الرئيسية / بحوث ودراسات / مبدأ اللاعنف وفق المنهج الوسطي 

مبدأ اللاعنف وفق المنهج الوسطي 

مبدأ اللاعنف وفق المنهج الوسطي 

 

 

إعداد

حيدر السلطاني

 

 

 

المقدمة

    يعتبر مبدأ اللاعنف من المبادئ الكفيلة في حفظ الأسرة والمجتمع من كل الكوارث والمطبات الاجتماعية التي تجعل المجتمع ينزلق إلى مهاوي عميقة ناتجة عن ممارسة سلوكيات العنف وبالتحديد العنف المجتمعي الذي انتجه الفكر المتطرف المارق , نتناول في هذا البحث (اللاعنف) في محاولة لإيجاد بديل ناجح ومتميز عن حالة العنف, والحقيقة أن العنف من حيث أضراره على الضحايا في كل قواميس اللغات والحضارات والمجتمعات واحد ولا نحتاج إلى أن نعرفه تعريفًا لغويًا أو اصطلاحيًا لمن اكتوى بناره , فهو عنف تعدى حدود اللفظ والمصطلح وتقسيم أنواعه ووصل إلى مستوى تصفية مجتمعات بالكامل وتهديم مدن على ساكنيها لمجرد الاختلاف في الفكر والعقيدة , ويغايره اللاعنف حيث اللين والألفة والتسامح والإحساس بالآخر في السلوك والمعاملة في البيت والشارع والعمل و أخذت ظاهرة العنف المجتمعي بازدياد في السنوات الأخيرة في مجتمعنا وأصبحت تؤرق الجميع وتهدد السلم الاجتماعي الذي يعتبر الأساس في حالة الاستقرار لجميع مكونات المجتمع ابتداءً من الأسرة وانتهاءً بالمجتمع والدولة ويتألف البحث من ثلاث نقاط وخاتمة .

 

أولًا: تعريف اللاعنف

    في المقدمة أحاول أن أجد تعريفًا لمبدأ اللاعنف بشكل يقرب هذا المعنى للذهن وأعتقد لا يوجد تعريف لهذا المبدأ بدون الإشارة إلى نقيضه (العنف) فقد عرف العنف بأنه: (الغلظة والفظاظة في الأقوال أو الحركات ) .(1)
كما عرف بأنه: الانتهاك لممتلكات الآخرين والتعدي على أرزاقهم وحرياتهم).(2)
    وهذان التعريفان يمثلان الوجه المعنوي والأخلاقي للعنف، أما الوجه السياسي للعنف فقد عرف بأنه (استخدام للقوة بهدف الاستيلاء على السلطة أو الانعطاف بها نحو أهداف غير مشروعة)(3) والسلطة هنا ممكن حملها على(سلطة سياسية ,سلطة دينية ,سلطة اجتماعية).
    من خلال ما تقدم من تعريفات للعنف نستطيع القول بأن الصورة – صورة اللاعنف – قد اتضحت معالمها في كونها صورة من الروعة بحيث لا تمت إلى القوة والعنف بصلة، وهي أقرب ما تكون إلى الرأفة والرقة واللين والتسامح وما إلى ذلك ومن خلال هذه الصورة يمكن تعريف مبدأ اللاعنف بأنّه: وسيلة من وسائل العمل السياسي والاجتماعي تستبعد القوة في الوصول إلى أهدافها وتفتقد التعدي على حقوق الآخرين وتقوم على أساس الاعتراف بالآخر.(4)
ويقسم اللاعنف على هذا الأساس الى ثلاث أقسام:
العنف السياسي
العنف الديني
العنف الاجتماعي

ثانيًا : اللاعنف في القرآن الكريم والسنة 

1ـ الآيات الدالة على اللاعنف كثيرة جدًا وسوف نقتصر على آية واحدة  فلسنا في مقام التتبع لكل الآيات والروايات الدالة على هذا المبدأ السامي فهي كثيرة جدًا والمقام يطول بنا عند ذكرها تفصيلًا.
أـ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).(5)
جاء في تفسيرها في تفسير ابن كثير (يقول تعالى : ” لا إكراه في الدين “ أي : لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحدًا على الدخول فيه ، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة ، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا) .(6)

2ـ الروايات الدالة على اللاعنف في السنة المطهرة ونكتفي بروايتين فقط للدلالة على أن هذا المبدأ محل اهتمام بالغ عند قادات الإسلام ويحظى بأهمية قصوى :
أ ـ ورد في شرح صحيح البخاري للعسقلاني: عن النبي محمد “صلى الله عليه وآله” إنه قال لأم المؤمنين عائشة “رضي الله عنها “:(يا عائشةُ إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ، ويُعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العنفِ، وما لا يُعطِي على ما سواه).(7)
ب ـ يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب “عليه السلام” في إحدى وصاياه لعامله على مصر: (إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإن ليس شيء أدعى لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها… والله سبحانه وتعالى مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء في يوم القيامة… فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله.(8)    

 

ثالثًا: مخالفة التكفيريين المارقة للقرآن والسنة

    إن النتائج التي قد تعكسها حالة العنف المجتمعي في حال تطورها وانتشارها هي كارثية وخطيرة على المجتمع والدولة لذلك فان هذا الأمر يتطلب الاهتمام في حلول تأخذ على عاتقها إصلاح الخلل الاجتماعي الذي نشأ من خلال استباحة المدن من بعض الجماعات الإرهابية من التكفيريين التي عزفت على أوتار الطائفية البغيضة , أمثال أتباع المنهج التكفيري التيمي الداعشي فهذا المنهج يعتبر عائقًا كبيرًا في أي تواصل وتلاقي في الأفكار بين المسلمين وهو الأصل في أي تقاطعات وتجاذبات وتطرف يحصل في أي بلد من البلدان الإسلامية التي فيها تنوع مذهبي فيؤسس للقتل والتفجير وإباحة دم المسلم فقط لاختلاف في أحكام فقهية أو معتقدات مذهبية يعتقد كل مذهب بصحتها وفق ما توصل إليه من أدلة ولو التزم المسلمون بالشهادتين لكانت كافية لحرمة المسلم دون الحاجة لتأويل الأفعال على أنها شرك وكفر وعبادة لغير الله فيباح الدم على أساس ذلك التأويل التيمي الداعشي التكفيري.

    وفي هذا المقام يؤكد أحد أعمدة الاعتدال والوسطية المحقق الصرخي في بحث (وقفات مع… توحيد ابن تيمية الجسمي الأسطوري ) بقوله: إن الفكر التيمي سبب لكل النزاعات والصراعات” وقال: ” ماذا فعل المشركون بالنبي وأصحاب النبي في صدر الإسلام في مكة؟ فهل فجّر النبي وأصحاب النبي أنفسهم بين مشركي مكة؟!! وهل فخخوا البيت الحرام والبيوتات والأسواق وحرقوا الأجساد؟! )(9) وقال في محاضرة أخرى: (أليست المدينة فضلًا عن غيرها من مدن ممتلئة بالمنافقين وممن مرد على النفاق أفليس مثل هؤلاء يجب أن نخاف شرّهم، فهل قتلهم رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلّم” أو أحد الخلفاء “رضي الله عنهم” لمجرد أنّهم خافوا شرورَهم؟!! لا يوجد من يشرعن ذلك ويبيحُه إلّا الفكر التكفيريّ الداعشيّ المتأصّل من ابن تيمية وأئمّتِه السابقين” .(10)
    لذلك علينا ابتداء الاعتراف بالمشكلة باعتبارها نصف الحل ومن ثم البحث في الأسباب لإيجاد الحلول الممكنة بوضع خارطة طريق حقيقية تتضمن حلولًا سريعة أهمها أن تكون ناتجة ونابعة من مبدأ اللاعنف وفق المنهج الوسطي القائم على ركائز( الحوار, والتمدن الأخلاقي الإسلامي ورفض التكفير ) واليوم يوجد الكثير من الأبحاث والدراسات التي قدمها مختصون وفروا علينا عناء البحث عن الأسباب والحلول وقدموها لنا وصفات جاهزة للعمل والتنفيذ فورًا، وانتهاج مبدأ اللاعنف كطريقة حياة تليق بكرامة الإنسان وقيم الإسلام النبيلة.(11)
    إن المنهج الوسطي الذي لا يفرط في الحقوق، وفقًا لمبدأ (لا إفراط ولا تفريط)، تطرح أفكاره رؤية واضحة نحو التمسك بالعقيدة والمبدأ، ولا تعني الوسطية والاعتدال تنازلًا عن الحق والحقوق المدنية أو سواها، بل من الشجاعة أن يتمسك الإنسان بعقيدته، وفي الوقت نفسه يبتعد عن التطرف والتعصب، وعليه أن يتّجه نحو الصواب دائمًا حتى لو تطلب الأمر قدرًا من الشجاعة المطلوبة.

الخاتمة

    لقد لاحظنا من خلال سياق البحث وخصوصًا الشواهد القرآنية والحديثية وتفسيرها على رأي من استشهدنا به من مفسرين ومحققين وشرحهم لمبدأ اللاعنف وفق المنظور القرآني والروائي نخلص الى نتيجة مهمة جدًا وعلى النحو التالي:
1. إن الـتأريخ الإسلامي والإنساني خلد شواهد وأمثلة راقية جدًا لمن جسد مبدأ اللاعنف عقيدًة ومبدأ وعلى رأسهم وفي مقدمتهم النبي محمد ” صلى الله عليه وآله وسلم” وآل البيت النبوي” عليهم السلام “وصحابته الأخيار “رضوان الله عليهم”  .
2. العنف الذي نتج عن ممارسات وسلوكيات المنهج المارق مغاير ومخالف وبعيد جدًا عن المنهج الإسلامي الذي سار عليه النبي محمد “صلى الله عليه وآله وسلم ” وخط أل البيت النبوي “عليهم السلام” وخط الصحابة “رضوان الله عليهم “.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1. محمد مهدي النراقي، جامع السعادات،ط3، منشورات جامعة النجف الدينية، العراق،1283هـ، 1/302 .
2. د. عبد الوهاب الكيالي، الموسوعة السياسية، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1987م، 4/256.
3. د. عبد الوهاب الكيالي، الموسوعة السياسية، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1987م، 4/256.
4. حيدر البصري ,اللاعنف مدخل الى المفاهيم والرؤى, مجلة النبأ العدد 54( شباط 2001).
5. سورة البقرة الآية: 256.
6. تفسير ابن كثير،المصحف الإلكتروني، جامعة الملك سعود .
7. فتح الباري شرح صحيح البخاري،أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الريان للتراث، سنة النشر 1986م ، ج 1، ص464، المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب.
8. نهج البلاغة، شرح محمد عبده.
9. الصرخي، محمود الحسني، بحث (وقفات مع…. توحيد ابن تيمية الجسمي الأسطوري  المحاضرة (10).
10. مصدر سابق، المحاضرة(21).
11. مركز المنهج الوسطي للتوعية الفكرية: مخاطر التطرّف و الإرهاب وطرق معالجتها , الدكتورة مريم البدري,مقال منشور في فبراير 2018 .

والمنهج الوسطي شعار وتطبيق (3-3) , الأستاذعبد الرحمن الفراتي , مقال منشور مارس 2018.

ودور الوسطية والاعتدال في تقويض التطرف ,بحث , المهندس حسين الخفاجي منشور في مارس 2018)..

110 تعليقات

  1. عدنان العلي

    لو اعتمد المجتمع الوسطية والاعتدال في كل تصرفاته وسلوكياتيه لعاش الجميع برفاهية وسلام

  2. المهندس موسى الحسناوي

    فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله…..سلام الله عليك يا علي اين انت لترى كيف تربعت قوى الشر وهي تلبس سرابيل التشيع على مقدرات هذا البلد وتلطخت ايديهم بدماء اطفاله وشيوخه ونسائه وكيف احرقوا جثث الشباب وسحلوها في الشوارع .اين الذين يدعون الولاية لعلي فهل يرضى بافعالكم علي …..تحياتي لكاتب المقال احسنت موضوع راقي

    • حيدر السلطاني

      شكرا لمرورك وكلماتك القيمة اخي المهندس موسى الحسناوي…مودتي وأمتناني

  3. احمد ابراهيم

    وفقكم الله لكل خير

  4. ابو مصطفى الشامي

    وفقكم الله لكل خير..بحث راقي في الدلائل الواضحة المعنى.

  5. عبد المجيد الطائي

    بحث راقي جدير بالقراءة والمتابعة لانه يمس بالصميم الواقع الاجتماعي والفكري للانسان