الرئيسية / مقالات وتحليلات / منهج الأطهار الجار قبل الدار

منهج الأطهار الجار قبل الدار

علاء جاسم

لو رجعنا إلى الجامع المشترك بين جميع المذاهب الإسلامية وهو القرآن الكريم لوجدنا أنه يدعو إلى أن نتحلى بالإيثار لأنه من محاسن الأخلاق الإسلاميَّة، فهو مرتبة عالية مِن مراتب البذل، ومنزلة عظيمة مِن منازل العطاء، لذا اثنى الله على أصحابه، ومدح المتحلِّين به، وبيَّن أنَّهم المفلحون في الدُّنْيا والآخرة , كما حثّ عليه في العديد من الآيات المباركة والتي منها قوله تعالى : 
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [1]

فالإيثار خلق قرآني وكما صرحت أيضًا الآيات على أن القرآن دائمًا يهدي للتي هي أقوم بقوله تعالى :
إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [2]

إذن فالإيثار هو دعوة للتي هي أقوم بمنطق القرآن , وكما جاء في التفاسير على أن معنى الأقوم هو لِلسَّبِيلِ الَّتِي هِيَ أَقْوَم مِنْ غَيْرهَا مِنْ السُّبُل , وَذَلِكَ دِين اللَّه الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَهُوَ الْإِسْلَام . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَهَذَا الْقُرْآن يَهْدِي عِبَاد اللَّه الْمُهْتَدِينَ بِهِ إِلَى قَصْد السَّبِيل الَّتِي ضَلَّ عَنْهَا سَائِر أَهْل الْمِلَل الْمُكَذِّبِينَ بِهِ . [3]

ومنها يتضح لنا قيمة الإيثار باعتبار كونه خُلقًا قرآنيًا , فمن يتخلق بخلق الإيثار يكون سائرًا على السبيل المجانب للسبيل الذي يسير عليه أهل الملل المكذبين , ويقول ابن كثير في تفسير معنى قوله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) الحشر/ 9 , يقول : أي يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك . [4]

وبعد أن اتضح أن الإيثار منهج وخلق قرآني , لا بأس أن نمر مرور الكرام على جوانب من حياة الطاهرين من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) لنستلهم منها العبر والموعظة , ونبرز حقيقتهم ودورهم الريادي في تطبيق حقائق القرآن وكيف إنهم يمثلون الفهم الحقيقي والمجسد لتعاليم وأخلاق القرآن , في الرواية التي هي أشهر من نار على علم وبطلة الإنسانية فيها والإيثار هي السيدة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) التي أكدت على أهمية أن يكون للجار حقًا علينا في السراء وفي العلن , كما يروي الإمام الحسن (عليه السلام) عن مولاتنا الزهراء (عليها السلام) أنها (قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أماه لم لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت (عليها السلام): يا بني الجار ثم الدار) [5]. 
وكذلك في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين(عليه السلام ) يقول مؤكدًا على أهمية الإيثار : “وأمّا حقّ الجار فحفظه غائبًا، وإكرامه شاهدًا، ونصرته ومعونته في الحالين معًا” .
والأهميّة بتلك الصّيغة الّتي بالغ فيها المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله : “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه”.

فهذا هو الأساس في العبادة، وهو الأسلوب القرآني الصحيح، حيث يذكر الإنسان الآخرين، وهو الإيثار وعلوّ النفس. 
الآن يحق لنا أن نطرح السؤال التالي ؟
من هو الجار ؟
وهل قيد الجار على أن يكون من مذهب معين ؟
وهل من خلال الأحاديث التي تقدمت اتضح لنا أن الجار هو فقط من يصلي معنا ويتفق معنا فيما نعتقد أم عموم الجيران ؟
لا يوجد ما يدل على أن تعامل أئمة أهل البيت وتعامل السيدة الزهراء على نوع محدد من الجيران بل هذا العطف والإيثار يشمل جميع من ينطبق عليه لفظ الجار وإن كان الجار الذي يتحدث عنه الأئمة الأطهار هو أوسع دائرة من الجار بالمفهوم العام .

فعلى كل من يعتقد في نفسه إنه من الدعاة إلى الله والسائر على طريق كتابه أن يستلهم العبر من مدرسة أئمة أهل البيت ويجانب كل الجهات التي تشرعن وتقنن لما يدعو للتناحر والتقاتل والتباغض البعيد عن روح وخلق القرآن الكريم .

……………………
[1] سورة الحشر الآية 9
[2] سورة الإسراء الآية 9
[3] تفسير الطبري
[4] عمدة التفاسير عن الحافظ ابن كثير – ج 3 صـ 486
[5] علل الشرائع: ص181 ب145 ح1.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

مشروعية ارتداء الألوان في الأفراح والأحزان

إعداد : علاء المنصوري المقدمــة :- كل شيء في عالم الوجود – بما فيه الإنسان …

تعليق واحد

  1. حيدر البابلي

    فعلى كل من يعتقد في نفسه إنه من الدعاة إلى الله والسائر على طريق كتابه أن يستلهم العبر من مدرسة أئمة أهل البيت ويجانب كل الجهات التي تشرعن وتقنن لما يدعو للتناحر والتقاتل والتباغض البعيد عن روح وخلق القرآن الكريم .

    بارك الله بك استاذ علاء جاسم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *