الرئيسية / مقالات وتحليلات / سلوك النمل وأخلاق الدواعش

سلوك النمل وأخلاق الدواعش

علاء المنصوري البصري

الوسطية تخلق جوًا من السكينة والطمأنينة والدعوة إلى الحوار وذلك لأن من الأسباب الرئيسة في تأريخنا وحاضرنا أن كل جماعة يعتقدون في أنفسهم امتلاك الحقيقة دون سواهم, ومع هذا لا يحق لنا أن ننكر أن التاريخ الإسلامي مر بمراحل مريرة نتيجة سطوة وسيطرة المتطرفين ممن يعتقدون أنهم قد امتلكوا الحقيقة, وعلى ضوئها انتهجوا لغة الإقصاء والتلذذ بسفك الدماء حتى وإن كان الضحايا المعذبون من الأبرياء, وفي الوقت ذاته ينبغي علينا أن لا ننكر أن التطرف تسرب وبشكل ملحوظ في الوقت الحالي في صفوف الجماعات ذات الفكر المتشدد والمتشنج, ولكن تختلف جرعة داء التطرف بين جماعة وأخرى, إلّا أن الخطر يبقى قائمًا يهدد أمن المجتمعات على الدوام, وبذور وجذور ذلك الداء دعاوى تكفير المسلمين والتشكيك في إسلام أبناء المذاهب!

والمتيقن أن التطرف ما تسرب إلى أمة إلّا وأهلكها, وأفشل كل مهامها في التقدم ويضطرها إلى أن تعلن فشلها في الوصول إلى غايتها, ومن ثم تتحول إلى هوة من مهاوي اليأس بعد أن كانت بارقة من بوارق الأمل, والمشكلة من تكون عنده الصورة ضبابية نراه لا يفرق بين التدين والتطرف, وهو بطبيعة الحال لا يفرق بين التهتك وبين الاعتدال.

و لا ينطلق المنهج الوسطي على امتداد التأريخ في أعماله من رؤية جزئية لبعض القضايا الإسلامية , أو كما يتخندق المتطرفون بعد أن يحبسوا أنفسهم في اجتهادات قاصرة, وتراهم يعطلون روح الشريعة السمحاء بفكر انعزالي ضيق فظ غليظ تكون الحياة معه مكفهرة ضنكا!

والصحيح هو أن نتجرد ولو مؤقتًا من المواقف المسبقة التي كلفتنا كثيرا من الأرواح من جميع المسلمين, وأن نجعل الحوار بيننا نزهة للعقل وسياحة للفكر, ومن قبل كل هذا علينا أن نحسن الظن بالطرف الآخر, ونحمله على سبعين محملًا وتأويلًا كما علمنا بذلك أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .

فقد روى ابن عساكر في تاريخه عن محمد بن سيرين رحمه الله قال: (إذا بلغكَ عن أخيكَ شيءٌ فالتمسْ له عذرًا، فإنْ لم تجدْ له عذرًا فقلْ: لعل له عذرٌ).

ولما رأتْ نملةٌ سليمان عليه السلام وجنده، خشيت أن يداس بأقدامهم النمل، نجدها التمست لهم العذر قال تعالى: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) النمل الآية:(18) بمعنى لو داسكم سليمان وجندُه فحطَّموكم، فإنهم لم يفعلوا ذلك عمدًا، وإنما هم لا يشعرون بوجودكم، وإلّا ما تسببوا لكم الأذى!!! فهذا درس عظيم وبليغ علينا أن نستلهم منه العظة والعبرة وأن نخلق الأعذار تلو الأعذار حتى وأن صدر من المقابل الخطأ, لا أن نرد الإساءة بالإساءة، هذا هو منطق الوسطية والاعتدال وأما منطق الدواعش الخوارج وأئمتهم المارقة فهو منطق سفك الدماء وانتهاك الأعراض حتى مع أقرب الناس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، إنّهم يقتلون أبناء الصحابة ونساءهم كما ذكر ذلك ابن الأثير:(قيل: لما أقبلت الخارجة من البصرة حتى دنت من النهروان رأى عصابة منهم رجلًا يسوق بامرأة على حمار، فدعوه فانتهروه فأفزعوه وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله “صلّى الله عليه وآله وسلّم” فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم قالوا: لا روع عليك، حدّثنا عن أبيك حديثًا سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تنفعنا به فقال: حدّثني أبي عن رسول الله “صلّى الله عليه وآله وسلّم” أنه قال: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسي فيها مؤمنًا ويصبح كافرًا ويصبح كافرًا ويمسي مؤمنًا.

قالوا: لهذا الحديث سألناك فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرًا، قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقًا في أولها وفي آخرها، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيًا على دينه وأنفذ بصيرة.

فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلةً ما قتلناها أحدًا فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته، وهي حبلى متم، حتى نزلوا تحت نخل مواقير فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدهم فتركها في فيه فقال آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن، فألقاها ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض فلقى صاحب الخنزير فأرضاه، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم من بأس، إني مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثًا، ولقد آمنتموني قلتم: لا روع عليك فأضجعوه فذبحوه، فسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية) الكامل في التاريخ:3/341

هذه هي أخلاق الدواعش والخوارج من قبل ومن بعد يحاسبون أنفسهم والآخرين على أكل التمرة التي تسقط من النخلة وفي الوقت ذاته ينتهكون حرمة دم المسلم بدم بارد!!! لذا علينا أن ننتبه لمنهج هؤلاء المارقة وأئمتهم ولنتمسك بمنهج رسول الله وصحابته وأهل بيته فلنتمسك بمنهج الوسطية لا إفراط ولا تفريط.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *