الرئيسية / مقالات وتحليلات / مع علم الاجتماع… خطوات نحو الاعتدال في التعامل

مع علم الاجتماع… خطوات نحو الاعتدال في التعامل

هادي الكناني

كن مطمئنًا، فإنه سيجنبك الشطط بكل معانيه ويجعلك خارج دائرة العشوائية والتخبّط، ويمنحك شخصية مثالية ناضجة متزنة، فتكون قادرًا على تحجيم أو تجميد الآثار السيئة ، فتنال بلوغ السعادة في جميع العلاقات الخاصة منها والعامة، فهذه من ميزاته إذا انتهجته في التعامل مع الناس، لعلك عرفت مقصدي، أجل: إنه الاعتدال .

إن معرفة طبيعة الحياة واستطلاع غالبيّة صفات الناس، تجعل الإنسان يفضل الاعتدال ويعتمده في التعامل في العلاقات كلها وعلى المستويات جميعها، لأنه فضيلة من الفضائل السامية، ثم إن الاعتدال يريح الإنسان ويريح الذين يتعامل معهم، فلا يعظّم الأمور ولا يتزلزل من أتفه الأشياء، بل يضع الأمور في مواضعها ويزن الأشياء بموازينها، قال الإمام علي “عليه السلام” في خطبة الوسيلة : { من عظّم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها } نهج البلاغة.

فلا وجود للسعادة بلا سماحة، ولا مجال للعلاقات الاجتماعية الطيبة بلا سماحة، والمعتدل أقدر على التسامح، لأن التسامح ميزة الإنسان السوي، فهو بالوسطية قد اعتمد رجاحة الرأي، والعقل الراجح يزين لصاحبه الاعتدال، وهكذا يزينه في أعين الناس، فبالنتيجة سيبني المعتدل حوله جدارًا مانعًا بنسبة لا يستهان بها، فترى حتى العدو والأحمق والمسيء والحاقد أقل تعرّضًا إليه من غيره، وكذلك تكون ردود أفعاله أبعد عن التهوّر وأهدأ وأكثر اعتدالًا وأقرب إلى العقل والحكمة من ردود أفعال سواه، لأنه لا يندفع في بغضه ولا يسرع في غضبه، كما لا يندفع في حبه ويعجل بالمبالغة في إعجابه، فترى السماحة ملازمة معه، فعَنَ رَسُولُ اللَّهِ “صلى الله عليه وآله وسلم” :
{ رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى } رواه البخاري وابن ماجة.

والأولى بالمعتدل في تعامله مع الناس ألّا يتفاءل بهم حد الأمل المعقود، ولا يتشاءم منهم حد الجفوة والصدود، فلا يبالغ في التعويل عليهم، ولا يصاب باليأس وينفض يديه منهم، وكما يقال: (إن العاقل خصيم نفسه) فهو ينظر بعين الاعتدال ويقيس للناس على نفسه لأنه واحد منهم، ويعلم في قرارة نفسه أن هناك من هو أفضل منه، ومن هو أسوأ منه، وهذا يجعله دائمًا يرى تلك المسافة الواقعية مع الناس أمامه وخلفه، فلا يتوقع منهم كثيرًا، ولا ييأس منهم تمامًا، فتراه عقلائي في التصرف والقرار، وهذا لا يعني أنه يكون مجرد من العاطفة، ولكنه موازن لها قد أحاطها عقله بسياج من الهدوء والوسطية والاعتدال، فلذلك ينصحنا رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” قائلًا: { أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ } رواه البخاري.

والمعتدل تراه مداومًا على الصواب ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وتراه لا يرهق نفسه مع كل طالب، ولكنه يبذل مقدار ما يمكن من دون عناء شديد، وتراه لا يتفانى في الإيثار إلّا في حالات خاصة تستحق ذلك، ويكون صريحًا واضحًا في التصريح بما يمكن تقديمه، بعيدًا عن النفخ بالوعود الجوفاء الفارغة، لأن التعامل مع الناس من دون بخل ولا إسراف هو المنهج السليم، وهو منهج الاعتدال الذي أوصانا به الله سبحانه بقوله: { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا } الإسراء الآية: 29.

وغالبًا ما تكون المجالس مرتع للتطرف، فهناك من يريد أن يستولي بحديثه على سطوة المجلس، وهناك من لا يتحدث وكأنَّ على رأسه الطير، وهناك من يحب الجدال ويندفع ويستمتع فيه، وهناك من يتفاصح ويتفاخر ويتشدّق بالكلام بغية البروز وإلفات الأنظار إليه.

لذا فالإنسان حتى لو كان صاحب علم وعقل واسع فيحسن به ألا ينفش ريشه ويفتل عضلاته بذلك فخرًا وفرحًا واعجابًا، ويتحدث وكأنه من الأئمّة ومن الوارثين، بل يعتدل في القول ويوضح ما عنده بأسهل لفظ وبإيجاز سائغ للمتلقّي ، فثمرة الحديث التبادل، وجوهر التفاهم الأخذ والرد، والجدال في المجالس وارد واختلاف وجهات النظر أمر طبيعي، وترى حتى المخطئ سيدافع عن وجهة نظره ببسالة، لأنه يظن أنه على صواب، وهنا الاعتدال يحميك ويجعلك تحتوي شرور ذلك كله، فيمنحك أفضل الدرجات.

ومن أجمل خصائص المعتدل بالتعامل مع الناس سمة العزلة والاختلاط معًا، فعادة ما نرى أكثر المتميزين والموهوبين والمفكرين يجنحون غالبًا إلى التفرد ويرغبون في العزلة، وكأنَّ الفرد منهم يذوق حلاوة الخلوة بالنفس، وجمال الهدوء والسكون، والتأمل والتفكير، وآخرين عكسهم تمامًا فلا يفضلون على الاجتماع شيئًا، وقد يصاب أحدهم بالاكتئاب لو انعزل قليلًا، غير أن الاعتدال يخرج لنا مرة أخرى ويسعفنا كعادته دائما، فالتوسط بين العزلة والاجتماع أقرب الى الراحة والسعادة، وإن كان الإنسان يميل بطبعه الى العزلة فإنه يحسن به أن يخرج من طبعه أحيانًا ويخالط الناس والمجتمعات باعتدال، لينال فائدة العزلة والاجتماع معًا، أما من كانت سجيته الاختلاط وطبعه الاجتماع، فيحسن به أيضاً أن يخفف، وأن يجرب العزلة أحياناً، حتى يشعر بما يشعر به المعتزلون، فينجح بذلك في مجارات علاقتهم اجتماعيًّا.

وختامًا أقول: كلنا نواجه في حياتنا أناسًا فاضلين، وآخرين لئامًا، فيحسن بنا أن نعتدل ونتوسّط في معاملة هذا وذاك، فلا نغلو في اعتقادنا بفضل الفاضلين، ولا نبالغ في تصورنا بشدة سوء اللؤماء، فلا خير في المبالغة لأنها تقحمنا دائمًا في ظلم طرف دون الآخر، كما أننا حين نغلو ونبالغ، سنخرج عن قاعدة الاعتدال في معاملة هؤلاء وهؤلاء، ولا أعني هنا أنهم يعاملون معاملة واحدة، ولكن القصد أن لا نبالغ في مجافاة أولئك اللؤماء وإلصاق كل شر بهم ومعاملتهم على ذلك الأساس، وخير تصرّف نقوم به هو البعد عنهم نسبيًا، ولا نعامل أولئك الفضلاء وكأنهم ملائكة منزلين منزهين من الزلل والخطل، بل نحترمهم بصدق ونعجب بهم وننصفهم في القول، ولا نبخس حقهم في التقييم، دون أن نتطرف في هذا وذاك.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

مشروعية ارتداء الألوان في الأفراح والأحزان

إعداد : علاء المنصوري المقدمــة :- كل شيء في عالم الوجود – بما فيه الإنسان …

7 تعليقات

  1. حيدر السلطاني

    فلا وجود للسعادة بلا سماحة، ولا مجال للعلاقات الاجتماعية الطيبة بلا سماحة، والمعتدل أقدر على التسامح، لأن التسامح ميزة الإنسان السوي، فهو بالوسطية قد اعتمد رجاحة الرأي، والعقل الراجح يزين لصاحبه الاعتدال، وهكذا يزينه في أعين الناس، فبالنتيجة سيبني المعتدل حوله جدارًا مانعًا بنسبة لا يستهان بها، فترى حتى العدو والأحمق والمسيء والحاقد أقل تعرّضًا إليه من غيره، وكذلك تكون ردود أفعاله أبعد عن التهوّر وأهدأ وأكثر اعتدالًا وأقرب إلى العقل والحكمة من ردود أفعال سواه، لأنه لا يندفع في بغضه ولا يسرع في غضبه، كما لا يندفع في حبه ويعجل بالمبالغة في إعجابه، فترى السماحة ملازمة معه، فعَنَ رَسُولُ اللَّهِ “صلى الله عليه وآله وسلم” :
    { رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى } رواه البخاري وابن ماجة

    مقال أكثر من رائع جناب الاستاذ الفاضل (هادي الكناني) بوركت وبورك نزف قلمك المعطااااء.

  2. احمد الجيزاني

    وفقت للمزيد ان شاء الله

  3. موضوع اكثر من رائع احسنت

  4. عسكر العراقي

    ان سماحة المرجع العراقي محمود الصرخي جمعنا على اساس المحبة ومساعدة بعضنا لبعض .. بعيدا ً عن العداوة والبغضاء والأحقاد .. ولينمي لدينا ثقافة الوعي والرشاد وليبث فينا روح وحدة الصف الإسلامي بمذاهبه الشريفة وليذكرنا بإحترام الإسلام لسائر الأديان السماوية . ولننبذ الطائفية المقيتة والفرقة و التكفير

  5. جيد وممتاز استاذ هادي لامجال للعيش باستقرار واذاقة طعم الامان الا برحابة الصدور ونبذ الفسوق والقرب من العزيز الجبار فبمشيته وقدرته وبتغييرنا لانفسنا سيزول التشاحن والتباغض

  6. احمد ابراهيم

    السلام على الخُلق الرفيع والإباء، سيدتنا الزهراء
    ………………………………….
    السلام على بضعة الرسول، السلام على الزهراء البتول، السلام على الزكية المَرْضيّة، السلام على الحوراء الإنسية، السلام على فاطمة خير النساء، السلام على الخُلق الرفيع والإباء، السلام على أصل الشجرة الطيبة التي هي ثابتة في الأرض وفرعها في السماء، السلام على سيدتنا ومولاتنا الزهراء، السلام عليكِ مولاتي يوم ولدتِ ويوم استشهدتِ ويوم تبعثين حية مع الشهداء، فقدكِ قد أفجع أهل الأرض وأحزن الأكوان، وتلبّدت السماء حينئذٍ بغيوم الأكدار وعلى مرّ الأزمان، مولاتي الزهراء نعزي بفقدكِ الرسول المفجوع بكِ في كلّ زمان، وآله الأطهار وصحبه المنتجبين الكرام والأمة الإسلامية جمعاء وفي مقدمتها ابنها البارّ المحقق المغوار الأستاذ الصرخي قاصم ظهر مارقة هذا الزمان.
    3 جمادى الآخرة ذكرى استشهاد السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام)
    https://www.gulf-up.com/02-2018/1518791966381.jpg

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *