الرئيسية / مقالات وتحليلات / الوسطية بين الأدائية والذاتية… إشارات وتنبيهات

الوسطية بين الأدائية والذاتية… إشارات وتنبيهات

المهندس حسين الخفاجي

في هذا المقال نريد أن نحلل الوسطية من مديات تأثيرها النفسي على سلوك الإنسان مع محاولة إبراز أجلى الفوارق بين نماذجها . 
يمكن أن نقسم الوسطية من حيث إرتباطها بالإنسان على أنواع ثلاثة : 
أولًا ـ وسطية مرتبطة بفكر الإنسان دون سلوكه . 
ثانيًا ـ وسطية مرتبطة بسلوك الإنسان دون فكره .
ثالثًا ـ وسطية مرتبطة بفكره وسلوكه معًا .
وكل من هذه الأقسام الثلاثة يصنف إلى صنفين هما : 
أـ تامة ( كلية )
ب ـ غير تامة ( جزئية ) 
وتوضيح ذلك : 
تارة نجد الإنسان بفكره وسطيًا لكن سلوكياته لا تعطي تلك الدلالة كالذي يدعو إلى وحدة المسلمين مثلاً لكن سلوكياته مع المسلمين أو مع غيرهم تناهض هذا الإدعاء ..!
وأخرى نجد الإنسان ذو فكر بعيد عن الوسطية لكن أفعاله توحي بالإعتدال ..!
وهنالك من يمتلك الوسطية بالفكر والسلوك معًا .
وهذا الإرتباط ـ أيًا كان نوعه ـ تارة نجده دائميًا في الإنسان وفي جميع مجالات حياته وأخرى نجده مقتصرًا على جانب دون أخر أو نجده بنفس الجانب لكنه غير مستقر ..!
وبهذا الإستعراض المبسط نستطيع أن نفهم المقصود من الأدائية والذاتية ..
فألادائية هي ماكانت مقتصرة على السلوك دون الفكر أي سلوكياته تدلل على الوسطية لكن قناعاته لا تنسجم مع مفهومها وبشكل جزئي أي نلاحظة الوسطية في جانب دون أخر ..
أما الذاتية فنريد بها تلك الوسطية النابعة من فكر وسلوك الإنسان بشكلها الدائمي والكلي ـ أي في جميع نواحي الحياة ـ وهذه نظرة أقرب للمثالية والإعلامية منها إلى الواقع الموضوعي .. 
لإننا نلاحظ دعوات الوسطية التي إنتشرت بشكل واضح بعد أحداث الحادي عشر من ايلول عام 2001م انها مقتصرة على دين دون أخر .. 
فمثلًا نجد دعوات للوسطية والإعتدال مع غير المسلمين لكن مع المذاهب الإسلامية لا نلحظ إلا التطرف والتكفير ..!!
بل نجد دعوات للتقريب بين المذاهب الإسلامية لكن داخل المذهب الواحد نلحظ الإقصاء والتغييب والقتل والإعتداء ..!!
فالوسطية والإعتدال ليست شعارًا ترفع أو كلمات تكتب أو بحوثًا تُنظر أو خطب تلقى أو مؤتمرات تعقد أو صور تلتقط مع الأخر تحمل إبتسامات جرداء تنئ عما يحدث في الواقع من تشتت وضياع وفرقة وتعصب ..!
بل الوسطية هي تربية لها علائق فكرية وسلوكية نابعة من روح وخلق الإنسان تجري في عروقه وسكناته وحركاته مجرى الشمس بين الأفلاك تحمل بين طياتها الحب والسلام والمودة بالحسنى ..!
فالوسطي الذاتي نجده معتدلًا مع نفسه ومع غيره بل حتى مع المتطرف ..!
لذا يسعى المركز الوسطي للتوعية الفكرية لتهيئة الأذهان تربويا في غرس هذا المفهوم ذات البعد السماوي ليكون فاعلًا بصورته المثلى في السلوك والفكر ..!
ولتقريب الصورة سنأخذ مثالًا حيًا بين من يمارس الوسطية الذاتية وبين ممن يتصف في وسطيته بالأداء المفرغ أو الوسطية المصطنعة : 
لو أصيب شخصًا بوجع ما فحين يخبر الطبيب بذلك الوجع فإنه ـ أي الطبيب ـ سوف يتصور الألم لكنه لا يعيشه ..!
بينما الشخص المتوجع فإنه يتصوره ويعيشه بكل تفاصيله .. 
وهذا الفرق بين الوسطية الذاتية النابعة من التصور وتتعداه إلى الشعور بها حقيقة وفعلًا وبين من يؤدي الوسطية بلا شعور حقيقي بل إقتصر على ترديد كلمات ومصطلحات بعيدة عن الإحساس الفعلي بها . 
وهذا يكشف بإن الوسطية الذاتية مرتبطة بوعي الإنسان ونباهته الفردية والإجتماعية بينما نجد الوسطية المصطنعة ذات إرتباط نفعي برغماتي ..!
ومن أبرز الأمثلة التاريخية عند المسلمين هو ردة فعل النبي (صلى الله عليه وآله ) بعد أحداث الطائف وما لاقاه منهم من إهانة وأذى لكنه دعى لهم بإن يغفر الله لهم لإنهم قوم لا يعلمون … !
كذلك ماورد في بعض الروايات كيف بكى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ليلة العاشر من المحرم على أعدائه لإنهم سيدخلون النار بسببه ..!!
وكذلك موقف الخليفة عمر ( رضي الله عنه ) مع أهل الجابية عند فتح المسلمون مدينة القدس ..!
وتوجد شواهد عدة من تأريخ المسلمين الأوائل فيها نفحات الوسطية التي يمكن أن نستثمرها لبناء جيلًا يحمل تراث القرآن وأخلاقه لغرض العيش بسلام وتآلف حقيقي وليس صوري .

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

مشروعية ارتداء الألوان في الأفراح والأحزان

إعداد : علاء المنصوري المقدمــة :- كل شيء في عالم الوجود – بما فيه الإنسان …

10 تعليقات

  1. موفقين لكل خير استاذنا الغالي

  2. مقال اكثر من رائع

  3. حمد الشامي

    احسنت التحليل

  4. علاء جاسم حنون

    بحث يستحق المطالعة دمت أخي الكاتب

  5. استاذ محمد

    واقعا خير ماشاهدت عن معنى وعنوان الوسطية التي جاء بها الاسلام الحنيف

  6. خالد الشمري

    مقال رائع نحن في امس الحاجة الى هكذا اصوات

  7. موفقين

  8. حيدر البابلي

    احسنت استاذ حسين الخفاجي مقال اكثر من رائع .

  9. سعد الكناني

    منهج الوسطية والاعتدال هي الحل الأمثل لكل المشكلات العالقة بالبلاد وخاصة العراق فهي تجعل أفراد الوطن الواحد يعيشون بأمن وأمان وحب وسلام ومودة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *