انتصار عظيم بحد ذاتها وصورة رائعة للإسلام كونها وُلِدَتْ من عِدة خطوات أساسية في التهذيب الذاتي وأولها محاسبة النفس والتوبة ثم مراقبة النفس في الخلوة لتصفية القلب .
وعن علماء النفس ( مَن أرادَ أنْ يتعود على شيء ليستمر في فعله 21 يوماً ثم بعد ذلك يصبح الأمر أسهل مما يتصور سواء كان في فعل الطاعات أو ترك المعاصي ) وهذا دليل قاطع على أنَّ ارتكاب المعاصي لم يكن بفطرةِ الإنسان بل هو تكرار الفواحش ليصبح عادة سهلة التطبيق ومن ضمن السلوك .
وهناك عدّة استدلالات بأحاديث الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وفي حديثه ( ما تعدّون الصرعة فيكم؟ فقالوا : الذي لا يصرعه الرجال ، فقال : ليس كذلك ، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب ) رواه مسلم … فامتلاك النفس عند الغضب واحدة من أساسيات الأخلاق ، وفي الآية الكريمة قوله ـ تعالى مجده ـ ﷻ( قالَ الشيطان لمّا قُضيَ أمرهُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) إبراهيم 22. …
وهنا براءة من الشيطان الرجيم لمن اتّبعه واستجاب لذاتهِ فتحققت الخسارة في الدارين فلا نجد رادع للنفس الأمّارة الخاضعة لأوامر الشيطان إلا القلب الراسخ بالإيمان .
وفي المقام نستذكر جريمة هدم قبور أهل بيت النبوة ـ عليهم السلام ـ والصحابة وأمهات المؤمنين ـ رضي الله عنهم ـ من حيث منافاتها للأخلاق المحمدية والسُّنن السماوية … فمن جانب نرى المارقة يذكرون الأخلاق بينما تتلاشى في أفعالهم … فلو تركنا ما جاءوا به من فواحش واقتصر الذكر على جريمة هدم القبور فهل هدم صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وأحفاده وزوجاته أمهات المؤمنين ـ رضي الله عنهم ـ من الأخلاق ؟! الأمر بديهي ولا يحتاج لاستنتاجات لنعرف ما إذا كان أخلاقيًا أم لا … لكن ما نود ذكره هل تركِنا تلك الفواحش دون تصدي فكري يعتبر من أخلاق الإسلام ؟ بالطبع لا … وحسب الواجب الشرعي والأخلاقي يتحتم علينا ذِكر تلك الجريمة في كل محفل وكل زمان ومكان لئلّا تكون الأفكار المُنحَرِفة هي المسيطرة على ضعيفي النفس ونُبَرئ ذمتنا أمام الله تعالى بأننا أدّينا ما علينا من واجب في التصدي للفكر التيمي المنحرف. ..
وبحسب ما ذكرناه آنفًا لا تكون الأخلاق مقتصرة على جانب أو تنحسر في زاوية مُعيّنة بل تشمل جميع زوايا الدين والمجتمع مهما صغُرت أو كَبُرَت .

عن مركز المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

حادثة الغدير واعتدال نقل المؤرخين لها

إعداد: سامي البهادلي إنّ نقل الأحاديث والوقائع التاريخية تحتاج إلى أشخاص جديرين بالنقل خصوصًا تعاملهم …

60 تعليق

  1. مقال رااقي.نعم لابد من السعي لمرضاة الله وقمع النفس وهواها

  2. أحسنتم أستاذة وفقكم الله تعالى

  3. زيارة قبر النبي لها خصوصية الشفاعة
    حاشية ابن حجر الهيثمي ، قال الحافظ ابن حجر الهيثمي : روى البزار والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -: من زار قبري وجبت له شفاعتي) ورواه الدارقطني أيضًا والطبراني وابن السبكي وصححه بلفظ ( منْ جَاءَنِي زَائِرًا لا تحمِلهُ حَاجَةٌ إِلّا زِيَارَتِي، كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
    أقول : يعني زيارة نفس المكان، نفس القبر، نفس النبي – صلّى الله عليه وآله وسلم – زيارة نفس القبر فيه خصوصية وينال الزائر الشفاعة، ويضاف لهذه زيارة الصحابة، كثرة العبادة، المسجد، اعتكاف المسجد، فلا يضرّ قصده في حصول الشفاعة له

  4. كل التوفيق

  5. ما شاء الله تبارك الخالق جلا علاه .. حقيقة قرأت ودققت وشخصت كل ما كتبتي أستاذة شيماء والعمل رائع من كل النواحي الابداعية سواءً نحوية او لغوية او مضمونا للكلام فالنفس الأمارة كالوحش الكاسر ان اطعمتيه بما يريد ويرغب تمرد اكثر فاكثر
    فلا ينفع معها الا المراقبة والمحاسبة الدائمة حتى تنتهي من شر فعالها وتنتهي لولادة النفس الراضية التي كل افعالها وخصالها من الرضا الالهي ووفق ضوابط الاسلام الحنيف.
    فجزاك الله خير جزاء المحسنين وعظظ الله لك الاجر بهدم قبور البقيع

  6. ما شاء الله تبارك الخالق جلا علاه .. حقيقة قرأت ودققت وشخصت كل ما كتبتي أستاذة شيماء والعمل رائع من كل النواحي الابداعية سواءً نحوية او لغوية او مضمونا للكلام فالنفس الأمارة كالوحش الكاسر ان اطعمتيه بما يريد ويرغب تمرد اكثر فاكثر
    فلا ينفع معها الا المراقبة والمحاسبة الدائمة حتى تنتهي من شر فعالها وتنتهي لولادة النفس الراضية التي كل افعالها وخصالها من الرضا الالهي ووفق ضوابط الاسلام الحنيف.
    فجزاك الله خير جزاء المحسنين وعظم الله لك الاجر بهدم قبور البقيع .

  7. حيدر البابلي

    كل التوفيق لمن سار في طريق الوسطية والاعتدال ..فعلًا وقولًا.

    بارك الله ….بالاستاذة شيماء الموسوي

  8. سامي الجبوري

    مقال قيم ..وفقكم الله تعالى.

  9. سهير الخالدي

    وحسب الواجب الشرعي والأخلاقي يتحتم علينا ذِكر تلك جريمة هدم قبور بقيع الغرقد كل محفل وكل زمان ومكان لئلّا تكون الأفكار المُنحَرِفة هي المسيطرة على ضعيفي النفس ونُبَرئ ذمتنا أمام الله تعالى بأننا أدّينا ما علينا من واجب في التصدي للفكر التيمي المنحرف. .

  10. صالح الربيعي

    احسنتم استاذ مقال اكثر من رائع

  11. سالم منصور العربي الصرخي

    احسنتم النشر

  12. جزاك آلله خير على الموضوع المهم

  13. وفقكم الله واحسنتم

  14. علي المناصر

    وفقكم الله ورعاكم موضوع راقي لقد استفدنا واتضحة لنا اشياء كنا لم نسمع بها

  15. ابو سارة الشامي

    وفقكم الله…

  16. وفقكم الله و بارك الله فيكم

    مقال رائع

  17. وفقكم الله

  18. وفقكم الله تعالى

  19. جزاكم الله خيراً

  20. احسنتم وفقكم الله لكل خير

  21. احسنتم الطرح استاذه شيماء الموسوي نعم كل نفس تواقه لحب الشهوات الدنيويه وخاصة في مرحلة الشباب والمراهقه لحب الامور الماديه واظهار الشخصيه وفرضها ممايؤدي احيانا الى انجراف الشباب الى الهاويه ووقوعهم بحبائل الشيطان لكن يبقى الدور الاساسي للتربيه الاخلاقيه في العائله وايمانها بدينها ومبادئها وتغذيتها روحيا وفكريا لابنائها وانتشالهم من الضياع وابعاد الافكار المسمومة بتهذيبهم. بالحضور الي الجوامع والحسينات وحضور المحاضرات. الدينيه والتوعيه الهادفه الصادقه الحقه للدين الاسلامي دين الرسول الكريم الخالي من البدع ومذاهب الشيطان

  22. هدم القبور جريمة نكراء ترتكبها ايادي تكفيرية جائرة وعقول مريضة

  23. مقال مشوق

  24. خالد النعماني

    موفقين ان شاء الله

  25. نتشرف بالتعليق لكل من يدافع عن أي مظلومية ولايوجد أعظم من هكذا أحداث تدمي القلب وهي تهديم القبور اي شرعية عندكم تقبل في اتخاذ أعمال مخالفة لسنة رسول الله كفى خرافات أيها التيمي.

  26. عادل الربيعي

    فعلا مقال رائع اختنا الفاضلة … ف طبيعة الإنسان مخير غير مسير اما تزكيتها واما دسها ….

  27. أحسنتم … استاذه موضوع رائع وتوضيح جميل

  28. وفقكم الله تعالى … استاذه موضوع رائع وتوضيح جميل

  29. وفقكم الله على هذا الطرح الرائع

  30. العراقي العربي

    بارك الله بك اخي الكاتب وسلمت اناملك

  31. المحك هو التقوى . كل فرد بعد عن الحق زادة رغباته وحب الدنيا راس كل خطئية فلا بد من الانسان ان يكون على حذر من مكائد الشيطان والنفس .
    احسنتي أختي الكاتبه مقال في قمة الرقي

  32. صالح الربيعي

    احسنتم النشر استاذ

  33. موفقين ااااااااااااااااااحسنتم

  34. احسنتم استاذه زادكم الله علما ورفعه

  35. مقال رائع جدا جدا احسنتِ ست شيماء ..توفر الارادة والنية لدى الانسان لاصلاح نفسه، فبدون الارادة لا يتحقق شيء في الحياة ولا يصل الانسان إلى اي من اهدافه او غاياته ومن بين هذه الاهداف اصلاح النفس التي تحتاج إلى ارادة فعلية وميل قلبي صادق للتغيير والتّصحيح النفس وخصوصا النفس الاماره بالسوء ؟.. السوء هو النفس التي تعمل الخبائث وغيرها من السلوكيات الخاطئه فيجب تهذب تلك النفس بتقوى الله ومثال على ذلك ان يقتدي الانسان بالانبياء والمرسلين وهم اكمل البشر اخلاقا وكذلك الصالحين والحكماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *