الرئيسية / مقالات وتحليلات / عجز الإلحاد من اختراق حصن مجالس الشور

عجز الإلحاد من اختراق حصن مجالس الشور

الأستاذ / علاء المنصوري
قد يستغرب الكثير من هذا العنوان الذي توجنا به مقالنا ، ولكن لا تتعجل ولا تستغرب أيها القارئ الكريم عليك إتمام ما نبينه هنا ومن ثم أحكم على ما نقول .
دائمًا ما نسمع من الكثير الكثير على أنَّ الإلحاد اخترق شبابنا المسلم وانحرف بهم في مزالق الكفر والضياع والجرأة على المجاهرة بنكران وجود الذات الإلهية ، وهذا الكثير وغيره دائمًا ما يبحثون عن العلاجات لكي يرجع من سار على خط الإلحاد إلى جادة الصواب ، هذا الكثير يطالب أنْ تكون هناك ردود مقابل تنظيرات الملاحدة ، وهذا بحد ذاته مطلب جيد ويستحق الاهتمام ومن جانبنا نسعى إلى أنْ تكون هناك مؤسسات تعالج بطلان نظريات الإلحاد بالدليل والبرهان والمنطق والحكمة وغيرها من الوسائل والطرق التي لا تخرج عن سياق الأدب ؛ ولكن في الحقيقة لم يقتصر علاج مثل هذه الظاهرة المتفشية بالردود وكتابة المقالات وتفنيد الآراء التي أُلفت فيها آلاف الصفحات والكتب والمجلات والمحاضرات .
بل ينبغي أن يكون هناك مشروع يبني حاجزًا يمنع ويحد من اختراق هذه الظاهرة لعقول شبابنا لكي نحافظ على ما تبقى منهم، لأنَّ من لم يجرفه سيل الإلحاد فهو مهدد ومستهدف ، نعم، نحن مع فتح المجال لكتابة الردود على تنظيرات الإلحاد بشتى أقسامه ونشد على أيدي القائمين بذلك فهي خطوة جيدة ؛ ولكن في الوقت ذاته نقول : أن الخطر سيبقى محدقًا بالجميع إذا اقتصرنا على جانب التنظيرات ، من غير أنْ نبني حصنًا وسدًّا منيعًا ، يحفظ الشباب المسلم من غزو هذا السيل الجارف ، الذي يأخذ بأبنائنا إلى مزالق خطيرة جدًا ، مزالق تغيير الهوية الدينية .
ذكاء الأقوام السالفة وتحديد نقطة العلاج
بعد أنْ أصبح خطر يأجوج ومأجوج يستهدف أمة بأسرها من خلال نفوذهم، أصبحت الأمة بحاجة إلى علاج يحد من نفوذ هذه الظاهرة ، هنا، توجه القوم إلى ذي القرنين بطلب علاج لهذه الظاهرة وللحد منها ، ولكن اللافت في الأمر كان مطلبهم الذي أقرهم عليه ذي القرنين مطلبًا عقلانيًا واقعيًا وعلاجًا ناجعًا ، طلبوا منه أنْ يبني لهم بنيانًا يحد من اختراق يأجوج ومأجوج ويمنع من نفوذه من خلالهم ، فقام وبنى لهم – ذي القرنين – بنيانًا لكي يكون لهم حصنًا ويحميهم من اختراق ذلك الخطر الماحق الخطير .
تقول الآيات المباركة في سورة الكهف عن تلك الحادثة : ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) .
وهذا بحد ذاته دليل على وعي الأمة وقائدها ، وكانت هذه الأمة مستعدة أن تقدم المال لذي القرنين حتى يخلص أبنائهم من خطر يأجوج ومأجوج، عرضوا على ذي القرنين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به على بناء السدِّ، إذًا تحصين الأمة وأبنائها ينبغي أنْ يكون من أهم وأول مقدمات المواجهة للغزو الخارجي، وكما في سورة الأعراف فأن الله تعالى كان يأمر نبيّه – صلى الله عليه وآله وسلّم – بقص القصص لعل الناس تتفكر لعل الناس تتعض وتعتبر من تلك المضامين في تلك الآيات والسور كما يقول تعالى في محكم كتابه العزيز :
( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176).
وكذا الحال مع الإلحاد فهو بحد ذاته عبارة عن غزو خارجي يستهدف جميع من لم يؤمن به، وإذا كان الحد من ظاهرة يأجوج ومأجوج ببناء سد من زبر الحديد ، فينبغي أن نبني سدًا يسهم بتحصين أبنائنا من ظاهرة الإلحاد لكي لا يخترق عقولهم .
ما هو السد لتحصين الشباب من ظاهرة الإلحاد ؟
نحن نعلم أنَّ الحرب بين الاتجاه الديني والاتجاه الإلحادي يكمن في قضايا إثبات أو نفي وجود خالق ، فالاتجاه الديني يثبت بينما الاتجاه الإلحادي ينكر ذلك ، ويدعوا إلى إعلان المجاهرة بنكران وجود الخالق من خلال براهينهم وأدلتهم التي تعد يعتبرونها أدلة وبراهين كفيلة بنفي وجود خالق ومنها الدعوة إلى التحرر من العبودية لله تعالى والالتزام بشرعة أنبيائه ورسله – صلّوات الله وسَّلامه عليهم – .
إذًا ما دمنا بحاجة إلى بناء سد منيع لكي نحصن شبابنا من هذه الظاهرة ولكي لا تُخترق عقولهم بتلك الأفكار ، ينبغي أن يكون هذا السد ملائمًا مع ما يعزز الارتباط بالله تعالى ، ويزيد من قوة ورسوخ اعتقادهم بالأدلة والبراهين التي تثبت وجود الخالق – جل وعلا – ، وخير ما يمكن أنْ يحقق هذا الغرض هو الارتباط بأولياء الله تعالى ليس ارتباطًا فارغًا ، بل نحن بحاجة إلى أنْ نربط عقول أبنائنا بأولياء الله تعالى ارتباطًا وثيقًا صلبًا راسخًا لا يتزعزع، وهذا يمكن أنْ يتحقق من خلال المجالس التي تعزز دور أولياء الله من خلال إحياء أمرهم والإعلاء لمكانتهم بمجالس خاصة من حيث ارتداء الألوان المحددة لكل مناسبة كما هو الحال في مجالس الشور والبندرية، وإظهار الحزن بالمستوى اللائق لحجم هذه المناسبة أو تلك فرحًا وحزنًا .
 
لأن هذا يجعل لأصحاب تلك المناسبات شأنًا عظيمًا في نفوس القائمين على إحياء تلك المجالس، وبحكم أنَّ هؤلاء الأولياء هم زعماء التوحيد وقادة التنزيه للذات الإلهية ، فالذي يعلو من شأن الأولياء الصالحين ويحرص على إحياء أمرهم سيكون من الصعب اختراقه من خلال الأفكار التي يقف منها الأولياء بالضد والممانعة ، فهم – القائمين على إحياء المجالس الخاصة – يعتقدون في الأولياء أنهم الأدلاء على الله وآمنوا بهم على أنهم الدعاة إلى الله تعالى كما جاء في الزيارة الجامعة حيث تقول : اَلسَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الاَدِلاّءِ عَلَى اللهِ [من لا يحضره الفقيه للصدوق زيارة الأئمة الجامعة]

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

مشروعية ارتداء الألوان في الأفراح والأحزان

إعداد : علاء المنصوري المقدمــة :- كل شيء في عالم الوجود – بما فيه الإنسان …

26 تعليق

  1. حيدر السلطاني

    إذًا ما دمنا بحاجة إلى بناء سد منيع لكي نحصن شبابنا من هذه الظاهرة ولكي لا تُخترق عقولهم بتلك الأفكار ، ينبغي أن يكون هذا السد ملائمًا مع ما يعزز الارتباط بالله تعالى ، ويزيد من قوة ورسوخ اعتقادهم بالأدلة والبراهين التي تثبت وجود الخالق – جل وعلا – ، وخير ما يمكن أنْ يحقق هذا الغرض هو الارتباط بأولياء الله تعالى ليس ارتباطًا فارغًا ، بل نحن بحاجة إلى أنْ نربط عقول أبنائنا بأولياء الله تعالى ارتباطًا وثيقًا ، وهذا يمكن أنْ يتحقق من خلال المجالس التي تعزز دور أولياء الله من خلال إحياء أمرهم والإعلاء لمكانتهم بمجالس خاصة من حيث ارتداء الألوان المحددة لكل مناسبة كما هو الحال في مجالس الشور والبندرية ، وإظهار الحزن بالمستوى اللائق لحجم هذه المناسبة أو تلك فرحًا وحزنًا .

    كل التوفيق استاذنا الفاضل على هذا الكلام الرائع والواقعي..لكم خالص الود والأحترام.

  2. حسين الخليفاوي

    فعلًا أستاذ علاء هذا أحد الوجوه المهمة في أحياء ذكراهم، فهي طريقة مهمة لربط الناس بقادة ورموز التوحيد، وطبقًا لقوانين علم النفس فإن هذا سيؤثر ليس فقط على أفكار الناس بل على سلوكهم وتصرفاتهم

    • علاء جاسم حنون

      الأستاذ العزيز ( حسين الخليفاوي ) حماك الله ورعاك, اثريت الموضوع بهذه المداخلة القيمة شكرًا لك من القلب .

  3. نبراس الخالدي

    بما ان آفة الإلحاد تهاجم شبابنا بمحاولة من بعض جهات خارجية هدفها النيل من الإسلام ودين التوحيد فلا بد من إيجاد افضل السبل لإنتشال الشباب من هذه الظاهرة وكما تفضلتم استاذ علاء فإنَّ مجالس الشور هي أفضل وسيلة للتربية والتقوى والتهذيب

  4. بوركت الاقلام الاصيلة أستاذ علاء المنصوري

  5. مأجورين وتقبل الله عزاءكم

  6. بالحق آني ((مدوختهم))

    في المحور نفسه إذا انعدمَ دور العقل كان سببًا في تجاهل وانعدام ما جاء به القرآن وسيرة أهل البيت –عليهم السلام– ليمثل ذلك الخطر المُتكَرِر على مرّ الأزمان بسبب الجهل المُطبَق .
    وللسيرِ في طريق الرُّقي والتكامل لا بدّ من تحديد هدف أسمى و وضع طريقٍ صحيحٍ وصولًا إلى الأخلاق لتحقيق الغاية ، وكلما كانَ الهدفُ أنبلَ كانَ طريق التكامل أوضح وأقرب ، وليكن ذلك الهدف هو مرضاة الله -ﷻ- فعليه تترتب عِدّة أُمور إذا اتخذها الإنسان وسيلة تربّعَ في قلبهِ الخير والصلاح و وصلَ إلى الرُّقي

  7. وفقكم الله

  8. موفقين ان شاء ألله

  9. اميمة الدليمي

    الالحاد ظاهره هدت المجتمعات وبعدت الشباب خصوصا عن الوحدانيه والايمان بها ولابد من وجود مخلص ومصلح في كل زمان لانقاذ الناس كما كان ذو القرنين بابعاد يأجوج مأجوج وخلص الناس منهم. فلابد من وجد المصلح وخاصة المرحله الراهنه التي يمر فيها مجتمعنا فكان السور والحصن هو الشور التربوي الرسالي الذي انقذ الشباب من الانحراف والالحاد

    • علاء جاسم حنون

      عين الصواب ما تفضلتِ به ستّ اُميمة الدليمي .. نحن والمجتمع بحاجة لهكذا مصلح يكون سببًا لانقاذ الشباب من براثن ومزالق الالحاد والتوجهات الفكرية المنحرفة .

  10. #محمدٌ_رمزُ_الاعتدالِ_والوسطيةِ
    الساكنون في أراضي الدولة
    للاطلاع على فتاوى المرجع الأستاذ ( دام ظله ) على الرابط التالي :
    facebook.com/fatawaa.alsrkhy.alhasany
    https://b.top4top.net/p_733ci3md1.png

  11. علاء جاسم حنون

    حيّاكم الله جميعًا على هذه المشاركات القيمة .

  12. عبدالله صالح

    تحليلرائع

  13. موفقين لكل خير

  14. احمد العيداني

    احسنت المقال واجدت المعنى وانصفت الموضوعية

  15. كلام واقعي .. بارك الله فيكم

  16. سلمان عبد الله

    وفقكم الله لكل خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *