الرئيسية / مقالات وتحليلات / الحوار ضرورة إنسانية ومجتمعية

الحوار ضرورة إنسانية ومجتمعية

علي العبادي

إن مسألة الاختلاف – مهما كان نوعه وأسبابه – هو واقع قائم بالفعل ويستحيل إنكاره وأخطر مافيه أن يتحول إلى حالة عنف وعدوان وقتل وحرب وتارة يكون تحت عناوين ومقدمات موضوعية مبررة وأخرى تبريرات نختلقها لتحقيق مكاسب او نتيجة مواضيع تخفي وراءها العديد من الأسباب المنحرفة الضالة ، وقد تأخذ مسميات وعناوين جذابة ، إن الإنسان هو قيمة عليا في الوجود تميز عن سائر المخلوقات بالعقل والوعي ،وجاءت الأديان والقيم الإنسانية في بناء قيم حضارية تقود الفرد والجماعة والأمم الى التواصل وحل الإشكالات والمشاكل عبر لغة الحوار لا لغة التصادم ، وهذا مانحتاجه ..أي الحوار .. باعتباره بديل حضاري حقيقي بشرت به كل القيم ، وأصبح أمرًا مهمًا للبشرية جمعاء ، فكيف بأبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة والعشيرة والقرية والأسرة ،فذلك أجدى لهم ، فمهما طال الصراع والأختلاف لابدّ أن يقف ويعاد النظر فيه ، ولذلك بات خيار الحوار من ضروريات الحياة في عالم اليوم ، والمسلمون أولى به في هذه المرحلة المهمة من تاريخهم فلغة الحوار والشروع به قد أورثها المسلمون في عصر النبي االأقدس (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن حاول المنافقون ودواعش ذلك الزمان والمارقة تفريقهم وتمزيقهم وقد أشار القرآن الكريم الى ذلك وحث على اتباع الأسلوب العلمي والأخلاقي في الحوار ومن الأصول التي يضعها القرآن الكريم للحوار مع الآخر التزام المحاور المسلم بالأخلاق الحسنة خلال الحوار والمحاورة بالحسنى والابتعاد عن الغلظة والقسوة والعنف أثناء المناقشات.

والتي هي من أهم وأبرز أخلاقيات الحوار قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 1

فالحوار الهادئ يفتح القلوب للحق والإذعان له ويجعل الكلام يؤثر في النفس, بينما القسوة والغلظة تجلب النفور وتؤدي إلى ابتعاد الناس عن صاحب الدعوة والمحاور، ولذلك وصف الله تعالى رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بأنه بعيد كل البعد عن القسوة والغلظة فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}2

وهذه الآية الكريمة تكشف عن مفتاح مهم من مفاتيح نجاح دعوة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسيطرتها على النفوس والقلوب، وفي سيرته عليه وعلى اله افضل الصلاة والسلام أسوة حسنة لكل داع ومحاور في الالتزام بالحسنى خلال الحوار وتجنب كل أنواع الغلظة والمواقف العنيفة.

وفي آية أخرى أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بمحاورة أهل الكتاب بالحسنى فقال جل وعلا: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}3

فمن يتأمل تلك الآيات القرآنية المتعلقة بالحوار وأسلوبه ومنهجه يخرج برؤية قرآنية واضحة بأن الحوارهو السبيل السليم للتخفيف من آثار الصراع الذي فرض عليهم بصور وأشكال متنوعة وأخطرها الطائفي ،الذي يعد في واقعنا المعاصر من أخطر الأسلحة الفتاكة التي دمرت المجتمعات الإنسانية وأهلكت الحرث والنسل .

ونعتمد المنهج الوسطي المعتدل الذي من شأنه أن يوقف التدهور ويعيد البناء ويحقق الخير والنهوض الأخلاقي والإنساني للمجتمع المسلم بغض النظر عن منهجه ومعتقده ،ولكي يكون ذلك لابدّ أن يستمر الحوار مهما كان نوعه سواء مع الذات او مع الآخر سواء كنا في حالة اختلاف او خلاف بأسلوب علمي بناء يهدف الى الوحدة والتعايش السلمي وليس الى التعصب والتطرف والهلاك والدمار وإلّا ستكون النتيجة سلبية ويكون الخاسر الوحيد هو المجتمع االإنساني وما أحوجنا الى ذلك وما أعظمها من حاجة.

________________________________

1- سورة النحل الاية (125)

2- سورة ال عمران الاية (159)

3- سورة العنكبوت الاية (46)

عن مركز المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

مشروعية ارتداء الألوان في الأفراح والأحزان

إعداد : علاء المنصوري المقدمــة :- كل شيء في عالم الوجود – بما فيه الإنسان …

38 تعليق

  1. عبد الرحمن الفراتي

    الحوار الهادئ يفتح القلوب للحق والإذعان له ويجعل الكلام يؤثر في النفس, بينما القسوة والغلظة تجلب النفور وتؤدي إلى ابتعاد الناس عن صاحب الدعوة والمحاور، ولذلك وصف الله تعالى رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بأنه بعيد كل البعد عن القسوة والغلظة فقال:
    {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}

  2. علي العبادي

    نعم افضل اسلوب لاخلاص من الطائفية والتعصب هو بالحوار العلمي الاخلاقي

  3. العراقي العربي

    احسنت استاذ علي…. الحوار هو سيد الحلول لجميع الخلافات

  4. بوركت وبوركت اناملك على هذا الطرح الوسطي والمعتدل استاذ علي – يرجى من حضرتك طرح المزيد مثل هكذا مواضيع عسى ولعل ان يتفهم المتعصبين من خلال ما تطرحه من مواضيع قيمة في الحقيقه

  5. احسنت أستاذ علي وفقكم الله ونصركم

  6. بالتاكيد ان الحوار هو ضرورة ملحة للانسان وخصوصا اذا كان الحوار مبني على الادلة والفكر والعلم دون تسقيط الاخر

  7. #الشورُ_يصنَعُ_أنصارَ_الله
    تقيم هيأة انصار الامام المهدي(عجل الله فرجه)حفل بهيج بمناسبة ولادة الاقمار الشعبانية وسط الديوانية اليوم الأحد الخامس من شعبان١٤٣٩ه الموافق ٢٢من شهر نيسان٢٠١٨م
    https://www.facebook.com/Media.Diwaniya/videos/1965498863780995/

  8. حيدر البابلي

    الحوار احد أهم الركائز لانشاء مجتمع خالي من التطرف والعنف..
    مقال ممتع أحسنت استاذ….علي العبادي.

  9. الشور يصنع شباب واعي مثقف صاحب مبدأ وعقيدة

  10. احمد الحداد

    هذه الايات طبقها الغرب اللذي نسميه الغرب الكافر
    فمهما حصل بينهم الخلاف والبغضاء والكراهية والحروب فانهم يجتمعون ويجتمعون ويتحاورون ويصلون لحلول
    ونحن المسلمون اخوان اثنان من اب واحد وام واحده واحد يقتل الثاني ويذبحه من الوريد للوريد لانهمت يختلفان بالرؤية
    والنظرة والقراءة للوقائع والاحداث

  11. ربي يحفظك

  12. موفقين

  13. ابو علي العراقي

    احسنتم وفقكم الله تعالى

  14. ان عقل الإنسان هو الذي يقوده إلى بر الأمان وإلى التعقل والحكمه إذا استخدمه بصوره صحيحه ووجهه توجيها فاعلا ومؤثرة فيكون في هذه الحالة إنسانا تنطبق عليه كل مقومات الإنسان الناجح في الدنيا والآخرة

  15. ابو احمد المياحي

    احسنت استاذنا العزيز فان الاختلاف والخلاف وان وجد ولكن هذا لا يدعو الي التحارب والتقاتل ومحاولة اسكات المقابل باي وسيلة وانما يدعوا الي النقاش العلمي الهادئ الهادف

  16. احمد البديري

    هذا هو المنهج الوطني والموقف الثوري الذي لابُد أن نسير عليه ’

  17. محمد السماوي

    احسنتم مقال يستحق القراءة

  18. علي المناصر

    وفقكم الله

  19. طرح رائع

  20. أبو على العراقي

    احسنتم وفقكم الله تعالى

  21. فراس الكوتي

    فعلا فان الوسطيه الحل الوحيد من اجل القضاء على التطرف والعنف الذي للاسف اصبحه افه تفتك بشعوب المنطقه

  22. رائع جدا الله يوفقكم

  23. لقد حث القران على الحوار واهميته في المجتمع فقالت الاية الكريمة جادلهم بالتي هي احسن .

  24. موفقين ان شاء الله

  25. من يتأمل تلك الآيات القرآنية المتعلقة بالحوار وأسلوبه ومنهجه يخرج برؤية قرآنية واضحة بأن الحوارهو السبيل السليم للتخفيف من آثار الصراع الذي فرض عليهم بصور وأشكال متنوعة وأخطرها الطائفي ،الذي يعد في واقعنا المعاصر من أخطر الأسلحة الفتاكة التي دمرت المجتمعات الإنسانية وأهلكت الحرث والنسل

  26. عامر الجبوري

    هذا هو المنهج الحقيقي الاسلامي الهادف

  27. حيا الله الشرفاء المخلصين

  28. الله يوفقكم ويتقبل منكم

  29. الانسان بطبيعته اجتماعيا واهم مقومات الامجتمع هو التواصل ولا يكون الا بالحوار لنفهم بعضنا بعضا ولهذا يجب ان يكون الحوار هادف وذو جدوى …احسنتم

  30. موفقين ان شاء الله

  31. احسنت البيان استاذ علي

  32. جعفر الموسوي

    بحث بغاية الروعة …. احسن الله للباحث و وفقه الله ….

  33. ميثم الشدود

    بارك الله فيكم أخي الكريم ونسأل من الله سبحانه وتعالى الثبات الثبات الثبات على المنهج القويم وطريق الحق

  34. وفقكم الله تعالى

  35. في الحوار ينبي الانسان والوطن والحرب والسلاح يدمر الانسان والوطن

  36. احسنت استاذ علي…. الحوار هو سيد الحلول لجميع الخلافات

  37. احسنت البيان ودمت للمزيد ان شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *