الرئيسية / مقالات وتحليلات / الوسطية دعوة للتذكير بالإنسانية

الوسطية دعوة للتذكير بالإنسانية

علاء جاسم

الإنسان بطبيعة الحال شعلة من المشاعر , ومن خلال مشاعره يحكم على إنسانيته , كما وجاءت الديانات والفلسفات مؤكدةٌ على أهمية أن يكون الإنسان ذا مشاعر تجاه الأخرين , وأن يهتم بشؤونهم وصرحت بذلك العديد من الأحاديث ومنها الحديث المشهور الذي خرجه الحاكم فى المستدرك(7902-7889),والطبراني فى المعجم الاوسط(474),والمعجم الصغير(907),والبيهقي فى الشعب (10586),وذكره الهيثمي فى المجمع(17818),وذكره السخاوي فى المقاصد الحسنة (1182) ، عن الرسول الكريم القائل:
(من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم , ومن لم يصبح ويمسى ناصحًا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم) .

وهذه مدعاة إلى أن يشعر كل واحد منا بحجم المأساة التي تقع على الآخر وتدفعه هذه المشاعر فتولد فيه القوة ليغير المنكر بمختلف أشكاله وألوانه كما جاء الحثّ على ذلك في الحديث النبوي الشريف المشهور أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم .

وبما إننا مسلمون ينبغي علينا أن نتحلى قبل غيرنا بالرفق والشعور الإنساني تجاه الجميع , لا أن نكون من وسائل القمع ومن أفواه التكفير والتخوين لكل من يختلف معنا , علينا أن نتحلى بالمعروف كما ينقل عن الحسن البصرى قال : أَلا إِنَّ الْمَعْرُوفَ خَلْقٌ مِنْ أَخْلاقِ اللَّهِ ، وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، ذكره بن أبي الدنيا فى كتابه قضاء الحوائج ص 5 , وأن يكون شعارنا وسجيتنا الرأفة لا أن نتلذذ ونحن نرى الدماء تسفك والأرواح تزهق , والمعاناة تصاحب بني البشر من جنسنا في كل حدب وصوب ! 
وسأذكر لكم حادثة وقعت مع أحد الفلاسفة الألمان وهو ممن لا يؤمن الإ بالمادة وينكر كل الغيبيات التي نؤمن بها , وهذه الحادثة فيها الإنسانية والرأفة والشعور طافح , كان صاحب الحادثة هو العالم “نيتشة” العالم الألماني الذي تقبع فلسفته بعدمية مجنونة يحاول تحطيم كل قيم الأخلاق، انطلاقًا من إيمانه بضرورة تحرير الإنسان من كل معتقد أو قيمة , لكنه تعرض لانهيار عصبي , مات وهو مصاب به ويرجع سبب إصابته بالانهيار أنه سمع صهيل حصان يُجلد بالسوط في آخر ساحة قصر كارينيانو، ولشعوره – نيتشة – المفرط ركض إلى الحصان ثم رمى ذراعيه حول عنقه واحتضنه ليحميه، ثم انهار على الأرض , ومنها أصيب بانهيار عصبي كلفه حياته !!.
كتاب ” أسطورة فريدريك نيتشه ” ص 23 .. بتصرف 
هذه هي الإنسانية التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم قبل غيره , كل هذه الإنسانية وهذه الرأفة على الحيوان من قبل نيتشه وهو لا يؤمن بالآخرة ولا يؤمن بكل الماورائيات التي نؤمن بها , ولا يوجد عنده قرآن يدعوه إلى التحلي بهذا الشعور , فيا ترى ماذا حل بإنسانيتنا والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار , يدعونا إلى العفو والمرحمة والرحمة وإلى المجادلة بالتي أحسن , أين نحن من قوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ؟!!!
والمفارقة نجد أن ممن يحسبون على الإسلام ورافعي شعار لا إله الإ الله محمد رسول الله تراهم يتلذذون بسفك دماء الأبرياء وترويع الآمنين , بحجج وذرائع ما أنزل الله بها من سلطان بل لم ينزل بها لأنها مخالفة أشد المخالفة للرحمة وللإنسانية التي تحدث عنها القرآن والسنة النبوية وسيرة الصالحين من أئمة أهل البيت والصحابة الكرام .
وأما إذا أردنا أن نتطرق إلى إنسانية أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) فنكتفي بالإشارة لما قاله الإمام علي ( عليه السلام ) حيث في الخطبة المئتين وأربع وعشرين من خطب نهج البلاغة الخطبة التي يتبرأ فيها من الظالمين يقول :
والله لأن أُعطيت الأقاليم السبع على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت !!
يا الله .. كم بلغت الإنسانية عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهو يرى أن سلب النملة طعامها من المعاصي التي يحسب لها ألف حساب , لا يقدم على حرمان النملة لو كان مقابل هذا الحرمان أن يعطى ملك الأقاليم السبع ؟!!!!!!
يا الله … أين نحن من هذا الخلق الذي فاق التصور والخيال !
لماذا لا يكون صاحب هذا الخلق العظيم هو القدوة والأسوة لكم يا من يتلذذ بقتل الأبرياء ؟!
لماذا لا يكون نهج أئمة أهل البيت هو نهجكم بدل نهج أئمة القتل والتكفير ؟!
ولا يسعنا خلال هذه السطور عبر مركز الوسطية الإ إن نوجه لكل من غرر به وانزلق في مزالق الظلمات الفكرية واتبع غير النهج المحمدي الأصيل المعتدل ذي الخطاب الوسطي خطاب جادلهم بالتي هي أحسن , وليس بخطاب التكفير والقتل والترويع , أن يكون طريق ونهج حرمة الدماء , طريق كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه هو منهجه وطريقه ومسلكه , لينجوا يوم لا ينفع الندم .

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

7 تعليقات

  1. حيدر السلطاني

    وهذه مدعاة إلى أن يشعر كل واحد منا بحجم المأساة التي تقع على الآخر وتدفعه هذه المشاعر فتولد فيه القوة ليغير المنكر بمختلف أشكاله وألوانه كما جاء الحثّ على ذلك في الحديث النبوي الشريف المشهور أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم .

    كل الشكر والتقدير لجناب الكاتب الاستاذ علاء حنون …على هذا الكلام الرائع.

  2. احسنت كلام راقي ورائع بوركت

  3. حسن المنصوري

    مقال جميل وفقك الله

  4. احمد الخفاجي

    من لم يصبح ويمسى ناصحًا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم

  5. حياكم الله

  6. منشور رائع حفظكم الله ورعاكم وادامكم لنا نورا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *