الرئيسية / مقالات وتحليلات / المنهج الوسطي، شعار وتطبيق (2-3)

المنهج الوسطي، شعار وتطبيق (2-3)

عبد الرحمن الفراتي

مفاهيميًا، الوسطية يمكن أن تكون [قاعدة كلامية] او [أداة فلسفية] ذات ميكانيكية كليّة، تعمل على كل الأفكار والظواهر المحيطة بالحدث، كونها تمتلك القدرة على المواجهة، ومجابهة كل الظروف والأزمات حتى الصعبة والحالكة منها.
يبدو أن مصطلح الوسطية ظهر أكثر علنيّة في الساحة في سياق احتدام “المواجهة” الفكرية بين التطرّف في الوقت الراهن الذي أصبح يُمارس من بعض التيارات والحركات التي تدّعي الإسلام التي ظهرت في العقدَين الأخيرَين من ناحية، وبين الباحثين ومفكّري -المنهج الوسطي- الداعين الى نبذ الإرهاب الفكري والمُسلّح بكل أشكاله من ناحية ثانية.
الوسطية، من الشعار الى التطبيق:
قبل هذا، في القرن المنصرم، لم يكن للمنهج الوسطي أي مظهر من مظاهر الوجود والحضور الفعلي في الساحة، ولم يكن شيئًا يُذكر في سجل التأثير والمواجهة الفكرية إلّا في حدود ووقائع معينة. منها كمثال على ذلك:
عندما غزا الفكر الشيوعي العراق في أواسط القرن الماضي، ومن أجل إيقاف مدّه وتحجيمه وحدّه من التفشّي أكثر في المجتمع، جوبه من قبل مدرسة المنهج الوسطي للتوعية الفكرية. حيث نزلت بكل ثقلها الى الساحة الوطنية والإجتماعية، وتجلّت بأبهى تجلّياتها متمثّلة بالمفكّر والمرجع الإسلامي السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس) فعالج قضية تفشّي الشيوعية وانتشارها في المجتمع العراقي من الأساس واقتلعها من الجذور بصورة سلمية دون الحاجة الى أي لون من ألوان التكفير والإقصاء. فأصدر مجموعة بحوث، كتب ومؤلفات علمية وفكرية كـ [فلسفتنا و اقتصادنا ووو الخ] ناقش فيها الفكر الشيوعي (نظرية وتطبيق) بموضوعية تامّة وحيادية، وعالجه بتجرّد وإنصاف وبأسلوب مبسّط، مُبيّنًا نقاط الخلل فيها وأنها نظرية غير صالحة كعقيدة يمكن إعتقادها من الناس، ويكفي رأي المفكر الصدر في الإقتصاد الشيوعي حيث يقول في كتابه فلسفتنا: إن الإقتصاد الشيوعي لم ينتبه للطبيعة البشرية، ولم يُراعي مشاعرهم وأحاسيسهم، ولم يؤمّن لهم حاجاتهم التي نادى بها بشعاراته وخطاباته النظرية، فشعر العامل بـ (الغربة) عندما راح يتقاعس ويتهرّب من العمل لأنه فقد ذاته ومعناه الإنساني وقيَمِهِ الإجتماعية، وهو يبذل جهده وطاقته، فأصطدم الشيوعيون بالواقع عندما قاموا بتطبيق نظرياتهم ألإجتماعية والإقتصادية، فبقوا يعيشون التّمنيات حتى أُتُّهِموا بالخيالية (اليوتوبيا) في الفكر.
لقد أثبت السيد محمد باقر الصدر للجمهور وللمثقّف العراقي خاصة أن الشيوعية نظرية فاشلة لا تستطيع تلبية رغبات المجتمع وحاجاته سواء الدينية او الأخلاقية او الإنسانية ولا الإقتصادية، فضلاً أنها تُخالف العرف الإجتماعي والأخلاقي للمجتمع العراقي، حتى أنه اعتبر الشيوعية مجرّد فكر لا يُعد من العقائد، وقد استطاع بالفكر وحده تثقيف المجتمع وإيقاف تمدّد الشيوعية، وإسقاطها من نظر الشارع العراقي.
وأيضًا ناقش النظريّتين الإقتصاديّتين للأنظمة الإشتراكية الشيوعية، والرأسمالية الغربية، وما هيّة الفارق بينهما من جانب، وبين المنهج الإقتصادي الإسلامي من جانب آخر، مبيّنًا ومُثبتًا ومُرجّحًا النظرية الإسلامية في الإقتصاد على تينك النظريَّتَين.

25 تعليق

  1. مثنى السماوي

    مقال هادف وجميل
    ياليت كل الكتاب هيك يعملون هكذا بحوث موضوعية مفيدة للناس
    شكراً للكاتب

  2. حيدر السلطاني

    حياك الله استاذ عبد الرحمن وحيا الله جهودك المتميزة في مناهضة الارهاب ورموزه .

    • عبد الرحمن الفراتي

      اشكر مروركم الكريم اخي واستاذي الفاضل حيدر السلطاني
      وشكرا للتقييم

  3. محسن البري

    احسنت استاذي العزيز من المؤكد ان صاحب النضرية والتطبيق يدخل الى مشاكل المجتمع على اساس المعالجة الفكرية لاعلى اساس المعالجةالعاطفية باقصاء وتكفير الاخرين بمايلائم طائفته او انتماءه الديني ويعالجها بنطاق اوسع من الشخصنة والتعصب الديني والاجتماعي بل نجد ان من قحمو انفسهم في تلك الفتاوى والرد على الفكر الشيوعي مثلا باصداره فتوى دينية وكان القضية تحتاج الى الحرمة او الحلية في استنباط الحكم من خلال الترك والفعل كالذي صرح بان الشيوعية كفر والحاد دون النظر الى المعالجة الاجتماعية والعقائدية

    • عبد الرحمن الفراتي

      شكرا استاذي العزيز محسن البري
      للمرور الطيب والاضافة القيمة

  4. مقال رائع احسنتم

  5. نعم اصحاب الوسطية والاعتدال يناقشون القضايا المهمة باسلوب سلس وبموضوعية مصحوب بالادلة الشرعية والعقلية والاخلاقية لتكون حجة على الخصم او المعترض على عكس المقابل الذي يطلق ما في جعبته من رصاص التكفير والالحاد والتطرف واشعال فتيل الطائفية التي نخرت جسد الامة …. سلمت اناملك استاذ عبد الرحمن الفراتي لكتابة هذا المقال الرائع

  6. حياكم الله يا من جسدتم الاعتدال والوسدية باوضح واروع صورها

  7. وفقت للمزيد يارب

  8. جواد العراقي

    بارك الله بكم موضوع رائع

  9. عامر الجبوري

    الشور ينقذ الشباب من الضياع

  10. أبو على العراقي

    احسنتم وفقكم الله تعالى

  11. حياكم آلله

  12. حياكم الله

  13. الله يوفقكم ويسعدكم
    يا ابناء العراق

  14. وسام العابدي

    وفقكم الله وسدد خطاكم

  15. حياكم الله يامن لم تتركو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم تتخلفو عن شعائر الله الحقيقيه

  16. كنت اتجول في عالم النت وبالصدفة وجدت هذا الموقع وهذا البحث المبهر
    الحقيقة بحث وافي وراقي وإن كان من ثلاث حلقات وكان بإمكان الكاتب أن يسهب أكثر فيه، مع ذلك فقد اختزل الكثير من القضايا والأمور حول شأن الوسطية من جهة، وسوق الأمثلة على ذلك كما في إبراز الحلول المناسبة التي طرحت من المفكر محمد باقر الصدر لمجابهة الشيوعية آنذاك من جهة اخرى.
    انا متأكد أن في جعبة الكاتب الكثير من البحوث والأفكار النيّرة النافعة والهادفة في مختلف القضايا التي من شأنها أن تنهض بالواقع الفكري والثقافي حيال الكثير من الأمور ومنها مسألة الوسطية والاعتدال.

    اتمنى ان اقرأ للكاتب بحوث جديدة
    تمنياتي له بالتوفيق والنجاح