الرئيسية / مقالات وتحليلات / المشورة بين السيرة النبوية وسيرة التكفيريين المارقة

المشورة بين السيرة النبوية وسيرة التكفيريين المارقة

علاء جاسم البصري

كل مجتمع سواء كان على مستوى العائلة أو على نطاق أوسع من قبيل القبيلة أو على مستوى الدولة إذا لم يكن بينهم تبادل بوجهات النظر فلا يمكن أن تكون الحياة في ظل ذلك الاستبداد حياة تطاق, حتى النبي محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” كان يسمح لجميع الصحابة بأن يبدوا آراءهم فيما يخص الكثير من القضايا الحياتية وحتى الحروب وشؤونها ففي غزوة الطائف عسْكَر النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” بالمسلمين في مُعسكَر قريب مِن حصْن العدوِّ، فأُصيب المسلمون بجراحة، وقُتل منهم اثنا عشر رجلًا، فأشار الحُباب بن المنذر بتغيير المعسكر، فكلَّفه النبي “صلى الله عليه وآله وسلّم” بذلك، فاختار الحُباب مكانًا بعيدًا لا تَصل إليه سِهام العدو، وأصبح الجيش في منطقة آمِنة؛ بفضْل تطبيق النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” لمشورة الحُباب بن المنذر “رضي الله عنه” مغازي الواقدي 3: 926

وهذه الحادثة وغيرها من الحوادث التي تؤكد عندنا على أن النبي محمد “صلى الله عليه وآله وسلّم” يريد أن يعلمنا ويربينا على التصريح بآرائنا وأن نتشاور فيما بيننا, فإذا كان يجوز إبداء الرأي في حضرة النبي وإن خالفت مشورته فبالأولى أن يكون إبداء الرأي بيننا مسألة طبيعية لا تستلزم التكفير، فهو إنما يشاورهم فيما لا نص فيه، تعويدًا لهم على التفكير في الأمور العامة ومعالجة مشاكل الأمة، ولم يحدث أن عاتب الرسول “صلى الله عليه وآله وسلم” أحدًا لأنه أخطأ في اجتهاده ولم يوفق في رأيه ومشورته.

ولكن المتطرفين من المارقة وغيرهم لا يسمحون حتى بإبداء الرأي الذي يضاف إلى باقي الآراء المطروحة, فعلى سبيل المثال لا الحصر وردت ثمانية آراء في معنى تأويل قوله تعالى : (بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) هود الآية: (86)

وقد أشار المرجع المحقق السيد الصرخي الحسني في محاضرته العقائدية السادسة ضمن سلسلة محاضرات تحت عنوان (الدولة المارقة في عصر الظهور منذ عهد الرسول “صلى الله عليه وآله وسلم”) حيث أشار السيد الصرخي إلى الأقوال التي جاءت في تأويل الآية، فقسم قالوا: ما أبقى الله لكم من الحلال، وقسم قالوا رزق الله، وآخرون قالوا: طاعة الله، وغيرهم قالوا: حظكم من الله، وآخرون قالوا: رحمة الله، وبعض آخر قال: وصية الله، ومعنى آخر ثواب الله، ومعنى ثامن مراقبة الله .

هذه ثمانية آراء، ثمانية أقوال، ثمانية تأويلات لمعنى قوله تعالى: (بقية الله خير لكم) لا يوجد محذور في هذا الاختلاف في تعدد الآراء عند المارقة, فيا ترى لماذا يكفر ويستخف بمن يأت برأي تاسع، بقول تاسع، بمقترح تاسع، باحتمال تاسع، وأنه يقصد ببقية الله هو المهدي “عليه السلام” الموعود سواء كان مولودًا أو سيولد، لماذا هذا التكفير الفكري؟ وما هذه الدكتاتورية الفكرية؟ وما هذه الألغام الفكرية والعبوات الناسفة الفكرية؟

بطبيعة الحال إن سيرة الصالحين تنأى بنفسها عن خلق أئمة المارقة الإقصائي التهميشي الإجرامي, فخطاب المارقة لا يختلف عن خطاب فرعون المعبر عنه في الآية القرآنية: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) غافر الآية(29) .

ونؤكد على أن قبول الآراء حالة إيجابية نهدف من خلال مركز المنهج الوسطي للتوعية الفكرية لترسيخ مبدأ احترام الآراء وقبول الآخر ما دام الناس منه في أمان

عن مركز المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

عجز الإلحاد من اختراق حصن مجالس الشور

الأستاذ / علاء المنصوري قد يستغرب الكثير من هذا العنوان الذي توجنا به مقالنا ، …

2 تعليقان

  1. حيدر البابلي

    بطبيعة الحال إن سيرة الصالحين تنأى بنفسها عن خلق أئمة المارقة الإقصائي التهميشي الإجرامي, فخطاب المارقة لا يختلف عن خطاب فرعون المعبر عنه في الآية القرآنية: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) غافر الآية(29) .
    حياك الله استاذ علاء البصري كلام واقعي وتحليل راقي..شكرا لجنابكم الكريم.

  2. حياكم الله و وفقكم لكل خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *