الرئيسية / مقالات وتحليلات / اليقين الأرسطي وإشكالية التعايش السلمي… إضاءات من المنهج الوسطي

اليقين الأرسطي وإشكالية التعايش السلمي… إضاءات من المنهج الوسطي

المهندس حسين الكربلائي

لا إشكال ولا شبهة في وجود الواقع الخارجي ، وإمكانية معرفته ، عند جميع المدارس الفكرية والفلسفية ، إلا ما شذ منها كالسفسطائية الذين أنكروا الواقع الخارجي ، وقالوا بعدم وجود حقيقة مستقلة ، وأن وجدت ، فلا يمكن معرفتها ، وإن عرفت ، فلا يمكن التعبير عنها ، كما في ثلاثية جورجياس المشهورة ، أو ما تمخض عن بعض المدارس الفلسفية التي أنكرت الواقع كمثالية جورج باركلي وغيره ، فوجود الواقع يعد أمرًا بديهيًا ، أما نكرانه أو الشك فيه ، فيعد ضربًا من السفسطة .

ونقطة الافتراق التي ميزت بين المدارس الفلسفية والفكرية ما بإزاء الواقع ، هي ، كيف نعرف الواقع ؟ وبعبارة أوضح : ( ما هي الأدوات التي تضمن لنا جدوائية المعرفة الحقيقية دون غيرها ) ؟ وفي الحقيقة أن هذا الموضوع قد طُرح على صعيد فلسفة المعرفة او ما يصطلح عليه بعلم المعرفة بـــ ( إبيستيمولوجيا ) بشكل مفصل ومتشعب – ولسنا بصدد الخوض فيه – وما يهمنا هو التطرق الى أبرز الاتجاهات الفلسفية التي سيطرت على الفكر البشري بصورةٍ عامةٍ ، وفي فلسفات الأديان السماوية – وبالأخص – الفلسفة المسيحية والفلسفة الإسلامية هو المنهج العقلي الذي تمثل بالمنطق الأرسطي ، حيث نلاحظ ان الديانة المسيحية بعد انتشارها في القرون الميلادية الأولى انها اعتمدت في تفسير معتقداتها الدينية على أسس الفلسفة الأفلاطونية كما نجد هذا واضحا عند القديس أوغسطين ، وبعد سيطرة المسلمين على الأندلس تأثر الغرب بفلسفة ارسطو عن طريق علماء المسلمين كابن سينا وابن رشد ، وأخذت هذه الافكار بالانتشار شيئا فشيئا ، الى أن أعتمدتها الكنيسة بصفة رسمية في كثير من مراكزها العلمية كما نلحظ ذلك عند القديس توما الأكويني (1225 – 1274) م في كثير من كتاباته ، وتم تفسير المعتقدات المسيحية وفقا لاراء ارسطو.

وهذا المنهج العقلي هو السائد في الفكر الديني – وسيما عند علماء وفلاسفة المسلمين – ويعدونه هو المنهج الوحيد الذي يمكن عن طريقه إحراز ( اليقين الجازم المطابق للواقع الغير قابل للزوال ) ، مع مراعاة الضوابط التي يتقّوم بها .

واليقين بهذا المعنى ( جازم + مطابق للواقع + غير قابل للزوال ) هو الهدف الذي يسعى إليه علماء المسلمين في أبحاثهم وتحقيقاتهم في المعارف الدينية ، وخصوصا على مستوى العقيدة .

وبتحليل جانب من جوانب هذا اليقين سنلاحظ انه يستلزم حال الإثبات لقضية معينة ، استحالة عكسها ، ولتوضيح الفكرة نأخذ مثالاً بسيطا :

لو أثبتُ أن هذا الشيء الذي أمامي ( لونه أسود ) ، يستلزم مني هذا الإثبات ( استحالة ان لا يكون أسودا ) ، أما في المنطق الاستقرائي ، حين أثبتُ بأن هذا الشيء الذي أمامي ( لونه أسود ) ، فيمكن أن أحتمل أن لا يكون اسودا ، وهذا – يعني – أن أي قضية ، خاضعة لهذا المنهج ، فأن حكمها ، أما أن يكون صحيحا ، وبالتالي استحالة ان تكون خاطئة ، أو تكون خاطئة ، وهذا يستلزم استحالة صحتها .

وبناءا عليه – نلاحظ أن الحكم المترتب على أي قضية فيه ثنائية ( الصحة مع استحالة الخطأ ) و( الخطأ مع استحالة الصحة ) ، وهذا الأمر في مجال البحث العلمي وتقصّي الحقائق لا إشكال فيه ، لأن الإنسان بطبعة يبحث عن الحقيقة الكاملة او التامة ، ولا نحن بصدد محاكمة المنهج الأرسطي ، أو تقييم النتائج المتمخضة عنه

لكن بهذا المنطق قرئت النصوص الدينية ، وتمخض عنها نتائج ، تتصف بأنها متغايرة ، وهذا التغاير وفق معيار المنطق الأرسطي ، أما صح ، وما سواه خاطئ ، أو خاطئ واستحالة ان يكون صحيحا ..!

وبهذا تأسست فكرة ( ان الحق معي وهذا يستلزم ان الباطل في غيري ) ، وهذه الفكرة إقصائية ، لأنها لم تعطِ احتمالاً ، ولو واحدًا بالمئة أن الأخر من المحتمل بهذه الدرجة الضئيلة أنه يمتلك حقا .

وهذا الأمر ـ بغض النظر عن مدى صحته ـ يمكن تقبّله طالما أنه داخل الاروقة العلمية والمجالات البحثية ويعد منهجا من المناهج ، لكن الإشكالية التي ترتبت ،أنه خرج عن تلك الدائرة العلمية والفكرية ، وسوق الى المجتمع كنظام تربوي ، ومنهج عملي ، أثر سلبا في بناء النسيج الاجتماعي ، والتعايش السلمي ، لأن هذا التسويق جاء بمميزات تختلف نوعا ما عن اطارها العلمي ، ويمكن ذكر جملة من هذه المميزات ليكون القارئ على اطلاع بخطورة التعامل في بناء العلاقات الاجتماعية وفقا لليقين الأرسطي ، وهي :

أولا ـ إن قراءة علماء المسلمين للنصوص الدينية في أي مذهب من المذاهب ، سواء تلك التي مصدرها الباري (جل وعلا) ، أو المعصوم ، أو الصحابي أنها تساوق الدين .

أي إن ، فهم رجل الدين للنص = الدين .

وهذه ـ بصراحة ـ سببت مشاكل كبيرة في الصعيدين المعرفي والاجتماعي . ( وان شاء الله سوف نطرح مقالة مفصلة نوعا ما لبيان خطورة هذا الامر ) لكن بعجالة سريعة يمكن أن نذكر مشكلتين :

أـ معرفية ـ أن هذا الأمر سبب في جمود الحركة العلمية داخل المجتمع الاسلامي لأنها عكفت على آراء جملة من الأعلام في وقت ما ، وتعد مخالفتهم علميا مخالفة للدين وللمذهب ، وقد حصلت ويلات وانتهاكات تعرضت لها عدة من الشخصيات والشرائح الاجتماعية .

ب ـ اجتماعية ـ بروز ظاهرة التقديس الاجتماعي لبعض الشخصيات ، مع وضع خطوط حمراء على كل من يحاول أن يتعامل معهم وفق اطار البحث العلمي .

ثانيا ـ المساوقة بين ما تمخض عن قراءة النص الديني مع معيارية الحق والباطل الدينية بمعانيها المتضمنة الجنة والنار والإيمان والكفر ..

أي إن : هذه القراءة الدينية للنص صحيحة ، وعليه تمثل الدين والحق ، واتباعها يمثل الحق الذي يكشف عن الإيمان وبالتالي الجنة ، ومن لا يتبعها فهو باطل ، لأنه خالف الدين ـ وليس خالف القراءة الدينية ـ فهو في النار لأنه كافر .

وكذلك بالنسبة للقراءة التي نعتقد بخطئها ، فإنها تساوي الباطل ، وبالتالي كل من يتبعها في النار، وهو كافر في معنى من المعاني .

ثالثا ـ صدور فتاوى تكفيرية رسخت من هذا اللون من التربية بين صفوف الأمة والتعامل مع الآخرين الذين يخالفوننا بالمعتقد الديني أو المذهبي من خلال هذه النافذة الضيقة ويمكن عد الشيخ ( ابن تيمية ) هو الأبرز في منهجة هذا التفكير الإقصائي بفتاويه المثيرة للجدل بين علماء المسلمين ، علما انه شن حملة على الفلاسفة والمتكلمين وعلى المنهج العقلي ، لكنه رغم ذلك كان يتعامل وفق الثنائية المذكورة .

تنبيهات وخلاصة

وقبل أن نختم كلامنا نود أن نشير إلى بعض الأمور التي ربما تفهم بصورة تغاير القصد ، وهي :

1- أن هذه المقالة ليست بصدد محاكمة المنهج الأرسطي أو تقييم نتائجه .

2- أن الإشكالية المثارة والمترتبة وفق اليقين الأرسطي ليست معرفية أو علمية ، بل إشكالية ذات بعد أجتماعي تربوي .

3- توجد ثلاثة محاور رئيسة تمثل مرتكزات إشكالية اليقين الأرسطي في بعدها الأجتماعي والتربوي وهي :

أ‌- ما أمتلكه هو الحق ويستحيل أن يكون باطلاً ، وما عند غيري باطل ، ويستحيل أن يكون فيه حقًا .

ب‌- إن آراء العلماء ونتائجهم للنص الديني ، هي ( الدين ) وتمثل ما أراده الله (جل وعلا) أو المعصوم أو الصحابي .

ج – بروز ظاهرة التقديس لبعض الشخصيات العلمائية في جميع المذاهب الإسلامية ، ولا يحق لأي أحد أن يناقش في آرائهم ، لأن المناقشة العلمية الموضوعية في عرف الكثير ، سواء ممن يحسب على المؤسسات العلمية ، أم من عوام الناس ، تمثل إهانة لهذا المقدس ، وعدم احترامه ، وبالتالي عدم احترام الدين ..!!

4- التعايش السلمي لا يمكن أن يبنى على أسس الإقصاء للآخر ، بل لا بد من أحترام معتقدات الآخرين لهدف التعايش – على أقل تقدير – ، والاحترام لا يعني الاعتراف ، مع التركيز على المشتركات الأساسية وهذا هو المنهج القراني الذي رسخّه في هذا الاطار، حيث قال تعالى :

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ). والمشتركات بين أبناء الدين الواحد أكثر بكثير منها مع الأديان الأخرى .

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

12 تعليق

  1. الوسطيه والاعتدال هما الحل للتعايش السلمي في البلدان والشعوب المتعددت الأديان والمذاهب والقوميات وهذا هو دين محمد صل الله عليه واله وما دعا اليه الأئمة الأطهار عليهم السلام

  2. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ). والمشتركات بين أبناء الدين الواحد أكثر بكثير منها مع الأديان الأخرى .

  3. مقال وتحليل رائع

  4. التعايش السلمي يجمع بين المجتمعات لان يعبر عن الاعتدال والوسطية

  5. وفقكم الله تعالى على هذا المقال والله كلام عين الصواب

  6. الشجاعة في قول الحق والتحليل الدقيق والتشخيص الواقعي نجده دائما” في بيانات ومواقف وأراء مرجعية السيد الصرخي الحسني ، وهذا ينطلق من الشعور بالمسؤولية التأريخية التي تقع على عاتق هذه المرجعية الرسالية التي تحمل هموم وتطلعات الجميع

  7. احسنتم بارك الله فيكم

  8. هاشم الموسوي

    التيميةُ_غيّروا_صورةَ_الإسلامِ
    على كل انسان عاقل ان يتصدى لهذا الفكر المنحرف …والتصدي يكون فكريا وليس بقوة السلاح فقط لان في عقيدتهم لاينفع السلاح فالمغفل في عقيدته انه عندما يفجر نفسه فهو سيذهب لجوار النبي ويتعشى من النبي فمافائدة السلاح معه وهو ينتظر موته …؟ اذا علينا ابطال فكره بفكر سليم يتصدى لهم ويبطل كل مابناه لهم المعتوه المخرف ابن تيمية وهذا مافعله السيد الصرخي حيث تصدى لهم فكريا ومن نفس مايعتقدون به اي من نفس كتبهم ومعتقدهم فضرب الرواية بالرواية والدليل بالدليل وبفضل تلك المحاضرات التي القاها سماحته ارتد عن الفكر التيمي الداعشي الكثير منهم وترك التنظيم وتم زعزة التنظيم وبان النصر الفكري عليهم

  9. قمة الروعة والواقعية

  10. أحسنتم وبارك الله فيكم … مقال أكثر من رائع

  11. وسام العابدي

    حياك الله على هذا الطرح المبارك الذي نحن في امس الحاجة له في هذه الايام العصيبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *