الرئيسية / مقالات وتحليلات / الوسطية والاعتدال إكسير تحقق الأمن المجتمعي

الوسطية والاعتدال إكسير تحقق الأمن المجتمعي

هادي الكناني

لا يختلف عاقلان على أن خاصيّة الوسطيّة والاعتدال تمثّل العنصر الأساسي في تحقيق الأمن والاستقرار، وإن طبقات المعتدلين على مر العصور هم من رسم خطوط النجاة وثبّت ركائز الخلاص، خاصة لو علمنا ان النصوص القرآنية تحث وتؤكد على اعتماد النهج الوسطي كقوله عز وجل: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) سورة البقرة الآية 143.
صار الجميع اليوم يبحث عن أفضل الآليات والطرق لضمان وجود الأمن حتى أن علماء النفس والاجتماع قد صنّفوا مفهوم الأمن فجعلوا حاجته تأتي بعد حاجة الإنسان للماء الغذاء، فالبحث عن الأمن يعد من القضايا الفطرية والأمور الضرورية في استمرار الحياة وديمومة العيش على المعمورة، تصديقاً لقوله عز وجل : (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ*الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) الإيلاف الآية 4،3
ولكن الغريب في الوضع الراهن نرى فقدان المرء للأمن الشخصي أو الأسري على أقل التقادير، وبطبيعة الحال سيكون انعدام الأمن وتفشّي الخوف والقلق حائلا دون الاستقرار النفسي والتطور والبناء والتقدّم، وهذا أحد دوافع الهجرة وطلب اللجوء وتعطّل سبل الرزق ، ونتيجة ذلك انهيار المجتمعات وتلاشي دعائم ثباتها، ويشهد لصحة ذلك الحديث القائل: (نعمتان مجهولتان العافية والأمان) ولكننا لم نكن لنشعر بأهميتهما إلّا بعد الخلو منهما!!!
ولو وضعنا هذه القضية على طاولة التحليل سنجد أن سلامة أمن الشعب منوطة مرة بالتعرضات العسكرية الخارجية، وتارة تعزى اسبابها للتناحرات الداخلية، ومرة يعد معيار الأمن مرتبط بقدرة المؤسسات الحكومية في الحد من الجريمة والتصدي لها، وقد نرمي ذلك على الإفراط بالتعامل مع ثقافة تعدد الحريات، وحتى محاولة التمدّن بسرعة التي أدت مؤخرًا الى تضائل ميول المجتمع للطابع القبلي والعرف الاجتماعي المحافظ، ويدخل كذلك ضعف وفشل استراتيجية فرض النظام وبسط القانون قضائيا وتنفيذيا
وهذا أدى الى تفشّي حالات القتل والاعتداء والاختطاف والعبث والابتزاز والسرقة الخ، فصار لزاما علينا البحث في إيجاد السبل للحد من معدلات الجريمة فزيادة عددها يعني غياب الأمن.
وثمة عامل أساسي ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار، لأنه يدخل كعنصر رئيس في تحجيم مسببات العنف أن لم يكن القضاء عليها جذريا ، وذلك هو عامل الوسطية والاعتدال، لأنه الكابح الأقوى والوسيلة الأنجع والحل الأفضل والطريق الأسلم، لوجود الحياة الحرة الكريمة. فالوسطية والاعتدال تعني عدم الخروج من المركز والابتعاد الى طرف ما، والتوازن وعدم الميل والوسطية هي اتخاذ الرأي المعتدل على المستوى الخاص والعام في كل مفاصل الحياة والانضباط في جميع المجالات الدينية والسياسية والثقافية وغيرها
فمن دون أدنى شك أن هنالك ارتباط بين استتباب الأمن الاجتماعي واعتماد منهج الاعتدال، فحتى من عاش في أعماق التطرف اعترف مؤخرا أنه كان في واد سحيق، اما من اعتمدوا العيش في أوساط معتدلة لمسوا ميزة الأمن والطمأنينة والأمان والاستقرار وكيف سمح لهم ذلك بالتفرّغ للاختراع والانتاج والتصنيع والابداع والتقدم بالأوطان الى الأمام بشكل يبعث الأمل حتى عند المعتكفين، فلذلك ترى التضاد المستمر بين المجتمع المعتدل والمجتمع المتطرف كالفرق بين الثرى والثريّا، وخير شاهد على ذلك ما نعيشه نحن اليوم من تراجع كارثي في كل شيء مقارنة بالدول الأخرى، فالمحيط المعتدل يكون مجتمع إنتاجي مزدهر متفاهم ليّن يتعامل بالاحترام والقيم الانسانية متأقلم مع الظروف لا تجد فيه تزمّت في وجهة النظر ولا حدّية في الرأي أو القرار أو التعامل أو السلوك أو الفكر، وهذا خلاف المجتمع المتطرّف المحقون بالتعنّت والقرارات القاطعة غير قابلة للنقاش والتعديل، حيث تراه مجتمعا مستقطبا للفتن ومرتعا للمتاهات ومؤديا للمنزلقات ومنحدرا للانحرافات الدينية والاخلاقية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعلمية والاحتدامات القبلية والمذهبية والعرقية الطائفية وغيرها..
ولذلك ترى هكذا مجتمعات تنتهج التطرّف ويترعرع في اوساطها عنصر التناحر لا تجد فرصة للتقدم والتطوّر والإبداع والرقي ولا تدع للإنسان فرصة كي يتغير أو يفكر في حلول الخلاص الى برّ الأمان، فيحترق الأخضر بجريرة اليابس .
الان وقد بانت أهمية الوسطية والاعتدال نقول ليس أحد مسؤولا في إشاعة روحيّة الاعتدال ونشر ثقافتها دون الآخر، بل الجميع مكلّف بذلك الدينيون واللادينيون والمثقفون والسياسيون والإعلاميون بكل تخصصاتهم، وحينها سنجني الثمار ونبلغ المغزى المطلوب والهدف المنشود .

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

مشروعية ارتداء الألوان في الأفراح والأحزان

إعداد : علاء المنصوري المقدمــة :- كل شيء في عالم الوجود – بما فيه الإنسان …

9 تعليقات

  1. احسنتم مقال رائع
    الاعتدال تمثّل العنصر الأساسي في تحقيق الأمن والاستقرار

  2. الاعتدال صفه فقط في المؤمنين المخلصين الذين رفضو الباطل على اشكاله

  3. الاعتدال صيغه المومنين

  4. من نجاحات المجتمعات الاخرى امنيا وحتى اقتصاديا بل وكافة المجالات هو اتخاذ اسلوب نهج الوسطية وعدم الغاء لذلك نرى التعايش السلمي موجود والازدهار وغيره

  5. وفقكم الله

  6. الوسطيّة سمة الأمة المسلمة التي تميّزها عن غيرها من الأمم، والتي بدورها تدفع أهلها للالتزام بهدي الإسلام والمجتمع وقوانينه، فينشرون الخير، ويقيمون العدل، ويحققون عبوديّة الله وعمارة الأرض، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة:143]. كما أنّ الوسطيّة وصف دقيق لحقيقة الإسلام كما أمر به الله عز وجل، دون تفريط ولا إفراط.

  7. احسنتم مقال اكثر من رائع طابت الانامل

  8. قمة الروعة والواقعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *