الرئيسية / مقالات وتحليلات / المنهج الوسطي شعار وتطبيق (3-3)

المنهج الوسطي شعار وتطبيق (3-3)

عبد الرحمن الفراتي

في وقتنا الراهن، ثمّة أكثر من واقعة وحدَث وصورة وحشيّة مرعبة كشَفَت بوضوح عن واقع الإرهاب -الفكري والمسلّح- متمثلَا بالمنهج الدموي للدولة المارقة أو داعش الإرهابي الذي اخترق الساحة العربية والإسلامية، فكان خطره يتدفّق وشبحه يتهدّد الجميع، فلذا كان لزامًا على مفكِّري الأمّة وأفذاذها التصدّي للإرهاب واتّخاذ الإجراء اللازم لدفع تهديدِه والوقاية من أخطاره.
قبل ذلك، ولكي يتأتّى النجاح ويُصار الى نتائج إيجابية مُرضية ومقبولة تدفع الخطر عن الإسلام من ناحية، وعن الشعوب والأوطان من ناحية ثانية، لا بدّ أن يُعالج بشكل موضوعي وهادف يجتثَّ من الجذور الأُسس الفكرية التي بنى عليها الإرهاب منهجه الدموي وسياسته وأخلاقه الوحشيّة.
وللمواجهة الحتميّة، لم تكن الخيارات –العلمية والفكرية- مطروحة في الساحة الدولية سوى خيارات التسليح وإتخاذ الجانب العسكري واعتماده كحلّ من حلول المجابهة. ولم تنصت الجهات الدولية المسئولة الى خطابات المنهج الوسطي الوطني والثقافي والإستماع إليه أو على الأقل أن يؤخذ بالحلول الجذرية التي طرحها في ساحتهم التي كانت فيما لو تمّ اعتمادها والعمل بها كفيلة بالقضاء على الإرهاب وإنهائه الى الأبد.
فما كان من مدرسة المنهج الوسطي وأُستاذها في هذا الزمان متمثّلًا بالمحقّق الصرخي إلّا أن يتصدّى شخصيًّا لمواجهة التطرّف والدولة المارقة، او ما يسمى بـ داعش الإرهابي، فناقش ضمن مجموعة بحوث موضوعية منها: الدولة المارقة منذ عهد الرسول.. و وقفات مع التوحيد التيمي.. وغيره. ناقش فيها التطرّف وأصوله: منشؤه وأساسه ورموزه ومنظّريه والمنهج الفكري والتربوي والعقيدي الذي تبنّاه ونشأ واعتمد عليه في سلوكه وعمله، مدعومة بالأدلة والأمثلة التأريخية والأصولية والإنسانية الشرعية.
من الأمثلة على المعالجات التي طرحها السيد المحقّق في نقاشه أحد أسباب التكفير لدى رموز وأفكار داعش والإحتجاج عليهم عندما رأى مارقة الدين والأخلاق والإنسانية أنهم يتبجّحون بالتوحيد الإسلامي ويتشدّقون به، ويعيبون على طوائف المسلمين المخالفين لهم توجّههم واستشفاعهم وتوسّلهم لله سبحانه وتعالى بالنبي وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام وتقديمهم لهم بين يدي حاجاتهم، ويستنكرون عليهم زيارة قبور الأئمة والأنبياء والأولياء والصالحين بل ويكفّرونهم ويخرجونهم من الدين ويبيحون دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ويعتبرون كل هذا من زيارة قبور والتعبّد فيها والتوسّل بها الى الله جل وعلا وغيرها من ممارسات وشعائر عبادية ومستحبّات، يعتبرونها من المبتدعات على الإسلام والشرك والإرتداد والكفر به والتي تستلزم التكفير والقتل. ورغم تظافر النصوص القرآنية والنبوية الشرعية من ناحية، وتوافق الحوادث لشخوص ورموز تأريخية مارست ذلك من ناحية ثانية التي جميعها تبيح وتؤيّد وتوافق وتشرعن ذلك ولم تنه عنه إلّا أن المارقة وأئمة التوحيد التيمي التكفيري لم يوافقوا عليه وضربوه عرض الجدار وإعتبروها دخيلة على الإسلام، حتى أنهم: (طعنوا بكتب الأحاديث بالمباشر والتعريض بها حتى لكتب الصحاح إلا كتب البخاري ومسلم فقد رفعوها الى منزلة تفوق منزلة القرآن لدى المسلمين وكفّروا لأجله كل مَن يناقشه ويُثبت الخطأ به، ومَن يفعل ذلك فإنهم يتّهمونه بالتشيع والرفض الذي يستلزم عندهم النفاق والشرك والإرتداد المستلزم للقتل وإباحة الدم والعرض والمال*.
وقد رأى المجتمع الإسلامي بأم عينه تطبيقات ذلك في العراق وسورية وغيرها من بلدان من هدم وتفجير أضرحة وقبور ومقامات الأنبياء والأولياء والصالحين والمساجد والحسينيات فضلًا عن قتل وذبح الدواعش المارقة المسلمين الشيعة وغيرهم من طوائف وإباحة دمائهم وأموالهم وإنتهاك أعراضهم وكراماتهم لأنهم يزورون القبور او لأنهم يمارسون طقوس وشعائر عبادية معينة او لأنهم يعلّقون او يقتنون رايات وتصاوير ترمز لنبي او إمام او غيره. 
نظريًّا، رغم أنه لا يوجد أي إعتراض على معتقدات وأفكار الآخر القلبية والفكرية كونه حقّ شخصي مشروع ومن حرية الإنسان الشخصية قد أقرّته وكفلته له كل الأعراف والنواميس الشرع والدين والعلم والأخلاق إلا أن الإعتراض الذي يقوله ويقرّه كل إنسان عاقل وسوي هو على السلوك والأثر العملي الخارجي الذي يترتّب على تلك الأفكار والمعتقدات، من قتل وسفك دماء وإباحة المحرّمات: (نقول ونكرر ونؤكد على إنّنا لا إعتراض عندنا على الجوانب النظرية والنقاشات العلمية ولا إعتراض عندنا على المعتقد القلبي والفكري عند كل إنسان فهذا من الحقّ الشخصي، والحرية الفكرية الشخصية للإنسان وهو مكفول له شرعًا بالقرآن والسنة كما أنّه مكفول أخلاقًا ومجتمعًا وعلمًا وتاريخًا وإعتراضنا دائمًا على السلوك والأثر العملي الخارجي في القتل وسفك الدماء وإباحة المحرمات)*.

———————————
*الصرخي الحسني: بحث الدولة المارقة.. م1.
*مصدر سابق.

عن مركز المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

مشروعية ارتداء الألوان في الأفراح والأحزان

إعداد : علاء المنصوري المقدمــة :- كل شيء في عالم الوجود – بما فيه الإنسان …

19 تعليق

  1. مقال رائع ومثمر ومفيد حياكم الله

    • عبد الرحمن الفراتي

      الاستاذ الفاضل باسم محمد باقر
      شكرا لكم للمرور الطيب والتقييم الكريم
      امتناني لكم

  2. وفقكم الله ونصركم

  3. استاذ احمد

    احسنت البيان ودمت للمزيد ان شاء الله

  4. احمد البديري

    إن الجهل مرتعه وخيم، وعواقبه كارثية، سواءً على مستوى الفرد نفسه، أو على مستوى المجتمع، أو على مستوى العالم كله، فكلما تفشى الجهل في منطقة ما تفشت معه الأمراض المجتمعية التي تنخر في جسد المجتمع، مما يؤدي إلى إلحاق الأضرار التي قد تحتاج إلى وقت طويل حتى تختفي.

  5. لا بدّ أن يُعالج بشكل موضوعي وهادف يجتثَّ من الجذور الأُسس الفكرية التي بنى عليها الإرهاب منهجه الدموي وسياسته وأخلاقه الوحشيّة.

  6. حياكم الله احسنتم على هذا المقال الرائع

  7. محمد الطائي

    المواجهة الحتميّة، لم تكن الخيارات –العلمية والفكرية- مطروحة في الساحة الدولية سوى خيارات التسليح وإتخاذ الجانب العسكري واعتماده كحلّ من حلول المجابهة. ولم تنصت الجهات الدولية المسئولة الى خطابات المنهج الوسطي الوطني والثقافي والإستماع إليه أو على الأقل أن يؤخذ بالحلول الجذرية التي طرحها في ساحتهم التي كانت فيما لو تمّ اعتمادها والعمل بها كفيلة بالقضاء على الإرهاب وإنهائه الى الأبد.
    فما كان من مدرسة المنهج الوسطي وأُستاذها في هذا الزمان متمثّلًا بالمحقّق الصرخي إلّا أن يتصدّى شخصيًّا لمواجهة التطرّف والدولة المارقة، او ما يسمى بـ داعش الإرهابي، فناقش ضمن مجموعة بحوث موضوعية منها: الدولة المارقة منذ عهد الرسول.. و وقفات مع التوحيد التيمي.. وغيره. ناقش فيها التطرّف وأصوله: منشؤه وأساسه ورموزه ومنظّريه والمنهج الفكري والتربوي والعقيدي الذي تبنّاه ونشأ واعتمد عليه في سلوكه وعمله، مدعومة بالأدلة والأمثلة التأريخية والأصولية والإنسانية الشرعية.

  8. موفقين وبارك الله بكم

  9. الكاتب احمد الخالدي

    بفكر أرباب الوسطية و الاعتدال تنمو الثقافات و ترتقي الأمم

  10. ابو علي العراقي

    بارك الله بكم

  11. مهجنا الوسطية والاعتدال

  12. حيا الله دعاة الوسطية

  13. أبو على العراقي

    احسنتم بارك الله بكم

  14. علي الموسوي

    حياك الله على هذا المقال الرائع

  15. احسنت البيان ودمت للمزيد ان شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *