الرئيسية / مقالات وتحليلات / لجج وآفاق في الاعتدال بالإنفاق

لجج وآفاق في الاعتدال بالإنفاق

هادي الكناني

عندما نبحث عن أبلغ أساليب الطرح وأجملها صياغةً وأروعها تصويرًا في الدعوة إلى الاعتدال في الإنفاق، نجد أن القرآن الكريم عمد ذلك النهج، لأجل التحذير والتنفير من البخل والتقتير والإسراف والتبذير في آن واحد، ليجعل من الاقتصاد في النفقة والصرف خُلقًا دينيًا أصيلًا في سجايا شخصية الفرد المسلم.
وهذا الخلق يتدخل في جميع أعمال الإنسان، ويتحقق الاعتدال في الإنفاق حينما يضع المرء النفقة المناسبة في المكان المناسب من دون إسراف أو بخل، ومن أمثلة تقسيمات هذا المعنى هو الإنفاق في المال، وهو من صفات العباد الصالحين الذين خصّهم الله تعالى بالمدح، ووضع لهم ضابطة القوام والوسطيّة قائلًا: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان الآية: 67
فمن الضروري وضع قواعد للإنفاق؛ لأن في الإسراف مفسدة للمال وللنفس وللمجتمع، وكذلك الوضع في التقتير ففيه حبس للمال وتجميده عن وظيفته التي خلقها الله لها، فغلّ اليد عن النفقة وعن السرف والتبذير لأن كليهما يسبب خللًا في النظام الاقتصادي العام، وجاء أصل هذا الأساس من القرآن الكريم بقوله عز وجل: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) الإسراء: الآية: 26 ـ 27•
فالكل محاسَب على هذا المال، إذ قال النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” : (لن تزولا قدما عبدٍ يومَ القيامة حتَّى يُسأل عن أربع: عن عمرِه فيم أفناه، وعن شبابِه فيم أبلاه، وعن مالِه من أين اكتسبَهُ وفيم أنفقَهُ، وعن علمِه ماذا فعل به) رواه التِّرمذي
فإذًا ما أُنفق من مال هدرًا فهو في غير محلِّه وأُثِمَ صاحبه، وما حبس منه أُثم أيضًا، وما أنفق في وجهٍ من وجوه الخير أُجِر على ذلك صاحبه. وما حثّت السنّة النبوية على الاقتصاد في النفقة إلّا لحفظ ماء وجه المؤمن وصيانة كرامته، فقال النبي “صلى الله عليه وآله وسلم”: (الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة) [رواه الطبراني]. لأن الاقتصاد في النفقة يجنبك الفقر ويغنيك عن الحاجة إلى معيل لقوله “صلى الله عليه وآله وسلم”: (ما عال من اقتصد) رواه أحمد.
أي ما افتقر من اعتدل في إنفاقه، ومن أسرف فإن إسرافه سيقوده إلى الفقر وسؤال الناس، ويكون عالة على غيره.

وعرّج الفخر الرازي على هذا الخصوص قائلًا: ( لكل خلق طرفان: إفراط وتفريط وهما مذمومان فالتقتير إفراط في الإمساك، والإسراف إفراط في الإنفاق، وهما مذمومان، والخلق الفاضل هو العدل والوسط) [التفسير الكبير ص 156].
بمعنى أن موضع التوسط والاعتدال يقع بين الحد الأقصى الذي فوقه يكون الإسراف والتبذير، وبين الحد الأدنى للإنفاق الذي دونه يكون الإمساك والتقتير.
ونخلص من الأدلة أعلاه أن الإسلام وضع كل مستويات الاستهلاك حسب سعة كل مستهلك، ولكن في إطار عدم التجاوز، آخذًا بنظر الاعتبار المرونة في ذلك، لأجل إشباع الرغبات المحدودة صعودًا ونزولًا، وعمد لوضع أساس في البعد التربوي لهذا النظام، وهو الحد من جماح النفس الشرهة المسرفة وكذلك كبح هوى النفس الشحيحة المقترة، وهذا ما يجب أن يتربى عليه المجتمع، سواء على مستوى الإنفاق الفردي الخاص أو الإنفاق الأسري الأوسع أو الإنفاق المجتمعي الأعم .

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

عجز الإلحاد من اختراق حصن مجالس الشور

الأستاذ / علاء المنصوري قد يستغرب الكثير من هذا العنوان الذي توجنا به مقالنا ، …

2 تعليقان

  1. حيدر السلطاني

    أن الإسلام وضع كل مستويات الاستهلاك حسب سعة كل مستهلك، ولكن في إطار عدم التجاوز، آخذًا بنظر الاعتبار المرونة في ذلك، لأجل إشباع الرغبات المحدودة صعودًا ونزولًا، وعمد لوضع أساس في البعد التربوي لهذا النظام، وهو الحد من جماح النفس الشرهة المسرفة وكذلك كبح هوى النفس الشحيحة المقترة، وهذا ما يجب أن يتربى عليه المجتمع، سواء على مستوى الإنفاق الفردي الخاص أو الإنفاق الأسري الأوسع أو الإنفاق المجتمعي الأعم .

    احسنت القول أستاذ هادي الكناني .

  2. حيدر السلطاني

    أن الإسلام وضع كل مستويات الاستهلاك حسب سعة كل مستهلك، ولكن في إطار عدم التجاوز، آخذًا بنظر الاعتبار المرونة في ذلك، لأجل إشباع الرغبات المحدودة صعودًا ونزولًا، وعمد لوضع أساس في البعد التربوي لهذا النظام، وهو الحد من جماح النفس الشرهة المسرفة وكذلك كبح هوى النفس الشحيحة المقترة، وهذا ما يجب أن يتربى عليه المجتمع، سواء على مستوى الإنفاق الفردي الخاص أو الإنفاق الأسري الأوسع أو الإنفاق المجتمعي الأعم .

    احسنت القول أستاذ هادي الكناني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *