الرئيسية / مقالات وتحليلات / الاعتدال في الأخلاق كنز الشمائل ومنجم الفضائل

الاعتدال في الأخلاق كنز الشمائل ومنجم الفضائل

هادي الكناني

إن سلوك الإنسان القويم وتصرفاته محكوم عليها بالوسطية والاعتدال وهذا بمشيئة الله جل جلاله، فالحكمة الإلهية اقتضت التوازن في السلوك البشري وهي بلا أدنى شك فيها مصلحة الإنسان الذي فضّله ربه على سائر المخلوقات ولفوائد جمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى.
فقد أرشد الله الإنسان إلى الاعتدال في المشي لما فيه للمرء من هيبة ووقار، وحثه على الاعتدال والقصد بالكلام لما في ذلك من جلال القدر وسلامة من سوء الخاتمة وحسن الإصغاء من المتلقي والمستمع، ونهاه عن رفع الصوت الذي يؤذي الأذن ويشتت الانتباه ويوتر الأعصاب وهذا من أجل أن يرتقي بالإنسان الى أسمى مراتب الكمال الأخلاقي والإنساني.
ومن عظمة حكمة الله أنه عبّر عن الاعتدال بالمشي والكلام بشكل حوار ونصيحة من لقمان الحكيم لابنه، وفي هذا الأمر إشارة إلى الجانب التربوي والذي يجب أن ينتبه إليه كلّ الآباء والمربين فقال جل وعلا: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) لقمان الآية 19
وفي الآية التفاتة مهمة هي إن القرآن الكريم شبه الصوت المنكر بنهيق الحمير وليس في ذلك دلالة على قبح صوت الحمار فحسب، فهنالك حيوانات أقبح وأبشع منه صوتًا كالكلب والذئب والقرد، وإنما اختير صوت الحمار مثالًا لأنه مرتفع جدًا، ودليل هذا أن أمر النهي جاء عن ارتفاع الصوت وليس عن نوع نغمته، فبملاحظة سياق الآية: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير) نرى أن تعبير (أَنكَرَ الأصوات) تعليل للأمر بالغضّ من الصوت، لأنها مسبوقة بفعل وصيغة الأمر (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِك) أي لا ترفعه واخفضه وانقص منه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة مزعج ويؤذي أُذن السامع ويسبب حالة من التوتر، إذًا فالإنكار ينسب للارتفاع الزائد لا لنوع نغمة الصوتية، فالجهر بالصوت أمر ليس بمحمود، وإنه داخل في باب الصوت المنكر. أما قوله تعالى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِك)َ أي توسط فيه والقصد ما بين البطء و الإسراع، يقال قصد فلان في مشيته، بمعنى مشى مستويًا لا يدب دبيب النمل، ولا يثب وثوب السبع.
ثم نأتي إلى الاعتدال في الكلام وعدم الكثرة أو الإفراط فيه ، فالإنسان العاقل عليه أن يجتنب الكلام الزائد عن الحاجة اللازمة، لأن ذلك يعد من الثرثرة، وقد نهى عنه النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” فقال: (إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون – الذين يتحدثون بالغريب من الألفاظ – والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون).
وجاء هذا المعنى بتفصيل آخر في خطبة الإمام علي “عليه السلام” المعروفة بالوسيلة قال فيها: (من كثر كلامه كثر خطاؤه، ومن كثر خطاؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار)
وهنا التفاتة مهمة في مقام تبيان ضرورة التوسط، انتبه عزيزي القارئ، ماهي أكثر كلمتين كررهما أمير المؤمنين “عليه السلام”؟ إنهما كلمة (كثر) وكلمة (قل) فالإكثار من شيء يتسبب القلة والتراجع في جانب آخر، ويسبب خلل في توازن المعادلة والعكس صحيح، وخير الأمور أوسطها.
وما جاء عنه “عليه السلام” أيضا في الخطبة نفسها فقال: ( العافية عشر درجات، تسعة منها في السكوت الّا عن ذكر الله، وواحدة بترك مجالسة السفهاء).
إذًا الاقتصاد في الحديث يجنب المرء الوقوع في الخطأ كما قيل: (خير الكلام ما قل ودل) فاللّبيب يصمت عن الكلام إذا رأى في صمته ثمرةً وخيرًا، وقد قال النبي “صلى الله عليه وآله وسلم”: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت)
وقيل في مدح الصمت وذم الكلام في غير حينه: (الكلام في الخير كله أفضل من الصمت، والصمت في الشر كله أفضل من الخير).
وفي خصوص المزاح وما له من مؤثرات وانعكاسات سلبية ومضار معنوية ومخلفات روحية، جاء عن أمير المؤمنين “عليه السلام” فقال: (من قل عقله كثر هزله)
وقال: (من كثر هزله استجهل) .
وقال: (من كثر مزاحه قلت هيبته) .
وقال : (من كثر هزله بطل جده) .
وقال : (من كثر مزاحه استجهل) .
وقال : (من كثر مزاحه استحمق) .
وقال : (من كثر مزحه قل وقاره) .
وقال : (من كثر مزاحه لم يخل من حاقد عليه ومستخف به) .
وقال : (كثرة المزاح تسقط الهيبة) .
وقال : (في السفه وكثرة المزاح الخرق) .
وقال : (كثرة الهزل آية الجهل) .
وقال: (كثرة المزاح تذهب البهاء، وتوجب الشحناء) .
وقال: (الإفراط في المزح خرق) .
وكذلك نرى تكرار كلمة (كثر) فنلاحظ النص الذي اشتبه فيه من فهم أنه نهي عن المزاح، بل هو بمعنى أن يسمح لك بالمزاح ولا ينهاك عنه إطلاقًا، أما المنع فجاء عن الكثرة والزيادة فيه خارج نطاق الحدود المناسبة، لأن الإمام قال لا تكثر ولم يقل لا تمزح، إذًا فهي قاعدة أخلاقية وسطية اعتدالية في استعمال جانب الطرافة في الحديث والتعامل مع الأهل والصديق والمجتمع، أي: كالملح في الزاد، إن كثر فسد الزاد وإن انعدم فسد أيضًا.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

وسطية الإمام الجواد وعدله

مقال: شيماء الموسوي الإمام الجواد : هو أبو جعفر بن علي الجواد وهو التاسع من …

16 تعليق

  1. حيدر البابلي

    بارك الله بجهودك عزيزي استاذ هادي… دائمًا وابدًا تتحفنا بما هو أنيق ودقيق..مودتي وأحترامي لجنابك الكريم.

  2. طرح جدأ موضوعي مناسب للواقع المعاش سلمت اخي اناملك

  3. حيدر المالكي

    خير الكلام ما قل ودل

  4. مقال جدا رائع احسنت اخي على هذا المقال الذي يحتوي في سطوره على العبرة والعضة والفائدة

  5. احسنت واجدت جعلها الله في ميزان حسناتك بحث شيق

  6. الدين المعاملة اي الاخلاق

  7. احمد ابراهيم

    #مفكّرو_العراق_صنّاع_المستقبل
    أئمة المارقة لم يتجهّزوا لصد خطر الغزاة!!!
    وَقَفَات مع.. تَوْحِيد ابن تَيْمِيّة الجِسْمي الأسطُوري..أسطورة (1): الله شَابٌّ أَمْرَد جَعْدٌ قَطَطٌ..صحَّحه تيمية!!!..أسطورة (2): تجسيم وتقليد وجهل وتشويش..أسطورة (35): الفتنة.. رأس الكفر.. قرن الشيطان!!!: الكلام في جهات: الجهة الأولى..الجهة الثانية..الجهة السابعة: الجَهمي والمجسّم هل يتّفقان؟!! الأمر الأوّل..الأمر الثاني..الأمر السابع: الطوسي والعلقمي والخليفة وهولاكو والمؤامرة!!!: النقطة الأولى..النقطة الثانية..النقطة الرابعة: هولاكو وجنكيزخان والمغول والتتار: 1..2..7..المورد1..المورد2..المورد8: سنأخذ صورة عن هولاكو والتتار وعن حكّام المسلمين في تلك المدة، حتى تتّضح عندنا الصورة، وتقترب إلينا الحقائق والأمور الواقعيّة التي حصلتْ بنسبة معينة: 1..2..11ـ ثم قال ابن العِبري/ (257): {{أـ وفي سنة خمس وأربعين وستمائة (645هـ)، ولّى كيوكُ خان على بلاد الروم والموصل والشام والكُرْج ايلجيكتاي، وعلى ممالِك الخَطا الصاحب يلواج، وعلى ما وراء النهر وتركستان الأمير مسعود، وعلى بلاد خراسان والعراق وأذربيجان وشروان واللور وكرمان وفارس وطرف الهند الأمير أرغون آغا، وقلّد سلطنة بلد الروم السلطان ركن الدين، وأمر بعزل السلطان عزّ الدين، وجعل داود الصغير المعروف بابن قيز ملكًا محكومًا لداود الكبير صاحب تفليس، وأمّا رسول الخليفة، فخاطبه خطاب واعد وموعد، بل واعظ ومنذر، وأمّا رسل الملاحدة، فصرفهم مذلِّين مهانين. [لاحِظ: في محفل السلطان الخليفة ولي الأمر الإمام كيوك خان المغولي لا يوجد شيعة أصلًا، لا ابن علقمي ولا نصير الدين الطوسي ولا غيرهما!!! وأمّا الإسماعيليّة، فكان لهم حضور، لكن المغول لم يكونوا راضين عنهم وعليهم، فصرفوهم مذلَّين مُهانين، وأمّا الخليفة العباسي المستعصم، فكان رسوله حاضرًا في مجلس ولي أمره المغولي، وقد خاطبه كيوكُ خطاب واعد وموعِد وواعظ ومُنذِر، فالتهديد والإنذار لخليفة بغداد ليست وليدة أحداث (656هـ) وما رافقها، بل سابقة عليها بعشر سنين منذ (645هـ) على أقل تقدير، فأي أكذوبة إذن يدّعيها ابن تيمية ومنهجه التدليسي بأنّ الخليفة يجهل حال المغول وخطرهم وتهديداتهم؟!! بل الكلام يُثبتْ أنّ خليفة بغداد حاله حال باقي السلاطين المسلمين الذين أحضرهم كيوك الذين صار حكمهم وتسلّطهم بتولية وإمضاء الخليفة الأعلى والإمام الأكبر كيوك خان المغولي، ولهذا كان كلامه مع رسول خليفة بغداد كلام آمر ومأمور ورئيس ومرؤوس!!! ومع ثبوت ذلك، فأيّة سفاهة وأي غباء وجهل وخيانة كان فيها الخليفة وابن الجوزي ودويدار وشرابي بحيث لم يتهيَّؤوا، ولم يعِدّوا العُدّة، ولم يتجهّزوا لخطر المغول الغزاة، بل وصلتْ سفاهتهم وخيانتهم إلى الحضيض بتسريح العساكر وتقليل عددهم مِن مائة ألف أو أكثر إلى عشرة آلاف أو أكثر قليلًا!!! ب..ي..]..24..المورد9.. النقطة الخامسة: حقيقة المؤامرة في سقوط بغداد وباقي بلدان الإسلام…
    مقتبس من المحاضرة {49} من بحث : ” وقفات مع….توحيد ابن تيمية الجسمي الأسطوري” بحوث : تحليل موضوعي في العقائد والتاريخ الإسلامي للأستاذ المحقق 1 / 11 / 2017 م

    https://a.top4top.net/p_772dcyak1.png

  8. موفق مقال رائع وصلى الله على خير خلقه محمد واله

  9. طرح مبارك حياكم الله

  10. طرح جدأ موضوعي مناسب للواقع المعاش سلمت اخي اناملك

  11. جيد جدا سلمت يداك

  12. اشارة رائعة واسلوب رائع من الاخ الكاتب يدل مدى عمق التدقيق والنقل

  13. احمد ابراهيم

    #العراق_ينهض_بمفكّريه_ومثقّفيه
    الخطّ العلميّ والمنهج الأخلاقيّ الإسلاميّ السليم‏ مقابل المنهج التيمي السقيم!!!
    https://www.youtube.com/watch?v=CedWWcxQ6Hc

  14. الإعتدال جوهر الإنسانية بل هو كل الإنسانية لأنه إنصاف الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *