الرئيسية / مقالات وتحليلات / حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد وجواز التعبد بالمذاهب 

حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد وجواز التعبد بالمذاهب 

علاء المنصوري البصري

يسعى المعتدلون دائمًا إلى خلق مجتمع تسوده المحبة, ولا يخفى على العقلاء أن مؤونة خلق مجتمع من هذا القبيل ليست أكثر من التحلي بالمسامحة والمصالحة والعفو بين أبناء الطوائف الإسلامية بمختلف مشاربهم, وأن لا ترد الإساءة بمثلها, مع الاحترام المتبادل لذوات ورموز الجميع, وأن تحفظ كرامة الجميع وأن لا يخذل أحدهم الآخر, وأن يترفع عن احتقار المسلم فضلًا عن ظلمه وخذلانه لأن للمسلم على المسلم حرمة دمه وماله وعرضه لذا ينبغي عليه أن يحرص جاهدًا على حفظها وصيانتها , كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِن الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ). أخرجه أحمد 2/277، الحديث رقم 7713

وهذا الحديث الشريف وغيره من الأحاديث النبوية والتأكيدات القرآنية ووصايا أئمة أهل البيت “عليهم السلام” تؤكد لنا وتعزز عندنا قيمة حرمة المسلم بغض الطرف عن كونه من هذا المذهب أو ذاك، ما دامت المذاهب ترفع شعار الإسلام، شعار لا إله الا الله محمد رسول الله, فهذا الشعار بحد ذاته عاصم للدم والمال والعرض, وقد أكدت على ذلك كثير من الأحاديث الشريفة منها ما جاء عن ابن عمر “رضي الله تعالى عنهما” أن “رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم” قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله تعالى) رواه البخاري ومسلم .

أنظر أخي المسلم من فوائد هذه الأحاديث أنها حجة صارخة على كل من ينكر أن للمسلم ومن يتشهد الشهادتين حرمة, فللمسلم حرمة ثابتة عقًلا وشرعًا وأخلاقًا ومن يتجرأ على انتهاكها ويَقدم على قتل أخيه المسلم, يُعد من المنتهكين لتشريعات السماء التي وصلت إلينا عن طريق خاتم الأنبياء النبي محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” الذي هو بنص القرآن الكريم: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم الآية 3-4.

وما دام المسلمون على مختلف انتماءاتهم للمذاهب متحققًا عندهم الشعار العاصم للدم والمال والعرض فيكون المبرر لقتلهم من باب “السالبة بانتفاء الموضوع” كما يعبر أهل العلم, لأن الموضوع غير متحقق عند أحد من المسلمين ما دامت المذاهب المتناحرة شعارها النطق بالشهادتين, لذا علينا أن نتعاون على البر والتقوى ونخلق مجتمعًا متراحمًا تسوده المحبة والإخاء يضطر المتطرفون فيه من الدواعش المارقة إلى أن يتوقفوا عن مهزلة الاعتداء على حرمة أحد, ونكون قد وضعنا حدًا فاصلًا للحد من شياع التقاتل والاقتتال والتناحر على أبسط الخلافات الجزئية التي توجد أضعافها المضاعفة في كل مذهب من المذاهب. بل حتى تعدد المذاهب لا محذور فيه حيث صرحت اللجنة الدائمة للفتوى على أنه لا يصح أن يقيد الاتباع بالمذاهب الأربعة وذلك بقولهم: “ومن قال بحصر التقليد في المذاهب الأربعة المشهورة فهو مخطئ أيضًا قد ضيق واسعًا بغير دليل” فتاوى اللجنة 5/41. وجاء أيضًا في جواب المشرف العام لموقع الإسلام سؤال وجواب للشيخ محمد صالح المنجد معرضًا بأحد المذاهب الأربعة وبالتحديد المذهب الحنفي قائلًا: “ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله قد يكون أكثر المذاهب انتشارًا بين المسلمين، ولعل من أسباب ذلك تبني الخلفاء العثمانيين لهذا المذهب، وقد حكموا البلاد الإسلامية أكثر من ستة قرون، ولا يعني ذلك أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله هو أصح المذاهب أو أن كل ما فيه من اجتهادات فهو صواب، بل هو كغيره من المذاهب فيه الصواب والخطأ، والواجب على المؤمن اتباع الحق والصواب بقطع النظر عن قائله”

انتبه أيها القارئ الكريم.. إلى كلام الشيخ المشرف العام المنجد – فهو كلام لا لبس فيه إلى أن المذاهب الأربعة فيها الصواب والخطأ, ومع هذا يجوز التعبد بهذه المذاهب وفي الوقت ذاته يشنعون على أتباع مذهب الإمام الصادق “عليه السلام” ويحلون دماءهم ويتقربون إلى الله بترويعهم, على أبسط المسائل الجزئية التي يختلفون بها مع باقي المذاهب, فما هكذا تورد الإبل!
فكما يقال حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد ؛ إذًا صح اتباع المذاهب على الرغم من اعترافكم بكونها لا تخلو من الخطأ والصواب, فلا يحق لكم أن تخرجوا وتحكموا على المذاهب الإسلامية الأخرى بالكفر والزندقة والضلال ومن ثم تصدر الفتاوى بجواز محاربتهم وقتالهم .

لذا نوجه دعوة خالصة ملؤها المحبة والإخاء والتسامح مع مد يد الصفح والعفو والسلم , ولنتذكر دعوة المعتدلين من رجال الدين ومنها الدعوة الصادقة التي جاءت في بيان بعنوان “وحدة المسلمين في نصرة الدين” للمرجع المحقق الصرخي الحسني حيث يقول فيه مخاطبًا جميع المسلمين قائلًا: (نمد إليكم يد الإخاء والمحبة والسلام والوئام يد الرحمة والعطاء يد الصدق والأخلاق الإسلامية الرسالية الإنسانية السمحاء …. فهل ترضون بهذه اليد أو تقطعونها … والله والله والله حتى لو قطعتموها سنمد لكم الأخرى والأخرى والأخرى)

هذه بحد ذاتها دعوة كان الجدير بنا جميعًا أن نستثمرها ونفعلها لكي نخلق مجتمعًا يعيش على التسامح والمحبة, لنحكم بيننا لغة العقل ونحكم بيننا القرآن الكريم والسنة النبوية ودعوة الصالحين الهادية إلى عدم الضلالة والفرقة والتشرذم, إضافة للأحاديث النبوية الشريفة التي تحرص على رعاية الفرد المسلم وعدم الحاق الأذى به ومنها ما جاء عن النبي محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” في حديث جابر “رضى الله عنه” قال: نهى رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” أن يُتعاطى السيف مسلولًا. رواه الترمذي.
وكذلك ورد أن رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” أتى على قوم يتبادلون فحص سيف مسلول، فقال: (لعن الله من فعل هذا، أو ليس قد نهيت عن هذا؟!) ثم قال: (إذا سل أحدكم سيفه فنظر إليه فأراد أن يناوله أخاه فليغمده ثم يناوله إياه) رواه أحمد.

وهذا كله من باب الاحتياط، حتى لا يؤدي ذلك إلى إصابة أحد أو جرحه وإلحاق الضرر به! فيا ترى لما لا نرجع إلى هذا الخلق العظيم الذي يحفظ دماءنا ويعصم حرمتنا ويصون أعراضنا؟ لماذا هجرنا هذه الأخلاق النبوية وتشبثنا بسلوك الوحوش الكاسرة؟!
لماذا تركنا خلق النبي ورسالته السمحاء العطوفة وشرعنا منهج القتل والتهتك الذي هو خلق الدواعش المارقة, ما دخلوا قرية الإ وأفسدوها؟!! فيا دواعش الفكر ويا مارقة ليكن الحكم بين حرمة المسلمين وبينكم كتاب الله وسنة نبيه “صلى الله عليه وآله وسلم” يا ترى هل يحل لكم قتل المسلمين وترويع الآمنين, وفي السنة الصحيحة نهى النبي حتى عن ترويع المسلم فضلًا عن قتله كما روى أحد أصحاب الرسول محمد “صلى الله عليه وآله وسلّم”: أنهم كانوا يسيرون مع النبي “صلى الله عليه وآله وسّلم” فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” : (لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا )

فالنبي ينهي عن ترويع المسلم حتى بالمزاح , وأنتم تقتلون وتحرقون حتى من ينطق بالشهادتين!!! ما أجرأكم على الله عز وجل يا مارقة وما أجرأكم على نبيه نبي الرحمة والرأفة يا دواعش وأنتم تتوعدون الجميع بالقتل بلا رحمة ولا رأفة حيث قطع الرؤوس وحرق الأجساد!! فعن أي دين تتحدثون؟ وعن أي أخلاق تتكلمون؟!!

فالدين والأخلاق مع الوسطية والاعتدال ومع من يُذكّر الناس بخلق النبي وأهل بيته “عليهم الصلاة والسلام” الداعي إلى عصمة المسلم بغض الطرف عن كونه من أتباع هذا المذهب أو ذاك , فنذكر ولعل الذكرى تنفع من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وندعو إلى الرجوع لكتاب الله وسنة نبيه “صلى الله عليه وآله وسلم” لنعيد للإنسانية عامة وللمسلمين خاصة عصمة وحرمة دمائهم التي انتهكها سفاكو الدماء ومروعو الآمنين من المارقة والدواعش .

 
 
 

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الوسطية مرجعية حضارية عابرة للقومية مرتكزة على القيم الإنسانية

إعداد // حيدر السلطاني الوسطية أحد أبرز عنوانات الرسالة الإسلامية الخالدة وهي قطعًا وبلا ريب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *