الرئيسية / مقالات وتحليلات / المنهج الوسطي، شعار وتطبيق (1-3)

المنهج الوسطي، شعار وتطبيق (1-3)

عبد الرحمن الفراتي

ما من شك أن مصطلح –الوسطية- كان لقرون طويلة مجرد شعار تصدّر خطابات المتصدّين في أوساط مختلفة، ولم تكن قط أولوية وأساسًا ضروريًا في مشاريع بناء المجتمع ورفعته وديمومته إلا لاحقًا بعد أن دعت الحاجة والضرورة إليه، وبقي محصورًا بمستوى الخطاب والشعار الدعائي وحسب.
بعد الفحص في بعض القواميس بحثًا عن تعريف للوسطية، نخلص إلى أن كلمة وسط تدل على معانِ متعدّدة جلّها أتت من المعنى الرئيس لمفهوم الوسطية, فهي توحي إما بالتوفيق بين طرفين متباعدين, أو تجنب ما يحملانه من مغالاة أو مبالغة. وإذا جاز لنا استعارة العبارة الشهيرة التي عُرف بها المعتزلة في أصولهم فيمكن تعريف الوسطية بأنها “منزلة بين منزلتين”.
واتّسعت كذلك لتصل إلى المجال الفكري, وخاصة خلال البحث في مشكلات حضارية مهمة في العالمين العربي والإسلامي, إذ أصبح عدد من المفكرين المسلمين يُنسبون إلى التيار الإسلامي الوسطي الذي يحاول الوقوف بين تيارين أحدهما يستلهم الحل في القطع مع الماضي الديني وإتباع النموذج الحضاري الغربي, بينما يوصف الآخر بالتيار الديني المتشدّد الذي يتبنى فهما راديكاليَّا للدين، ويرى في هذا الفهم الحل الأمثل لمشكلات الأمة الإسلامية المعاصرة*
إننا نعتقد أن الوسطية، منهج أخلاقي وقيَمي يؤسس لكافة العلاقات في كل المستويات، ويرتكز الى مبدأ التوازن والاعتدال في كل شيء، وهو تحرّ للصواب في الأخلاق والتربية والسلوك والتصرف.
في المجمل الوسطية هي منهج أخلاقي متّزن، وسلوك عملي نبيل يهدف الى إشاعة الخير والسلام في المجتمع، وليست مجرّد شعارات أو خطابات فارغة، فهو أمر يبتعد عن الغلو والتشدّد والمبالغة من ناحية، ويقترب من التوازن والواقعية من ناحية ثانية، يحكم ويؤسّس للعلاقات، ويُغطّي كافة مناحي الحياة.
ولقد سار الأنبياء والمصلحون على هذا المنهج، معتبرين أنه منهج إستراتيجي أساسي وقد إعتمدوه ضمن أولويات أهدافهم ونشاطاتهم الرسالية، فلو بحثنا في التأريخ عن سرّ نجاح رسالاتهم سنكتشف أن النجاح كان معقودًا بمنهجهم الوسطي، ولو كان غير ذلك لفشلت جميع رسالاتهم.
كذلك ينبغي أن نعلَم، أن الوسطية لا تعني التنازل عن العقيدة الثوابت الدينية او الفكرية او الإنسانية او غيرها أبدًا، ولا التنازل عن القيم والمبادىء والأعراف النبيلة وإنما تتطلّب الثبات عليها والمضي قُدمًا. ذلك لأنها من المرتكزات والمفاهيم التي تستند الوسطية إليها في حيثياتها وبرامجها العملية، وبغيره لا يمكن الركون الى أي مفهوم او مسمىً آخر قد يقع ضمن طائلة التعويض عن الوسطية.
والوسطية لا تعني الإستسلام، بل العدل والوقوف في وجه الظلم، وهي دومًا الى جانب المقاومة المشروعة*.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ينظر: خالد رضوان، الوسطية في الفكر الاسلامي.
*ينظر: مروان الفاعوري، مؤتمر الوسطية.

عن مركز المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

مشروعية ارتداء الألوان في الأفراح والأحزان

إعداد : علاء المنصوري المقدمــة :- كل شيء في عالم الوجود – بما فيه الإنسان …

4 تعليقات

  1. حيدر السلطاني

    ولقد سار الأنبياء والمصلحون على هذا المنهج، معتبرين أنه منهج إستراتيجي أساسي وقد إعتمدوه ضمن أولويات أهدافهم ونشاطاتهم الرسالية، فلو بحثنا في التأريخ عن سرّ نجاح رسالاتهم سنكتشف أن النجاح كان معقودًا بمنهجهم الوسطي، ولو كان غير ذلك لفشلت جميع رسالاتهم.
    كذلك ينبغي أن نعلَم، أن الوسطية لا تعني التنازل عن العقيدة الثوابت الدينية او الفكرية او الإنسانية او غيرها أبدًا، ولا التنازل عن القيم والمبادىء والأعراف النبيلة وإنما تتطلّب الثبات عليها والمضي قُدمًا. ذلك لأنها من المرتكزات والمفاهيم التي تستند الوسطية إليها في حيثياتها وبرامجها العملية، وبغيره لا يمكن الركون الى أي مفهوم او مسمىً آخر قد يقع ضمن طائلة التعويض عن الوسطية.
    أحسنت أستاذ عبد الرحمن كلام دقيق جدًا.

  2. جلال الاعرجي

    128 زيارة تحصل عليها المقال لحد الان ولم يكلف احد من زوار الموقع او قراء المقال نفسه في كتابة تعليق بسيط يشكر الكاتب على الاقل تحفيز له للاستمرار في الكتابة وتوعية الناس , لكن اعتقد ان المجتمع العراقي والعربي لم يعد يقرأ وحتى الذي يقرأ ربما يتكاسل او يتثاقل بقراءة كل المقال وربما قرأ جزءًا منه , وهذا هو من اهم الاسباب في تأخر مجتمعاتنا ودولنا عن اللحاق بركب الشعوب والامم والدول المتقدمة والمتطورة ، ان شعوبنا اصبحت تنحدر نحو الجهل وهي لا تشعر بنفسها ولم تعد تدرك الى اين هي متجهة..؟؟؟

  3. صادق صكبان الشبلي

    نعم أحسنت صديقي أستاذ عبد الرحمن … لا بد أن تكون الوسطية منهج سلوكي للإنسانية لكي لانبقى نردد شعارات فقط وبالتالي لم ولن نحصل على أي شيء إلا الانحدار أكثر نحو التطرف

    • نعم ولكي يستقيم الانسان ويبقى مواكبا ومتجها نحو التكامل الروحي الأخلاقي لابد له ان يتطلع ويتثقف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *