الرئيسية / مقالات وتحليلات / تمزيق فرو التطرف وذهول المتطرفين ! 

تمزيق فرو التطرف وذهول المتطرفين ! 

علاء جاسم المنصوري

كما هو معلوم أن الدين الإسلامي تكفل بوضع الحلول لجميع المشكلات التي يمكن أن يواجهها الإنسان خلال حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية , وكما لا يخفى أيضًا أن هذه الحلول لا تلاقي قبولًا واستحسانًا من الجميع , والمشكلة تتعقد أكثر فيما لو كانت هذه الحلول والمعالجات تسحب البساط من تحت أقدامهم , وهم ممن يعتاش على سياسات خاصة تسعى لتمرير المشاريع والبحث عن منابع التطرف والإرهاب حتى وإن كانت على حساب الإنسانية , فالغاية عندهم مصالحهم الضيقة ولا يهمهم تبعاتها على الآخرين , لذا تجد أن أصحاب المشاريع الإسلامية الرسالية دائمًا ما يكونوا عرضة للتهميش والإقصاء والتضييع والتغييب وحتى القتل والتمثيل لهم ولأتباعهم , وهذا مما لا يحتاج إلى دليل فالشواهد لا عد لها ولا حصر بل هي ممتدة عبر التاريخ ولا نبالغ فيما لو قلنا هي بدأت مع بداية النشأة على هذه البسيطة , بدءًا من الجريمة التي اقترفها قابيل بقتل أخيه إلى يومنا هذا , وهذا يرجع بسبب الموازين المقلوبة حيث يرى الحق باطلًا والباطل حقًا , ومع استمرار هذه الموازين تستمر المأساة والسعي لقتل كل الأصوات التي يمكن لو سمح لها المجال أن تحقق أهداف الرسالة السماوية المنشودة , وشياع لغة الغاب لغة الوحوش والقتل على الهوية , لغة الغاب تجانب لغة التسامح والاعتدال والوسطية وكلما كانت القوة والسيطرة والهيمنة لصالح الانتهازيين فإن نسبة تحقيق الاعتدال وبث مناهج الاعتدال تكون ضئيلة إن لم نقل منعدمة , وهذا لا يمنع من أن يواصل كل من يحمل على عاتقه أهمية خلق مجتمع تسوده المحبة والإخاء , مجتمعًا تشع فيه شمس الحرية إلى أن يواصل سيره ومسيره باتجاه تحقيق الغاية ومنها الحرية واللا إكراه التي تحدث عنها الله تعالى في كتابه العزيز : {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا}سورة الكهف الآية 29.

فلا يحق لأي واحد منّا أن يكره الآخر على الاعتقاد بأي شيء : لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿256﴾ سورة البقرة .

فالإيمان بالله والكفر بالطاغوت كفيلة بأن تدخل جميع المسلمين تحت مفهوم المستمسكين بالعروة الوثقى , بدليل أن الجميع يتوجهون إلى الله تعالى في صلواتهم إيمانًا به على أنه الإله الواحد الذي لا شريك له , وكل المسلمين الموحدين ينفرون من عبادة الأصنام وهذه تحقق لهم أنهم من المستمسكين بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها .

فعلى أي أساس يحل قتل المسلمين ويكفر بعضهم البعض الآخر ؟!
ولكن يعلم الجميع أن هناك متطرفين مارقة يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية هؤلاء دائمًا يسعى كل واحد منهم إلى أن تبقى روح التنافر حاضرة على أوسع نطاق بين المسلمين لكي يحققوا من غاياتهم الخبيثة , ويشتد خطر المتطرفين والطائفيين فيما لو كان الإعلام معهم , وكذلك يسعى التطرف إلى بقاء الفتن قائمة على قدم وساق لتحقيق غاياته ومآربه الخبيثة الدنيئة !
وأنقل لكم قصة الفلاح مع الخادم الأمين لتكشف لكم وللجميع كيف أن البعض يخون ويكفر كل من يعمل للقضاء على الفكر المتطرف المارق على الدين والأخلاق وإليكم القصة من كتاب حكايات من روسيا للكاتب الروسي الشهير إيفان كريلوف :
بينما فلاح يسير نحو داره عند غروب الشمس ومعه خادمه الأمين في طريق الغابة إذ طلع عليه بغته دُب أسمر كبير الجسم , وفي أقل من لمح البصر , وجد نفسه في حضنه الرحب , وشعر بكتفه بين فكي الدب . فأجال الدب نظره حوله ؛ ليرى مكانًا منعزلًا هادئًا يذهب إليه ليتمتع بأكله شبع هنيئة , وزعق الفلاح هلعًا يستغيث بخادمه , طالبًا منه أن يتقدم لإنقاذه من هلاك محقق , وأطلق لسانه بتذكيره بواجب المروءة , وحلاوة التضحية في سبيل إجارة المستجير . 
وتقدم الخادم معرضًا حياته للخطر , وضرب الدب بفأسه عدة ضربات صرعته بعد أن مزقت جلده ,
فلما أفاق الفلاح من ذهوله , وشعر بزوال الخطر , نظر إلى الدب الصريع , ثم حدج الخادم ببصره , وطفق يسبه ويلعنه بأقسى الشتائم وألعن اللعنات .
ولما سأله الخادم الأمين عن علة غضبه , قال لهُ : ألم تدرك – إلى الآن – أيها الجاهل فداحة ما سببت لي من الخسارة بجهلك ؟!
تأمل وأنظر كيف أنك أضعت عليَّ قيمة هذا الفرو الثمين بتمزيقه بضرباتك الموجعة التي تكررت بلا داع , حقًا أنك تستحق أقسى قصاص !!
وهذا هو الواقع الذي شبهته لنا هذه القصة مع من يحاول أن يقلع التطرف من جذوره ليعم الأمن والسلام والطمأنينة , كما لا يمكننا أن نتغاضى عن الموقف العظيم الذي قام به المرجع المحقق السيد الصرخي خلال بحوث قام بها لمعالجه أصل التطرف وإبطال مزاعمه , والمؤسف جدًا لم نجد أي دور لوسائل الإعلام في استثمار هذه الجهود الجبارة لقلع الإرهاب وتطرفه من الجذور , لأن هذا المحقق ذكي جدًا لأنه يعرف إن تاريخ كل أمة وتراثها الفكري قد يصير سلاحًا ذا حدين؛ فالإغراق في تلمُّس صدى الماضي لن يتأتَّى منه سوى المزيد من التردِّي , ولكن تبقى الجهود مباركة ومشكورة إن لم يتم استثمارها اليوم فالزمان كفيل ببيان حجمها ونفعها وتستثمر في صالح الاعتدال والوسطية إن شاء الله .

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

7 تعليقات

  1. حيدر البابلي

    لا يمكننا أن نتغاضى عن الموقف العظيم الذي قام به المرجع المحقق السيد الصرخي خلال بحوث قام بها لمعالجه أصل التطرف وإبطال مزاعمه , والمؤسف جدًا لم نجد أي دور لوسائل الإعلام في استثمار هذه الجهود الجبارة لقلع الإرهاب وتطرفه من الجذور , لأن هذا المحقق ذكي جدًا لأنه يعرف إن تاريخ كل أمة وتراثها الفكري قد يصير سلاحًا ذا حدين؛ فالإغراق في تلمُّس صدى الماضي لن يتأتَّى منه سوى المزيد من التردِّي , ولكن تبقى الجهود مباركة ومشكورة إن لم يتم استثمارها اليوم فالزمان كفيل ببيان حجمها ونفعها وتستثمر في صالح الاعتدال والوسطية إن شاء الله .
    أحسنت احسنت استاذ علاء .

  2. ثائر الخيكاني

    فعلى أي أساس يحل قتل المسلمين ويكفر بعضهم البعض الآخر ؟!

  3. ناصر ابو جمال

    كل الشكر والتقدير لمركز المنهج الوسطي للتوعية الفكرية على هذه الجهود القيمة .

  4. عبدالله الدراجي

    ربي يحفظك ويديمك استاذ علاء المنصوري.

  5. جويد البصري

    هذا حال كل المصلحين يتحملون العناء من اجل اصلاح اممهم .

  6. ابو زهراء الناصري

    بارك الله بك استاذ علاء المنصوري طرح وتحليل قيم وبناء.

  7. طرح رائع ومميز وفق الله الكاتب يجب على كل المثقفين التصدي لقطع التطرف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *