الرئيسية / مقالات وتحليلات / التزاحمات بين تهور التطرف وبسالة المنهج الوسطي 

التزاحمات بين تهور التطرف وبسالة المنهج الوسطي 

علاء جاسم المنصوري

للأولويات ضوابط في حالة التزاحم, كما ويعرف التزاحم بأنه التصادم بين حكمين شرعيين في الواقع العملي, على نحو يعجز المكلف عن الجمع بينهما, فيضطر إلى اختيار أحدهما وإعطائه الأولوية التنفيذية , ويبقى الإنسان مخير بين أن يختار هذا الحكم على غيره, وكثيرًا ما يمر الواحد منا في معترك الحياة بمثل هذه التزاحمات، فمنا من يضحي بمصالحه الخاصة ورغباته النفسية لتحقيق الهدف الأسمى والغاية المنشودة ومنّا من يقدم مصالحه على المصالح العامة والمشتركة من أجل تحقيق غاياته ورغباته الضيقة, فلو رأى المتنفل –المشتغل بالنوافل– نفسًا تتعرض للخطر, كان اللازم عليه أن يوقف تنفله ليخلص تلك النفس من الهلاك، وهذه الأولوية لا تحتاج إلى نص قرآني أو حديث نبوي صحيح، بل هي طابع عقلي يلزم كل إنسان ذي لب ويحترم عقله وإنسانيته، ولربما يكون مثل هذا العمل وهو أن تُقدّم تخليص النفس التي تتعرض للخطر على استمرار التنفل لا يتعارض حتى مع توجه المجنون فضلًا عن العاقل والسوي.

ومن طريف ما يذكر هناك قصة ينقل تفاصيلها لنا الكاتب الروسي الشهير إيفان كريلوف وهو يتحدث من خلالها عن اشتراك ثلاثة في تجارة, ربحت ثروة عظيمة بعد عدة سنوات قضوها في الكد والجد والاقتصاد والحرمان، ولما حان وقت اقتسام الأرباح ليأخذ كُلٌ منهم نصيبهُ, اجتمعوا في متجرهم وحدث بينهم ما يكثرُ حدوثه في مثل هذه المناسبات في كل أنحاء العالم، وبخاصة في بلاد الشرق من الأخذ والرّدّ والمشادّة والمجادلة بخصوص حصة كل منهم, وبينما هم كذلك إذ دوّى في كلّ المكان صوت استغاثة لأنّ نارًا شبت في ذات المبنى الذي كان فيه متجرهم فقال أحدهم وقد وقف مذعورًا: هيا بنا للإسراع في إنقاذ ما يمكن إنقاذهُ، قبل أن تلتهم النار كُلّ شيء، ولنترك المحاسبة إلى ما بعد.
وصاح الثاني قائلًا: ولكني لا أتزحزح من هنا قبل أن تعترفا لي بحقي في مبلغ الألْف الذي يخصني بناءً على نص الفقرة الثالثة من البند العاشر من عقد شركتنا المسجل!!!
وعندئذ اشتدت صيحات الهلع وطلب النجدة والغوث من جميع الجهات المحيطة بالمتجر وكانت كلمة ” النار! النار!” تتكرر بصوت مفزع.
وهَمَّ الشريكان يقصدان النجاة, ولكن الشريك الثالث اعترض سبيلهما وصاح بهما قائلًا: كلا! وألف كلَّا! فلا يمكن لأحدكما أن يخرج من هنا قبل أن نرجع ما بيننا من الحساب؛ لأرى كيف جاز لكما أنْ تغمطاني حقي وتنتقصان ثلاثة آلاف من نصيبي في أرباح الشركة, ولنقعد هنا حتى نستوثق من صحة الحساب وننهي ما بيننا من خلاف قبل أنْ تفكر في مبارحة هذا المكان!!!
فأجابه الشريكان وقالا بنفس واحد: هذا كلام فارغ ونحن لا نسمح لمثلك باتهامنا بالخيانة وعدم مراعاة واجب الأمانة, وسنثبت لك من دفاترك ودفاتر الشركة أن الميزانية التي أمامنا لا يشوبها أقل شك في صحة أرقامها!!!
وكان الجدل بخصوص حساب الأرباح الّتي تخُصُّ كلًّا منهم قد أنساهم خطر النيران المحدقة بهم, فاستمرّوا في خصامهم إلى أنْ أحاطت بهم ألسنة اللّهب، فحالت دون نجاتهم، ثم التهمتهم ودفاتر حسابهم، وكل ما كان لهم من مال وسلع وعقار.
هذه القصة تشبه حال المتطرفين اليوم إذ همهم الوحيد كسب المنافع وتكفير الآخرين بعد أن صنعوا من أتباعهم المارقة مجموعات تتحرك وتسفك الدماء وتبيح الأموال والأعراض من حولهم ظانين بأنّ نار التطرف لن تحرقهم فنسوا أمر خرافتهم الأسطورية ودولتهم المارقة وإذا بها فجأة تنتهي وانتهت معها كل أكاذيبهم التي غرروا بها الناس.
بينما نجد أن قادة الوسطية وأئمة الاعتدال ينؤون بأنفسهم عن تقديم مصلحة النفس على المصالح العامة والمشتركة وخير شاهد على كلامنا أذكر حالتين عظيمتين أحدهما الرائد فيها الإمام علي (عليه السلام) والأخرى كان الرائد فيها الإمام الحسن (عليه السلام) أما فيما يخص الإمام علي (عليه السلام) وذلك من قوله المشهور إذ يقول فيه: (لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين مالم أعلم فيها ظلم إلاّ عليّ خاصة) وهنا قمة النبل وذروة الإنسانية أن يجعل الإنسان شعاره تقديم المصالح العامة على مصلحته الخاصة وإن رافق هذا التقديم الجور والأذى والألم على النفس.
والشاهد الثاني موقف الإمام الحسن (عليه السلام) لما تنازل عن الخلافة السياسية حفاظًا على بيضة الإسلام و درْءًا للفتن المهلكة, وهي بحد ذاتها حرصًا على صون الدماء ومنع استهداف حرمات الأبرياء, وهذا درس يقدمه لنا الإمام (عليه السلام) على طبق من ذهب مفادهُ: إن استلام الخلافة والإمرة السياسية لو توقفت على سفك الدماء وشياع الفوضى, فلا يصح التشبث بها والتضحية بكل ما تبقى كما هم أتباع منهج الإقصاء والتطرف .
وهذا المنهج الإقصائي قد تحدث عنه المرجع المحقق السيد الصرخي الحسني في إحدى محاضراته التي هي بعنوان (الدولة المارقة.. في عصر الظهور منذ عهد الرسول “صلى الله عليه وآله وسلّم”) وما جاء في المحاضرة الثانية من سلسلة هذه المحاضرات عن موقف التكفيريين تجاه من يختلف معهم قائلًا: 
(عند الخط الإقصائي، الخط التكفيري، الخط التسلطي القضية سهلة كما يطبق الآن، أي تجمع، أي مجتمع، أي سوق، أي مقهى، أي جامع، أي تكية، أي حضرة صوفية، أي دائرة، أي وزارة، أي ملعب، أي قاعة رياضية، أي مكان أي تجمع بكل سهولة تأتي المفخخة، الجسد المفخخ، العبوة، السيارة، الدراجة، الدابة وتفجر الناس، ويفتخرون بما يفعلون، زلزلوا الأرض من تحت أقدام الأبرياء، الرافضة أو الصوفية أو الأشاعرة أو الزيدية أو الحوثية أو المرتدين من هذا البلد أو ذاك، أو من الصحوات أو الملاحدة أو غيرها من العناوين، يفتكون بالأبرياء ويفتخرون بهذا. 
لاحظ الفرق في الجانب الأخلاقي بينهم وبين اليهود وبين النصارى، بين قوى الاستعمار، ترتكب الجريمة وتعمل بكل وسيلة وتسخر كل الإعلام من أجل أن تنفي الجريمة وتنفي التهمة عن نفسها، لا تفتخر بما تقوم به من جريمة، بل تتبرأ من الجريمة وترمي التهمة على الغير، أما هؤلاء التكفيريون، هؤلاء الدواعش، هؤلاء المارقة ماذا يفعلون؟ يفجرون بالأبرياء ويفتخرون بهذا؟ هذا هو الفرق بين من يدعي الإسلام، بين من مرق عن الإسلام، وبين من خرج عن الإسلام ومرق على الإسلام وصار شينًا على الإسلام، وصار وبالًا على الإسلام، ليس فقط نقارن هذا مع المسلم الحقيقي، مع المؤمن الحقيقي، مع السني مع الشيعي، لا نقارن مع هذا، وإنما نقارنه مع قوى الاستعمار، مع المستعمرين، مع المستغلين، مع الجيوش الكافرة ترتكب الجريمة لكن تتبرأ منها، أما هؤلاء فيرتكبون الجرائم ويفتخرون بها)
فالإصرار على فعل القبائح وارتكاب الجرائم عند هذا المنهج الإقصائي التسلطي التكفيري هو المعمول به فلا توجد عندهم أي ذرة للرحمة والإنسانية غائبة في سلوكهم الهمجي, منهجهم مواجهة الفكر والمجادلة بالتكفير ومن ثم بالتفخيخ والمجازر, وإصرارهم هذا على نشر القتل وشياع الرعب بين المجتمعات الآمنة مدعاة لتكاتف الجهود وتظافر الطاقات الوسطية وبث روح التسامح لنقطع الطريق أمام تلك الوحوش ويحل بدل الرعب الأمن والأمان لتسود المحبة والإخاء ومواجهة التطرف بمختلف مستوياته وفق المنهج الوسطي المعتدل المتزن الذي حثّت عليه الرسالات السماوية وضحى من أجله الأنبياء والصالحون.

عن مركز المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

2 تعليقان

  1. حيدر السلطاني

    فالإصرار على فعل القبائح وارتكاب الجرائم عند هذا المنهج الإقصائي التسلطي التكفيري هو المعمول به فلا توجد عندهم أي ذرة للرحمة والإنسانية غائبة في سلوكهم الهمجي, منهجهم مواجهة الفكر والمجادلة بالتكفير ومن ثم بالتفخيخ والمجازر, وإصرارهم هذا على نشر القتل وشياع الرعب بين المجتمعات الآمنة مدعاة لتكاتف الجهود وتظافر الطاقات الوسطية وبث روح التسامح لنقطع الطريق أمام تلك الوحوش ويحل بدل الرعب الأمن والأمان لتسود المحبة والإخاء ومواجهة التطرف بمختلف مستوياته وفق المنهج الوسطي المعتدل المتزن الذي حثّت عليه الرسالات السماوية وضحى من أجله الأنبياء والصالحون.
    كلام قمة في التشخيص والتحليل الواقعي.أحسنت أستاذ علاء المنصوري.

  2. علاء جاسم حنون

    شكرًا لكَ من القلب أيها الأستاذ العزيز حيدر البابلي دمت معلمًا نقيًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *