الرئيسية / مقالات وتحليلات / إشكالية الحوار ودور المنهج الوسطي

إشكالية الحوار ودور المنهج الوسطي

المهندس حسين الكربلائي
الكلمة تمثل الأداة والوسيلة والمرآة العاكسة لأي فكر يُراد إيصاله والتعبير عنه وهذه الكلمة لها قوة في إحداث تغيرات سواء على الصعيد المعرفي أم الاجتماعي أم النفسي لأنها تختزل الأفكار وتظهرها بشكل يلائم مراد المتكلم ـ عادة ـ لذا فإنها تعد قوالب للأفكار ومراعاة هذه القوالب من حيث الشكل والمضمون وطريقة العرض هو من يحدد نجاح أو إخفاق عملية الإيصال .
لذا نجد اهتماما بالغا من قبل مختلف العلماء في كثير من المجالات في اللغة وأساليبها ومفرداتها ومضامينها وكيفية فهمها فتأسست علوما كثيرةً في ذلك منها ما يتعلق باللغة نفسها وأخرى ما تكون اللغة محورًا حيويًا وأصلًا معرفيًا لفهم أبحاث تتعلق بها .
ونحن في مقالتنا هذه لا نريد الحديث عن العلوم المتعلقة باللغة بل ما يهمنا مدخليتها ضمن الأطر الحوارية لأنها ـ أي الكلمة واللغة ـ تعد من أهم الأجزاء الحيوية في عملية الحوار بل يُعزى نجاح كثير من الحوارات أو إخفاقها إلى اللغة وأسلوب عرض الأفكار من خلالها .
وكما ـ لا يخفى ـ أن المنهج الوسطي يؤمن بثقافة الحوار إيمانا أيديولوجيا فضلا عن الإيمان بجدوائية الحوار تأريخيًا وكبديل عن لغة السلاح والعنف في طرح الأفكار والروئ. لذا أخذ على عاتقه مراعاة الأساليب الكلامية وإيجاد أسلوبًا حواريًا يحقق هدف الاعتدال في بلورة المفاهيم الإسلامية والإنسانية بدلًا من المفاهيم القمعية والإقصائية .ملتفتًا الى إشكاليات الحوار ـ التي سنستعرض جزءًا منها ـ ومحاولة تجنبها قدر الإمكان بغية خلق مناخ صحي لتنمية هذه الثقافة التي اعتمدتها السماء كوسيلة فاعلة لإرساء مناهجها العادلة في بناء الإنسان والمجتمع .
وقبل ان ندخل في بيان الإشكاليات التي تواجه ظاهرة الحوار نود أن نشير بشكل مختصر إلى تحليل الكلمة والكلام ضمن الإطار الحواري.
إن أي كلام صادر من متكلم أو كاتب يمكن أن ننظر إليه من زوايا عدة وفي كل منها ـ أي الزوايا ـ ستنكشف لنا ملابسات وظروف النص والمتكلم ومنها:
أولاـ من خلال النص يمكن أن نفهم المعنى الذي يريده المتكلم لإيصاله وذلك عن طريق فهم مداليل الكلمات والمدلول الكلي للنص.
ثانياـ من خلال النص يمكن أن نفهم المنهج الذي يرتكز عليه المتكلم ويدعو له وذلك من خلال استكشاف الأدوات المعرفية التي يؤمن بها .
ثالثاـ من خلال النص يمكن أن نعرف الحالة النفسية للمتكلم من كونه متعصب أو معتدل أو متسامح ـ بالمعنى السلبي ـ أو مراوغ ….
رابعاـ من خلال النص يمكن أن نعرف الغاية والهدف الأساسي الذي يروم إليه المتكلم والذي لم يصرح به في كلامه وإنما أشار إليه إشارة بعيدة .
خامساـ من خلال النص يمكن أن نحدد مقدار فكر وثقافة المتكلم وهل هو فاهم أو مشوش أو مضطرب أو واضح أو غامض ….
سادساـ من خلال طريقة عرض الفكر ضمن النص يمكن أن نعرف هل المتكلم طالبًا للحقيقة فعلًا؟ أو متلبسًا بزي ادعائها فقط!!!
وتوجد زوايا أخرى يمكن استفادتها من النص ـ لا مجال لذكرها الآن- وهذه الفائدة تتمثل بتحديد الأسلوب والمنهج المناسب مع الطرف الأخر للحوار، وأغلب الإشكاليات التي تتعلق بالحوار ناتجة من عدم فهم الأخر أو احتوائه بالطريقة المنسجمة، وهذا ما كان سببًا في فشل كثير من المحاورات التي عُقدت بين الأديان أو داخل المذاهب الإسلامية تحت عناوين التقريب والوحدة وما شابه ذلك..!
ويمكن أن نذكر ثلاثة نقاط نستعرض من خلالها أشهر إشكاليات الحوار وهي:
أولا ـ اعتماد البُنى المعرفية الثنائية:
إن المتحاورين كل منهما أو أحدهما يرتكز في طرح أفكاره ومناقشاته وفق مبدأ اليقين الأرسطي الذي يؤمن بمبدأ الحقانية في طرف من دون احتمال وجود ـ ولو نسبة ضئيلة ـ الحق مع الطرف الآخر، لذا تكون النتائج متقاطعة ومتباينة وربما تزيد هوة الاختلاف وتتفاقم إشكالية التقاطع ..! بينما يؤمن المنهج الوسطي باليقين الموضوعي الذي يُعطي فسحة وبادرة أمل في مراجعة كل طرف تراثه ومرتكزاته ومحاولة الوصول إلى نتائج تضمن السلم الاجتماعي من جهة مع الحفاظ على الهوية من جهة أخرى .
ثانيا ـ الأسلوب غير المناسب مع الطرف المناسب:
أغلب الحوارات ـ مع شديد الأسف ـ تبدأ بهدوء واحترام الآخر لكن تنتهي بالسَباب واللعن والتكفير عادة ..!
ومن أسباب هذه الظاهرة هو استعمال أسلوب غير مناسب سواء من حيث الشدة أو الهدوء فالألفاظ الإقصائية والتي توحي بعدم احترام الآخر لها حضور فاعل في حصول هذه الظاهرة علمًا أن القرآن الكريم أشار إلى الأصل في استعمال الأسلوب الحواري من خلال قوله تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل الآية (125) وغيرها من النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” وأهل بيته وصحابته الأكارم.
لذا نلحظ أن اللغة الخطابية التي يؤمن بها المنهج الوسطي واستعمالها مع أي طرف تكون ذات معايير قرآنية وإسلامية شدة وهدوءًا ويعد الاعتدال هو الأسلوب الحاكم على الجلسات والكتابات والمقالات والأبحاث وهذا نجده جليا في أبسط الألفاظ من قبيل اعتماد المرادفات الكلامية التي تكون أكثر ملائمة ومراعاة للجانب النفسي عند المقابل فمثلا: بدلاً من أن يقول له: كلامك خطأ يخاطبه بأن كلامك ليس صحيحًا أو ليس تامًا أو عليه ملاحظة وهكذا. فهذا الأدب الحواري يحافظ على معادلة هدوء النفس وتقبل الأفكار.
كما نجد درجة الاحترام تتجسد في المحافظة على الألقاب التي يؤمن بها الطرف الآخر وهذا من أبرز مظاهر الوسطية والاعتدال. لأن الهدف من الحوار وفق مبتنيات المنهج الوسطي هو تحقيق مبدأ: (إن لم تكن معي فأنت أخي وصديقي)..!
ثالثا ـ اعتماد المنهج الجدلي بدلاً من المنهج التعاوني:
في هذه النقطة نريد الإشارة إلى شكل آخر من أشكال الحوار لا نلحظ وجوده في المنتديات والأروقة التي تُعنى بحوار الأديان والمذاهب. فالصفة السائدة في الحوارات أنها قائمة على أساس جدلي ـ أي ـ كل طرف يطرح ما عنده ويفند ما يطرحه الآخر اعتمادا على المسلمات غالبا، وهذا الأسلوب الجدلي يتمتع بطابع الانتصار لأحد الأطراف وليس بالضرورة أن يكشف عن الحق والحقيقة لأنها ـ أي الحقيقة ـ ربما تكون مع طرف آخر خارج دائرة التحاور. لكن المنهج الوسطي يعتمد على شكل حواري أخر ليس جدليا بل يمكن أن نطلق عليه عنوان (حوارًا بحثيًا تعاونيًا) ونريد به: أن يسعى الطرفان في البحث والتعاون فيما يمتلك كل طرف للوصول إلى الحقيقة التي ربما تكون مع أحد الأطراف أو في طرف خارج دائرة الحوار..
وبناءً على هذا الأسلوب التعاوني سوف نحصل على مكاسب معرفية وأخلاقية واجتماعية من قبيل:
أـ التعاون المشترك في الوصول إلى الحقيقة أو بالقرب منها:
وهنا نجد أن الحقيقة هي الهدف الفعلي والمطلوب بدلاً من الانتصار لطرف دون آخر على حساب الحقيقة أحيانا .
ب ـ سيشعر كل طرف إنه أسهم بشكل فعلي في كشف الحقيقة وهذا الشعور أكثر مقبولية لجميع الأطراف من الناحية النفسية وأكثر فاعلية من الشعور المتحصل نتيجة الحوار الجدلي الذي يبتني على الانتصار لأحد الأطراف على حساب الثاني.
وهذا اللون نجد تطبيقاته في فعل النبي “صلى الله عليه واله” يوم أرادت قريش أن تكسو الكعبة المقدسة وكذلك فعله مع زوجاته “رضي الله عنهن” يوم سألته إحداهن من هي أكثر زوجاتك تحبها يا رسول الله ؟ .
ج ـ كما إن هذا الأسلوب ينفع في حل إشكالية الجهل بالأدوات المعرفية عند الآخر ويعد رصيدًا معرفيًا إضافيًا تستفاد منه الأطراف المتحاورة .
وفي الختام أود ذكر مثالاً توضيحيًا لأهمية هذا الأسلوب وجدوائيته في نشر ثقافة التعايش السلمي تحت مظلة الإخوة والمحبة وكيف يمتاز عن الأسلوب الجدلي من هذه الناحية، فلو حصلت مشكلة داخل الأسرة بين الأب والأم سوف تنعكس هذه المشكلة بشكل سلبي على أفراد الأسرة وبالتالي سنلحظ أن الحلول المقترحة كالآتي:
1ـ إما أن يكون الأب على حق.
2ـ أو أن تكون الأم على حق.
3ـ أو يكون كلاهما على باطل أو على حق.
4ـ أو يجلس الطرفان للبحث في أصل المشكلة وتجاوزها إلى حل من أجل الحفاظ على الكيان الأسري وهذا ما نقصده في الحوار المثمر.
ومن هذه الروحية في الحوار نستطيع أن نؤسس مرحلة جديدة في بناء الأسس المعرفية والمنظومة الدينية على الصعيد العقدي والتشريعي بشكل تعاوني مشترك يسعى الى إستكشاف الحقائق المتعلقة بالدين الإسلامي من جهة ومحققًا مبدأ التعايش السلمي من جهة أخرى كما ان هذا المنهج الحواري له القابلية على تمييز ما ألصق في المذاهب الإسلامية من مفاهيم تكفيرية التي إعتمدتها تنظيمات ما يسمى بالإسلام السياسي الذي تمخض عنه الحركات الإرهابية كتنظيم داعش والقاعدة.

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

وسطية الإمام الجواد وعدله

مقال: شيماء الموسوي الإمام الجواد : هو أبو جعفر بن علي الجواد وهو التاسع من …

تعليق واحد

  1. حيدر السلطاني

    ل طريق الاعتدال والوسطية يسير ولكن بخطى مثقلة بمخلفات عقود من الارهاب والتطرف

    شكرا لك ولجهودك النيرة …..سعادة المهندس حسين الكربلائي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *