الرئيسية / مقالات وتحليلات / الوسطية في الاقتصاد سفينة نجاة وارتقاء المجتمعات

الوسطية في الاقتصاد سفينة نجاة وارتقاء المجتمعات

الإعلامي أحمد العايدي

الوسطية هي أحسن الأمور وأفضلها وأنفعها للناس وأجملها، فالوسطية ليست مجرد موقفًا بين الانحلال والتشديد، بل تعد موقفاً أخلاقيًا وسلوكيًا ومنهجًا فكريًا. وإعتدال والتوسط بين حالين، كما تعرف على أنّها الاقتصاد والتوسط في الأمور، وهي أفضل طريقة يتبعها الإنسان من أجل تأدية واجباته نحو ربّه، ونحو نفسه ونحو المجتمع الذي يعيش فيه وقد أكد القرآن الكريم على عمق التأثير الإيجابي الذي ينتج عن جراء اتخاذ النهج الوسطي أساسًا ومرتكزًا في كل شيء حيث قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) البقرة الآية: (143) وقوله عز وجل: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) الأعراف الآية: (31)
وهذه الآيات التي ورد ذكرها أعلاه تدل على مدى أهمية النهج الوسطي والتعامل به فهو يحقق أمورًا ونجاحات طالما بحث ويبحث عنها الإنسان الذي يريد تحقيق رسالة سلام وتعايش بين الأديان والمجتمعات وهو ما يريده الله تعالى والإسلام لأن العمل بغير الوسطية والاعتدال هو تكريس لحالة العنصرية والطائفية والاقتتال الطائفي وتكون الفوضى هي العامرة والسائدة في تلك المجتمعات فيسود الإرهاب والتكفير والتهجير ويصبح الجميع يعيش حالة من الخوف والاضطراب الدائم نتيجة الأفعال الإجرامية التي تصدر من التكفيرين، وقد عاشت ذلك كثير من الدول في هذا الوقت الحاضر وخصوصًا مجتمعنا العراقي وما خلفه به أصحاب النهج التكفيري من إرهاب وتهجير وتدمير البنى التحتية. 
والناظر إلى حال العالم عامة والإسلامي خاصة في الآونة الأخيرة سيجد تقهقرًا واضحًا على المستويات كافة وأصبح التطرف يلقي أعباءً وخيمة تظهر نتائجها السلبية على مختلف المؤسسات والأفراد وبات الفرد شارد الذهن والتفكير من جراء تلك الأفعال الدخيلة التي تضر به وببلده ومنها الجانب الاقتصادي الذي هو من بين تلك المناحي التي طالب بها الإسلام منذ مجيئه قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا بتحقيق الوسطية وقد انفرد الإسلام بمنهج وسطي متميز لا يرتكز قوامه على الفرد كما في الاقتصاد الرأسمالي، ولا على الطبقية الاجتماعية كما في الاقتصادي الاشتراكي، وإنما قوامها التوفيق والمواءمة والموازنة بين ما تتطلبه مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، و يعد الاقتصاد عصب الحياة وديمومة استمرارها وهدفًا رئيسًا لكل الأنظمة والحكومات التي تريد تطوير قدراتها وتطبيق أفكارها في أي بلد كان بل هو المنظم لحياة البشر وفي هذا الصدد يشير السيد محمد باقر الصدر في مقدمة كتاب “اقتصادنا” إلى أهمية الجانب المعنوي والنفسي في بناء الأمة اقتصاديًا حيث قال: (حين نخرج من نطاق المقارنة بين هذه المناهج الاقتصادية “الرأسمالي والاشتراكي والإسلامي” في محتواها الفكري والمذهبي إلى المقارنة بينها في قابليتها التطبيقية لإعطاء إطار التنمية الاقتصادية يجب أن لا نقيم مقارنتنا على أساس المعطيات النظرية لكل واحد من تلك المناهج فحسب بل لابد من أن نلاحظ بدقة الظروف الموضوعية للأمة وتركيبها النفسي والتاريخي لأن الأمة هي مجال التطبيق لتلك المناهج فمن الضروري أن يدرس المجال المفروض وخصائصه وشروطه بعناية ليلاحظ ما يقدر لكل منهج من فاعلية التطبيق كما أن فاعلية الاقتصاد الحر الرأسمالي أو التخطيط الاشتراكي في تجربة الإنسان الأوروبي لا تعني حتمًا أن هذه الفاعلية نتيجة للمنهج الاقتصادي فحسب لكي تتوفر متى اتبع نفس النهج بل قد تكون الفاعلية ناتجة عن المنهج عن إطاره وتاريخه)
ويوضح الدكتور محمد شوقي في كتابه “الوسطية في الاقتصاد الإسلامي” الخطوط العامة التي وضعها الإسلام لبناء نظام اقتصادي قوي يمكنه الوقوف أمام المشكلات المستجدة باختلاف الزمان والمكان. وتتجلى أهمية الدراسة – بحسب تقديم الدكتور محمد الشحات الجندي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية للكتاب في أنها تبرز أمرين الأول: إنها تتخذ من المنهجية الوسطية طريقًا مقبولًا ومطلوبًا أثبتت الأحداث وأبانت التجربة والخبرة التاريخية والحياتية لمسير الأمم والأجيال عبر القرون المتطاولة ضرورة طرحها واعتمادها لمواجهة المشكلات والأزمات التي تتعرض لها الأنظمة والمجتمعات وثانيهما: إن الوسطية في الاقتصاد وشؤون المال والمعاملات المتعلقة بهما تفرض في السلوكيات اليومية للأفراد والشعوب لأنه ما من شخص أو مجتمع أو أمة تقوم له حياة أو يتحقق له البقاء دون حصوله على الأقوات ووسائل المعايش الأساسية من مأكل ومشرب وملبس وعلاج وتعليم وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى *وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) طه الآية (118-119) وهو ما بات يتردد في الأدبيات والمعارف الاقتصادية من مقولات وممارسات صارت حقيقة وملموسة في دنيا الناس مثل: من لا يملك قوته لا يملك قراره وإن المستوى المعيشي والاقتصادي هو المحدد لمكانة الفرد داخل كيانه المجتمعي.
والخلاصة: بعد أن عرفنا مدى أهمية الوسطية في الاقتصاد وما تنتج عنها من إيجابيات تنفع المجتمع، إذًا لابد أن يصبح التعامل فيها شيئًا رئيسًا وضروريًا إذا ما أراد هذا المجتمع أو ذاك أن يسير بمنحى التطور وتطبيق تلك الأفكار التي تخرج المجتمعات من دوامة أزمة الاقتصاد كونه المنظم الذي يحقق العدل في علاقات السوق، إذ إن الاقتصاد العادل يقوم أساسًا على حماية وإنصاف حق المجتمع في تحقيق التطور والنمو الاقتصادي.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

3 تعليقات

  1. حيدر السلطاني

    لابد أن يصبح التعامل فيها شيئًا رئيسًا وضروريًا إذا ما أراد هذا المجتمع أو ذاك أن يسير بمنحى التطور وتطبيق تلك الأفكار التي تخرج المجتمعات من دوامة أزمة الاقتصاد كونه المنظم الذي يحقق العدل في علاقات السوق، إذ إن الاقتصاد العادل يقوم أساسًا على حماية وإنصاف حق المجتمع في تحقيق التطور والنمو الاقتصادي.

    جناب الاعلامي احمد العايد لجنابك خالص الاحترام والتقدير .

  2. ان نهج النبي الأكرم محمد صلى الله علية والة وسلم اتى باالوسطية والأعتدال حيث قال بعثت لأتمم مكارم الأخلق وتمثل في هذ الفكرالمحمدي الأصيل السيد الأستاذ الصرخي في عدد من محاضراتة العلمية والأخلاقية وعرف باأعتدالة ووسطيتة

  3. ابو علي الربيعي

    احسنت فالوسطية هي البيئة التي تنمو فيها كل الطاقات الجيدة والقدرات الخلاقة بعيدا عن التطرف الاعمى ا
    والحقد الكامن في النفوس الذي يبدا بصاحبه فيقتله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *