الرئيسية / مقالات وتحليلات / الاعتدال في المعيشة.. ضرورة اقتصادية وظاهرة حضارية

الاعتدال في المعيشة.. ضرورة اقتصادية وظاهرة حضارية

هادي الكناني

عندما يلتفت القارئ الكريم إلى العنوان ربما يتبادر إلى ذهنه أن الكاتب لم يأت بجديد ، ولكن بعد الاطلاع سيفرّق بين من يعطي عنوانًا عامًّا وبين من يجلب الأدلة والآيات والأحاديث والبراهين لتصديق ذلك العنوان.
قد غاب عن كثيرين أن التربية الاقتصادية للفرد والأمة مسالة في غاية الأهمية في كل زمان ومكان ، وتحديدًا هذا اللون من التربية يعتبر من ألزم الاهتمامات في عصرنا الحاضر، الذي أفرط المجتمع فيه بالاستهلاك، فحتى الطبيعة وجمالها الرباني لم تسلم من عبث المسرفين، وما نشهده اليوم من تعدي على البيئة بكل مفاصلها لهو خير شاهد على غياب عنصر التثقيف في هذا المجال، ومن الهوان أن تصمت الأفواه والأقلام عن هذه الظاهرة التي ضيّعت وتضيّع حق الماضين وحق الجيل الصاعد والأجيال القادمة، فلم يعتمدوا وسائل المعالجة بالقصد والوسط والاعتدال في الاستهلاك والبذخ والإنفاق، فأينهم عن قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان الآية: 67
فالإسراف في الاستهلاك وعلى كل المستويات يبدد الأمل في زيادة الإنتاج، ويقف حجر عثرة في طريق رقي المجتمعات، خاصة ونحن لا نراه في المأكل والملبس والمسكن وباقي لوازم وكماليات الحياة فحسب، بل صار الإسراف حتى في المحرمات والموبقات وما إلى ذلك، فيجب ان تتخذ أسرع وأنجع محاولات المعالجة بالاعتدال وبطرق متعددة، كالسعي في تحويل الإنفاق الاستهلاكي إلى إنفاق إنتاجي، 
ولعل من أبرز أسباب الانحدار نحو هاوية الإسراف الاستهلاكي، وعدم توظيف وترشيد الإنفاق البشري هو ابتعادنا عن السيرة والسنة الرائعة التي وضعت بين أيدينا أجمل المثل الأخلاقية النبوية الكريمة، فقد قال رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم”: (مِنْ فقهِ الرَجُل قَصدُه في المعيشة) وعلى سبيل المثال لا الحصر ورد في آداب الطعام أن رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” (كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعامًا لَعَقَ أَصَابِعَهُ الثَلاثَ. وقَالَ: “إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأَذَى، وَليَأُكَلها وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وأُمِرنَا أَن نسلت القصعة. قال: فَإِنَّكم لا تَدْرُونَ في أَيِ طَعَامِكُم الْبَرَكَةَ). 
ربما يستهجن المترفون والأغنياء هذا المعنى لشدّة اهتمامهم بأنفسهم وحرصهم على هيكل صورة العرف الاجتماعي الذي بات وأضحى حبلًا قابضًا على أنفاس الجمهور الوسطي، فلا ندع هذه الأحاديث تمر علينا سدًا بلا عظة ، خاصة بعد أن أصبحنا كحقل تجارب لأيام القحط والمجاعات من مخلفات الحروب .
ولعل من المفيد أن نستأنس بالشاهد التاريخي في ما أشار إليه القرآن الكريم من سورة يوسف (عليه السلام) وخطة الادخار التي وضعها للنجاة من الأزمة، من خلال الاقتصاد في الاستهلاك بالسنوات السبع الخضراء: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ) يوسف الآية: 47 ثم عاد (عليه السلام) مرة ثانية لتقليل الاستهلاك في السنوات العجاف، واستئناف توزيع ما ادخروه في السابق: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) يوسف الآية: 48- 49 
وأخيرًا نقول: إن الاعتدال والاقتصاد وعدم الإسراف والتبذير والتبديد وترشيد الإنفاق والاستهلاك لهو سنّة إسلامية حسنة وحميدة ومظهر اجتماعي واقتصادي يشير الى الحضارة والرقي والتمدن.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

3 تعليقات

  1. الاسراف صفة ذميمة ومذمومة مسبقا في صريح القران الكريم ، فلابد للمجتمع ان يفرق بين الاسراف وبين الكرم ، فلايوجد ترابط بينهم اطلاقا ، فالكرم من اجمل الصفات التي يحبها الله ورسوله واهل البيت سلام الله عليهم اجمعين ، فهم اصل الكرم والعطاء ، ولكن من الناحية الاقتصادية تجدهم سلام الله عليهم يأكدون عليها ، وخير شاهد قول أمير المؤمنين عليه السلام ؛ الأقتصاد نصف المعيشة … تحياتي للاخ الناشر الاستاذ هادي الكناني.

  2. فاطمة الموالية

    قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾(الإسراء:27)
    في هذه الآية الكريمة وغيرها من آيات الكتاب المجيد نرى أنّ الإسلام حذّر من الإسراف والتبذير إلى درجة أنه نهى عن الإسراف في ماء الوضوء حتّى لو كان على نهرٍ جارٍ. فقد ورد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّ بسعد وهو يتوضّأ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف؟ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: “نعم وإن كنت على نهرٍ جارٍ”.

    والإسراف بمعناه الواسع هو الخروج وتجاوز الحدّ في أي عمل يقوم به الإنسان، ولكنّه عادة يستخدم في النفقات الماديّة، ويختص التبذير بالحالات التي يصرف فيها الإنسان الأموال هدراً ولو كانت قليلة، بينما إذا صُرِفَ في محلِّه فلا يعتبر تبذيراً ولو كان كثيراً، ويعدُّ من الاقتصاد، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: “مَن أنفق شيئاً في غير طاعة الله فهو مبذّر ومن أنفق في سبيل الله فهو مقتصد”.

    سلمت اناملك المبدعة استاذ هادي الكناني ..تحياتي واحترامي

  3. الاعتدال يعني التوسط والاقتصاد في الأمور، وهو أفضل طريقة يتبعها المؤمن ليؤدي ما عليه من واجبات نحو ربه، ونحو نفسه، ونحو الآخرين. وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاعتدال في كل شيء؛ حيث قال: (القَصْدَ القَصْدَ، تبلغوا (أي الزموا التوسط في تأدية أعمالكم تحققوا ما تريدونه على الوجه الأتم)) [رواه البخاري وأحمد]… سلمت اناملك التي خطت هذا المقال الرائع استاذ هادي الكناني المحترم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *