الرئيسية / بحوث ودراسات / أزمة القول بخلق القرآن بين تصفية الحسابات وإثارة الفتن

أزمة القول بخلق القرآن بين تصفية الحسابات وإثارة الفتن

أزمة القول بخلق القرآن بين تصفية الحسابات وإثارة الفتن

 

 

علاء المنصوري

 

 

المقدمة 

    في كثير من الأحيان نجد أن المسائل الخلافية بين أبناء المذاهب يتم استغلالها من قبل الحكومات الفاسدة، السلطات المنحرفة، على مر التاريخ والأزمان , أو يتم افتعالها والترويج لها وإعادة الحياة لها من جديد من خلال ممن يعتاش على الطائفية وشياع روح التناحر بين أبناء المجتمعات ؛ حيث تجدهم يعيدون بث روح التكاره بزج المجتمع في معركة المسائل الخلافية وذلك كلما فترت حدة الاحتقان بين أبناء المذاهب بمختلف مسمياتها ؛ توجد جهات شغلها الشاغل زرع بذور الخلاف التي ما من شأنها أن تؤدي إلى التنافر والتباعد والتشظي وزياة الهوة التي حذرت منها جميع الرسالات السماوية وخاصة الرسالة التي نزلت على صدر نبينا الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الداعية إلى الوحدة والانسجام والتصالح والتسامح والتوادّ والتآلف بين جميع الأبناء بغض الطرف عن انتمائهم وأن يدرؤوا بأنفسهم عن المسائل التي تزيد من الحقن والشحن الطائفي المقيت كما هو نهج أئمة آل البيت ( عليهم السلام ) , ليتحقق مفهوم الوحدة الحقيقية ؛ لا أن يتهم البعض البعض الأخر ويكون الاتهام سلعة رائجة وشائعة يتلاقفها الأبناء عن الآباء ويصبح الجميع ضحية الدسائس والفتن المفتعلة من المخادعين وأهل المكر والمؤامرات لتبقى دكاكينهم ذات البضاعة الفاسدة الكاسدة توفر لهم مطامعهم الدنيئة ومنها البقاء فترة أطول وهم على رقاب الناس والضحية الأول والأخير المخدوعون والمغرر بهم ، حيث سنبين خلال بحثنا شواهد تدلل على افتعال الأزمات والترويج للمسائل الخلافية بصورة ملفتة للنظر من قبل الحكام ليبقى التناحر والصراع قائمًا على قدم وساق حتى ينشغل الناس بمثل هذه المسائل الخلافية ولا يتعرضون للظالم وفساده ويبقى يمارس التعسف والاستبداد والضيم والطغيان والقهر بحق المسحوقين من الرعية ؛ والأمة منشغلة بالمكيدة التي دبرت لهم ؛ وذلك من خلال التصارع والتقاتل والتكاره بينهم بما يخص المسائل الخلافية التي يثيرها من يتحكم بهم وتسلط على رقابهم، ومن خلال بحثنا هذا سنتطرق لمشكلة مسألة خلق القرآن ونبين جملة من المناقشات حول من وقف وراء إثارة هذه المسألة وما معنى القول بخلق القرآن من القول بعدم كونه مخلوقًا هذا ما سيتضح للقارئ ونترك الحكم بعد أن يتجرد القارئ عن أي أحكام مسبقة ليطلع على ما سنبينه بتجرد عن كل القبليات التي تجعل الواحد منا يميل وينحاز لما يتوافق مع ما نشأ عليه حتى وإن كان خلاف الواقع وهذا ما يعرف بالانحياز التأكيدي الذي تطرقنا له في أبحاثنا السابقة .

 

المطلب الأول
خالد القسري والجعد… اعتقاد وبدعة

 

أخذت مسألة وقضية الاختلاف بما يخص دعوى خلق القرآن جدلًا واسعًا بين عموم المسلمين , حتى أصبحت تهمة القول بخلق القرآن تتبعها نتائج خطيرة من قبيل الحكم بالقتل بأبشع أنواعه على من يثبت بحقه القول بخلق القرآن [1] , بل ويتقرب إلى الله تعالى بقتل من تثبت عليه هذه التهمة ؛ كما حصل مع الجعد بن درهم ؛ حيث قُتل بدعوى أنه كان يقول بأن القرآن مخلوق , ولقوله : استوى في الآية المباركة ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [2] هي بمعنى استولى ؛ كما أشار إلى ذلك ابن تيمية حيث يقول : (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم) [3]
ولهذه المسألة شخصيات عدة لعبت دورًا بارزًا فيها لذا سيكون حديثنا في نقطتين:

أولًا: الجعد بن درهم 
جاء في ترجمته كما ينقل عن تاريخ دمشق لابن عساكر على أنه كان أول من قال بخلق القرآن , وكان من سكنة دمشق , وقد تتلمذ على يديه أحد خلفاء بني أمية آخر خلفائهم في دمشق مروان بن الحكم الذي يلقب بـ مروان الجعدي نسبةً للجعد بن درهم ، وقيل إنه – الجعد بن درهم – كان من أهل حرّان ، وأما من قتل الجعد بن درهم هو خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى، بدعوى أنه أول من أظهر القول بخلق القرآن في أمة محمد، فطلبه بنو أمية فهرب من دمشق وسكن الكوفة، ومنه تعلم الجهم بن صفوان بالكوفة خلق القرآن ، وهو الذي تنسب الجهمية إليه، وقتله سلم بن أحوز بأصبهان. [4]

أـ مقتل الجعد بن درهم
أيضًا ينقل في تاريخ دمشق لابن عساكر عن الأسباب التي أدت لمقتل الجعد بن درهم ؛ على أن بشر المريسي كان قد أخذ القول بخلق القرآن من جهم بن صفوان، والجهم بن صفوان أخذه من الجعد بن درهم، وأخذه جعد بن درهم من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد ، وأخذه طالوت من لبيد بن أعصم، اليهودي الذي سحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) , وكان لبيد يقرأ القرآن، وكان يقول بخلق التوراة، وأول من صنّف في ذلك طالوت، وكان طالوت زنديقًا وأفشى الزندقة، ثم أظهره جعد بن درهم، فقتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة ، وكان خالد واليًا عليها، أتي به في الوثاق حتى صلى وخطب، ثم قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحّوا تقبل الله منا ومنكم، فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول ما كلّم الله موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوًا كبيرًا، ثم نزل وحزّ رأسه بيده بالسكين . [5]

ب ـ حز الرؤوس والتأييد العلمائي من قبل المارقة :
وهذا الفعل الشنيع من قبل القسري لما أقدم على حز رأس الجعد يعتبر بدعة ؛ لأن جريمة حز الرؤوس بحجة تهمة الاعتقاد بقول: أن القرآن محرف ليست من الدين والأخلاق في شيء ؛ بل ولم يثبت لها أصل من خلال أفعال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأيضًا لم يثبت على الإطلاق أن النبي قام بمثل ما فعله والي الكوفة خالد بن عبد الله القسري بحق الجعد بن درهم , ولا حتى الصحابة لم يقوموا بمثل ما قام به القسري , فمن أين جاء القسري بهذا الحكم وعلى أي دليل استند عندما حز رأس الجعد بن درهم ؟!.
والغريب أن تجد جملة من العلماء المتقدمين والمتأخرين يعتبرون فعل خالد بن عبد الله القسري فعلًا حسنًا لم يسبقه إليه سابق وفعلته [قتل وحز رأس الجعد] من الصفات الحميدة والحسنة , وهذا دليل على إن ما قام به القسري هو بدعة في الدين ما دام لم يسبقه إلى مثل هذا الفعل أحد , أليس أن كل بدعة في النار , فكيف أصبحت هذه البدعة فعل حسن وبالسابقة الحميدة ؟.
ومن جملة من امتدح القسري على فعلته وعدها بالسابقة الحميدة والمنقبة التي يعجز أن يأت بها غيره ممن سبقه من الأمراء هو العالم الخراشي حيث صرح بذلك العالم سليمان بن صالح الخراشي في مقال له بعنوان : مابالُ أقوامٍ لم يدَعوا لنا خالدًا القسري ؟!
يقول بعد أن ذم الخراشي من يشنع على القسري بما قام به يردّ عليهم مادحًا خالد القسري بقوله :”تفرد – القسري – من بين الأمراء بقصبه لرؤوس الزنادقة ، وهذه منقبة يعجز عنها فئامٌ من الأمراء ” بل وإن صاحب كتاب التنكيل للمعلمي اليماني يصرح على إن ما قام به القسري بقتل الجعد قد يبلغ أجرها عند الله أكثر من لو ضحى الرجل بألف أضحية وأن خالدًا أبعد عن الأثم كما نص على ذلك الشيخ المعلمي اليماني في كتابه التنكيل مبررًا ما قام به القسري بحق الجعد بن درهم قائلًا: “فإن قيل: لكن يظهر من القصة أن خالدًا لم يضحّ، بل اجتزأ بذبح الجعد، قلت: ليس ذلك بواضح، وكان خالد يذبح كل يوم عدة ذبائح، وهب أنه لم يضحّ ذاك اليوم، فغاية الأمر أن يكون اجتزأ بإقامة ذلك الحد من جهة كونه قربة إلى الله عز وجل وإقامة حد من حدوده، والأضحية عند جمهور أهل العلم ليست بواجبة، فلا إثم على من تركها، فإن كان مع تركه لها قد قام بقربة عظيمة ورأى أن ما يفوته من أجر الأضحية وإقامة الشعائر بما يجبره ما يرجوه على تلك القربة الأخرى فهو أبعد عن الإثم، ولو ضحى الرجل ألف أضحية لما بلغ من أجرها وإقامة الشعائر بها أن توازن إقامة الحد على الجعد، وإماتة فتنته ” . [6]

 

ثانيًا: خالد بن عبد الله القسري 
بعد إن بينًا خلال ما تقدم أن خالدًا أقام الحد على الجعد بن درهم لأنه يقول – الجعد – بأن القرآن مخلوق ؛ وهذا الفعل يستحق أن يقام بسببه الحد على الجعد عند البعض كما أشرنا لبعض منهم ؛ بل ويعدونها من حسنات القسري , والتضحية بالجعد بعد أن حُز رأسه كما تحز رؤوس الأضاحي هذا الفعل لا يبلغ أجره عند الله فيما لو ضحى المسلم بألف أضحية , بل وهي من المناقب التي يعجز عنها فئام من الأمراء , وفعلةً لم يسبقه إليه سابق ؛ ولكن في الحقيقة إن كانت فعلته بحز رأس الجعد لم يسبقه إليها سابق إذًا فهي بحد ذاتها بدعة , وإلّا لماذا لم يقم بها النبي والأئمة والصالحين والصحابة والخلفاء من قبل خالد بن عبد الله القسري ؟ هل القسري أصبح على الدين وتطبيق الحدود أحرص من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟! أو أن القسري أفضل من الصحابة والخلفاء في تطبيق الحدود على الآخرين ؟! وهل أن القسري كان طائعًا لله محترمًا للمقدسات ومطبقًا للتعاليم الإسلامية حتى يفعل ما يفعل بدافع ديني وخوفٍ على الإسلام من الأفكار المنكرة؟! وحتى لو كان من الطائعين لله لما حق له أن يأت ببدعة ويقتل إنسانًا لمجرد أنه يقول بخلق القرآن أو يجتهد في تأويل آية ويقول أن الله استوى على العرش بمعنى استولى وليس قاعدًا على العرش كما يفهم أهل التجسيم والتشبيه .
ولمعرفة أحوال قاتل الجعد لا بد أن نقف على جوانب من حياته لنتعرف عليه أكثر ونرى هل ما قام به كان نتيجة حرصه على إقامة الحدود ونشر التعاليم الإسلامية أو أنه أصلًا غير ملتزم دينيًا بل هو إنسان متهتك ؟
فقد جاء في ترجمته في سيرأعلام النبلاء للذهبي: 
هو أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز البجلي القسري الدمشقي أمير العراقيين لهشام وولي قبل ذلك مكة للوليد بن عبد الملك ، ثم لسليمان .
روى عن أبيه ، وعنه سيار أبو الحكم ، وإسماعيل بن أوسط البجلي وإسماعيل بن أبي خالد ، وحميد الطويل , وقلما روى له حديثًا في ” مسند أحمد ” ، وفي ” سنن أبي داود ” حديث ، رواه عن جده يزيد ، وله صحبة . 
ويقول الذهبي متحدثًا عن القسري بأنه كان جوادًا ممدحًا معظمًا عالي الرتبة من نبلاء الرجال ، لكنه فيه نصب معروف ، وله دار كبيرة في مربعة القز بدمشق ، ثم صارت تعرف بدار الشريف اليزيدي ، وإليه ينسب الحمام الذي مقابل قنطرة سنان بناحية باب توما .
قال يحيى الحماني : قيل لسيار : تروي عن مثل خالد ؟ فقال : إنه أشرف من أن يكذب .
قال خليفة بن خياط : عزل الوليد عن مكة نافع بن علقمة بخالد القسري سنة تسع وثمانين ، فلم يزل واليها إلى سنة ست ومائة ، فولاه هشام بن عبد الملك العراق مدة إلى أن عزله سنة عشرين ومائة بيوسف بن عمر الثقفي .
وقال القاضي ابن خلكان : كان يتهم – القسري – في دينه ؛ بنى لأمه كنيسة ، تتعبد فيها وفيه يقول الفرزدق : 

ألا قبح الرحمن ظهر مطية … أتتنا تهادى من دمشق بخالد 
وكيف يؤم الناس من كان أمه … تدين بأن الله ليس بواحد 
بنى بيعة فيها الصليب لأمه … ويهدم من بغض منار المساجد [7]

ومن خلال ترجمة خالد القسري نقول :
تبيَّن بأن خالدًا القسري يقع في ذكر الإمام علي ( عليه السلام ) بما لا يحل ذكره , وهذا بحد ذاته بغض لشخص الإمام علي ( عليه السلام ) , والمعروف أن من يبغض أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) يصنف على إنه من النواصب , كما جاء في ترجمته في سير أعلام النبلاء على أن القسري فيه نصب معروف , أي لم يكن نصبه العداء للإمام علي ( عليه السلام ) وبغضه له بشكل مخفي ؛ بل من المسائل المعروفة كما أشار لذلك الذهبي , والواضح من خلال ما جاء في مصادر متعددة ومنها في مسند الإمام أحمد أن النبيّ محمد ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) يقول : (يا عليّ لا يبغضك إلاّ منافق) [8] ومن خلال هذا الحديث وغيره من الاحاديث يثبت وبدلالة واضحة أن القسري من المنافقين لأن القدح وذكر الإمام علي بما لا يحل ذكره كما سنشير ومن خلال اعتراف الذهبي على أنه – القسري – فيه نصب معروف لا نحتاج إلى أيّ جهد لإثبات كونه من المنافقين , فالقسري منافق بامتياز كما ذكر الذهبي !

 

المطلب الثاني
بدع خالد القسري وتبريرات المارقة

هل حقًا القسري لما قتل الجعد بتلك الطريقة الوحشية كان حرصًا منه على نشر الإسلام الصحيح والتعاليم القويمة وخوفًا على المسلمين من انتشار العقائد الفاسدة ، أو أن القسري أصلًا لا يعبأ بالدين ولا برسالة سيد المرسلين وقام بجريمته المنكرة بحز رأس الجعد لأسباب لا تمت للدين بأي صلة ؛ بل ربما لأغراض سياسية وتصفية حسابات؟ وهل الإسلام وتعاليم الإسلام تسمح بأن يتم الحد على أي إنسان بمثل هذه الوحشية وفي هذه المناسبة ؟! وهل أن القسري ( صاحب منقبة حز رأس الجعد ) من الموالين والمحبين للصحابة الأجلاء والسابقين وممن يحترم المقدسات الإسلامية كما هو حال باقي المسلمين؟ .
يمكننا أن نقتصر على معرفة خالد القسري والجواب عن كل تلك الأسئلة من خلال ما جاء في ترجمته في سير أعلام النبلاء فهي كفيلة ببيان حال وواقع وحقيقة القسري حيث جاء في سير أعلام النبلاء ما يفصح عن حال وواقع وحقيقة القسري نذكرها على نقاط :

أولًا: القسري يقع في علي أبن طالب عليه السلام:
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: خَالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ القَسْرِيُّ رَجُلُ سُوءٍ، يَقعُ فِي عَلِيٍّ.
وَقَالَ فَضْلُ بنُ الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ القَسْرِيَّ يَقُوْلُ فِي عَلِيٍّ مَا لاَ يَحِلُّ ذِكْرُهُ. [9]

ومما يؤكد ذلك ما ورد في البداية والنهاية في أحداث سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ أَنَّ زَيْدًا بْنُ عَلِيٍّ وَفَ‍دَ عَلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ: هَلْ أَوْدَعَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ عِنْدَكَ مَالًا؟ فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: كَيْفَ يُودِعُنِي مَالًا وَهُوَ يَشْتُمُ آبَائِي عَلَى مِنْبَرِهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ؟ ! فَأَحْلَفَهُ أَنَّهُ مَا أَوْدَعَ عِنْدَهُ شَيْئًا، فَأَمَرَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِإِحْضَارِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ مِنَ السِّجْنِ، فَجِيءَ بِهِ فِي عَبَاءَةٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أَوْدَعْتَ هَذَا شَيْئًا نَسْتَخْلِصُهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا، وَكَيْفَ وَأَنَا أَشْتُمُ آبَاءَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ؟ !

ثانيًا: القسري يصف بئر زمزم بأمِّ الخنافس:
بئر ماء زمزم له خصوصية عند جميع المسلمين لاعتبارات كثيرة منها لكونها من المياه التي تنضح بمياه عذبه في مكان مقدس ألا وهو بيت الله الحرام فماء زمزم الذي يتبرّك به جميع المسلمين يعتبر له مكانة وقدسية عندهم , إضافة إلى أن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال عنها بأنها ماء مباركة ؛ وهذا كاف بالنسبة لأهمية هذه المياه التي اختصت بإشادة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؛ بينما القسري يعبر عنها بأنها أُم الخنافس !!!
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: خُبِّرتُ أَنَّ القَسْرِيَّ ذَمَّ زَمْزَمَ، وَقَالَ:
يُقَالُ: إِنَّ زَمْزَمَ لاَ تُنْزَحُ وَلاَ تُذَمُّ، بَلَى -وَاللهِ- إِنَّهَا تُنْزَحُ وَتُذَمُّ، وَلَكِنْ هَذَا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ قَدْ سَاقَ لَكُم قَنَاةً بِمَكَّةَ.
قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيْلُ: سَاقَ خَالِدٌ مَاءً إِلَى مَكَّةَ، فَنَصَبَ طِسْتًا إِلَى جَنْبِ زَمْزَمَ، وَقَالَ: قَدْ جِئْتُكم بِمَاءِ العَاذِبَةِ لاَ تُشبِهُ أُمَّ الخَنَافِسِ -يَعْنِي: زَمْزَمَ-. ( نفس المصدر أعلاه .. سير أعلام النبلاء ترجمة القسري )

ثالثًا: خالد القسري يهدم الكعبة!!
وأما فيما يخص موقف القسري من مكة وبيت الله الحرام كان له موقفًا سلبيًا منتهكًا لقدسيتها : حيث جاء عن حادثة تهديده لهدم بيت الله – الكعبة – فيما لو صدر له الأمر بذلك كما في الرواية ونصها : سَمِعتُ عُمَرَ بنَ قَيْسٍ يَقُوْلُ: لَمَّا أَخَذَ خَالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ سَعِيْدَ بنَ جُبَيْرٍ وَطَلْقَ بنَ حَبِيْبٍ، خَطَبَ، فَقَالَ: كَأَنَّكُم أَنْكَرتُم مَا صَنَعتُ، وَاللهِ لَوْ كَتَبَ إِلَيَّ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، لَنَقَضتُهَا حَجَرًا حَجَرًا -يَعْنِي: الكَعْبَةَ-. [10]
هذا موجز عن أحوال خالد القسري فكيف يتم تبرير أفعاله بقتل الآخرين بحجة القول بخلق القرآن أو غيرها من الأقوال التي لم يثبت أنها صدرت عنه أو يتبناها أصلًا , وحتى لو تنزلنا وقلنا أن الجعد كان يقول بخلق القرآن فهل يصح أن يفعل به كما فعل خالد بحز رأسه ويضحي به كما يضحى بالشاة أو البقرة ؟! ومن يكون تعامله مع هذه الثوابت بهذا الشكل هل يحق له أن يتكلم باِسم الإسلام ويتقرب إلى الله تعالى بحز الرؤوس ويبدل السنن ويضحي بالإنسان بدل الشاة والأبقار , وهل من يفعل ويرتكب مثل هذه الجريمة التي لا سابق لها يستحق المدح والثناء ويعد ما فعله بأنه من الحسنات وإن ما قام به كان منقبة يعجز عنها فئامٌ من الأمراء ؟!
هذا حال وواقع القسري في تعامله مع الإمام علي ( عليه السلام ) كان القسري يذكره بكلام على حد تعبير بن الزبير لا يحل ذكره لشناعته وقبحه !!! بمعنى أن القسري يبغض الإمام علي ( عليه السلام ) والذهبي يقول: إن ما فعله خالد القسري بحق الجعد بن درهم هي من حسناته !! عن أي حسنات يتحدث الذهبي لينسبها للقسري والنبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول : (حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة) [11] فحتى لو تنزلنا وقلنا بأن ما فعله القسري بحق الجعد حسنة كما قال الذهبي إلّا إنها لا تنفعه لأنه من المبغضين للإمام علي ( عليه السلام ) فيا ذهبي ويا خراشي ويا بن تيمية ويا كل من يمتدح القسري على فعلته الشنعاء بحز رأس الجعد بن درهم المنافية لتعاليم السماء والبدعة التي ابتدعها بحز رأس بن درهم ويتقرب بهذا الفعل إلى الله تعالى بدل الأضاحي هل غفلتم عن حال وحقيقة القسري وموقفه من الإمام علي عليه السلام؟!! وإذا كان يتعامل مع أخي وابن عم رسول الله وأمير المؤمنين على هذا النحو فكيف يتعامل مع من هو دونهم منزلةً وقدرًا وسابقةً في الإسلام ؟! في الحقيقة لا توجد أي حرمة عند القسري لخليفة المسلمين الإمام علي ( عليه السلام ) لدرجة يذكره بكلام يقدح به فاحش وهذا قدح بشخص إمام المسلمين والخليفة الإسلامي , والغريب يُمتدح ويعد فعله من الأفعال التي لو ضحى الرجل ألف أضحية لما بلغ من أجرها وإقامة الشعائر بها أن توازن إقامة الحد على الجعد !!.

 

المطلب الثالث
المأمون وخلق القرآن

سيكون الكلام في نقطتين:

أولًا: المأمون يدعو الناس إلى القول بخلقِ القرآن
نحن نعلم أن السياسة الانتهازية على مر التأريخ دائمًا ما تستغل المسائل الخلافية بين أبناء المجتمع فيما لو أرادت أن تغطي على فشلها أو لتحقيق بعض المآرب الدنيئة ؛ وخاصة فيما لو أرادت من وراء تلك الخلافات زيادة حدة الضغائن بين أبناء المذاهب الإسلامية ؛ يؤكد ابن تيمية في صواعقه على أن المأمون بعد توليه الخلافة أرسل إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتابًا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد؛ ثم كتب -المأمون- كتابًا ثانيًا يأمر فيه نائبه إسحق بن إبراهيم بتقييد من لم يجبه للقول بخلق القرآن وإرساله إليه. [12]
في أحداث سنة (218 هـ ) مائتين وثمانية عشر هجرية في أحداث هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدثين بالقول بخلق القرآن !! ومضمون الرسالة التي كتبها المأمون الاحتجاج على أنّ القرآن محدث وليس بقديم وعنده أن كل محدث فهو مخلوق وهذه من المسائل التي لا يتفق عليها الكثير من المتكلمين والمحدثين ، وهذه الدعوة بمعنى أنها ستكون من الأسباب لزيادة حدة التوتر بين أبناء المذاهب الإسلامية بين المنكرين للقول بخلق القرآن وبين المؤيدين .
وكان المأمون قد طلب مع كتابة الرسالة إلى نائبه بالتعيين لجماعة من المحدثين ليحضرهم إليه ؛ ولبى نائبه الدعوة فبعث بهم إلى المأمون إلى الرقة , فامتحنهم بالقول بخلق القرآن , فأجابوه إلى ذلك وأظهروا موافقته وهم كارهون , فردهم إلى بغداد وأمر بإشهار أمرهم بين الفقهاء , ففعل إسحاق بن إبراهيم ذلك , وأحضر خلقًا من مشايخ الحديث والفقهاء والقضاة , وأئمة المساجد وغيرهم فدعاهم إلى ذلك , فأجابوا بمثل جواب أولئك موافقة لهم , ووقعت بين الناس فتنة عظيمة , فإنا لله وإنا إليه راجعون . [13]
ومن ثم لم يكتفِ المأمون بما أحدثه من فتنة وتأجيج الخلاف بما يخص دعوته الأولى , حيث كرر الدعوة فكتب كتابًا ثانيًا إلى نفس نائبه إسحاق بن إبراهيم أمره أن يقرأ ذلك على الناس وأن يدعوهم إليه وإلى القول بخلق القرآن … إلى أن يقول ابن كثير معلقًا على الكتاب الثاني بقوله : ووقعت فتنة صماء ومحنة شنعاء وداهية دهياء , فلا حول ولا قوة ألا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم . [14]

وبعد أن لبى نائب المأمون وبعث بجملة من المحدثين والمتكلمين وكتب عن كل واحد منهم جوابه بعينه ( بما يخص إقرارهم للقول بخلق القرآن ) وبعث به إلى المأمون فجاء الجواب بمدح النائب على ما فعل , وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضًا , فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس , ومن لم يجب منهم إلى القول بخلق القرآن فابعث به إلى عسكر أمير المؤمنين مقيدًا محتفظًا لبه حتى يصل إلى أمير المؤمنين فيرى فيه رأيه ومن مذهبه أن يضرب عنق من لم يقل بخلق القرآن فعقد الأمير ببغداد مجلسًا آخرًا , وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم ابن المهدي وكان صاحبًا لبشر بن الوليد الكندي, وقد نص المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور فلما امتحنهم إسحاق بن إبراهيم ثانيًا بعد قراءة كتاب الخليفة أجابوا كلهم مكرهين متأولين [15]
وأيضًا في وصيته – المأمون – لخلفه المعتصم بالله أكد عليه على أن يواصل العمل بهذه المسألة مسألة خلق القرآن !! وكتب وصيته بحضرته وبحضرة ابنه العباس وجماعة القضاة والأمراء والوزراء والكتاب, وفيها القول بخلق القرآن , وأوصاه أن يعتقد ما كان يعتقده أخوه المأمون في القرآن وأن يدعو الناس إلى ذلك !! [16]

ثانيًا: تساؤلات
وهنا نتساءل: لماذا قام المأمون بمراسلة ولاته على الأمصار وقادة شرطته بالترويج لمسألة القول بخلق القرآن خلافًا لمنهج من سبقه من الخلفاء وخلافًا لما عليه الرشيد وأخيه الذي قتله من أجل الاستحواذ على كرسي الحكم ؟ ولماذا أكد المأمون على مسألة خلق القرآن في وصيته لأخيه المعتصم بالله قبل موته وجعلها من أبرز أهتماماته ووصاياه ودونها في كتاب الوصية بحضور جمع من ثقاته وولاته كما أشرنا ؟! ولماذا جعل العلماء والمحدثين يقولون: بأن القرآن محدث ومخلوق تحت تهديد السيف ؟ فهل يريد المأمون أن يجذر لهذه المسألة الخلافية بين علماء المذاهب ؟ أم هل يريد أن يجعل علماء المذاهب تشير بأصابع الاتهام صوب الإمام الرضا ( عليه السلام ) بعد أن قربه المأمون وزوجه ابنته ؛ حتى يدخل ضمن المحتملات إن وراء شياع مسألة القول بخلق القرآن الإمام الرضا ( عليه السلام ) ؟ أم هل يرجع سبب تأكيد المأمون في وصيته لأخيه بسبب ما حققته هذه الفتنة التي أثارها بالقوة من نتائج تصب في صالح خلافته وخلافة أخيه المعتصم؟ أو إنّ بقاء الفتن قائمة أبعد عن المأمون شبح تهديد خلافته من قبل الناس المضطهدين أو من قبل قيام الثورات من جهات أخرى وهي تجربة حققت للمأمون غايات وإن كان تحقيقها على حساب الأمة ووحدتها , لذا يحتمل إنه أراد أن يكرر هذه التجربة في حكم أخيه؟ .
وهذه المحتملات كلها واردة وتتأكد مع جمع القرائن بخصوص ما قام به المأمون أثناء صراعه مع أخيه من أجل السيطرة على الخلافة بصورة تامة وهذه الصراعات والنزاعات بينهم هي التي أدت لمقتل أخيه الأمين ، دخلت سنة سبع وتسعين ومائة استهلت هذه السنة وقد ألح طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين ( وهما من قادة المأمون أرسلهم لبغداد لأخذ البيعة من أخيه الأمين ) في حصار بغداد والتضييق على الأمين، وضاق الأمين بهم ذرعًا، ولم يبق معه ما ينفق في الجند، فاضطر إلى ضرب آنية الفضة والذهب دراهم ودنانير، وهرب كثير من جنده إلى طاهر، وقتل من أهل البلد خلقًا كثيرًا، وأخذت أموال كثيرة منهم، وبعث الأمين إلى قصور كثيرة ودور شهيرة مزخرفة وأماكن ومحال كثيرة فحرقها بالنار لما رأى في ذلك من المصلحة فعل كل هذا فرارًا من الموت ولتدوم الخلافة له فلم تدم , وقتل وخربت دياره ! [17]

هذا حال المأمون الذي أرسل الجيوش من الشام لبغداد لأخذ البيعة من أخيه تحت تهديد السيف وتعريض البلاد للضرب بالمنجنيق وبث الفتن وقتل الناس , كل هذا جائز عند المأمون من أجل أن يبقي على خلافته وأمرته من دون منازع حتى وإن كان طرف النزاع أخوه !!
الآن نسأل بعد إن أوضحنا تعامل المأمون مع أخيه بهذه الطريقة الّا يكون من المرجح والمحتمل أن ما قام به من الترويج لمسألة القول بخلق القرآن ترجع للأسباب والمحتملات التي أشرنا إليها قبل قليل , التي ما من شأنها أن تبقى الفتن قائمة ليبتعد عنه شبح تهديد خلافته من قبل الناس المضطهدين أو من قبل قيام ثورات للإطاحة بخلافته وسلطته.
لأن من يفعل مع أخيه بمثل ما فعل المأمون يصدر منه كل شيء وإشاعة الفتن والعمل من أجل إسقاط الخصوم يكون أمرها هينًا حتى وإن كان شياع القول بمثل هذه المسألة الخلافية من أجل أن يشار بالاتهام للإمام الرضا ( عليه السلام ) وإن كان الإمام ابن عم للمأمون , فأن المأمون فعل ما هو أشنع مع أخيه الأمين حيث تسبب بمقتله شر قتله .

المطلب الرابع
النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والقول بخلق القرآن

    هناك من يسرد جملة من الأدلة التي تؤيد القول بأن القرآن غير مخلوق , ومن ضمن هذه الأدلة ما يشير به إلى أن النبي محمدًا ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) يقول أن القرآن غير مخلوق ! وفي الحقيقة هي أدلة واستدلالات غير صحيحة ولا يمكن أن يثبت من خلالها أن النبي محمدًا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع القائلين بأن القرآن غير مخلوق وهذا ما سنبينه والحُكم للقارئ الكريم : الدكتور الشيخ عبد العزيز بن محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الله العبد اللطيف الباهلي [18] في مقال له بعنوان ” لِمَ كان القول بخلق القرآن كفراً؟ ” من ضمن الأحاديث التي يستدل بها على القول بأن القرآن غير مخلوق هو : حديث خولة بنت الحكيم – رضي الله عنها – قالت: سمعت رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلّم” يقول: «من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، لم يضرَّه شيء حتى يرحل من منزله ذلك [19]» . يقول الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف : فكلمات الله غير مخلوقة؛ إذ لا يُشرَع الاستعاذة بمخلوق، وإنما يستعاذ بالله – تعالى – وبأسمائه وصفاته. وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” قال: «فَضْل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه[20]» يعلق الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف على الحديث بقوله : فلو كان كلام الله مخلوقًا لم يكن فضل ما بينه وبين سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وليس شيء من المخلوقين من التفاوت في فضل ما بينهما كما بين الله وبين خَلْقِه» . في الحقيقة من الغريب جدًا أن ينسب إلى النبي القول بأن القرآن غير مخلوق استنادًا لمثل هذه الأدلة فالحديث الذي يقول : أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، لم يضرَّه شيء حتى يرحل من منزله ذلك . لا يفهم من هذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق ولا يفهم من هذا الحديث على أن كلام الله هو ذات الله كما فهم من ذلك الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف كما تقدم . بينما ما جاء في الحديث كلمات الله التامات تدل على أن القرآن مخلوق بخلاف ما ذهب إليه الدكتور العبد اللطيف وذلك للمغايرة بين الله سبحانه وتعالى وبين كلامه والمغايرة تعني أن الكلام يكون من صفاته الفعلية لا الذاتية والصفات الفعلية حادثة بمعنى إنها لم تكن ثم كانت , وليس كما فهم الدكتور العبد اللطيف من أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول بعدم كون القرآن مخلوقًا

المطلب الخامس
الصحابة وأهل بيت النبوة وخلق القرآن

وسيكون الكلام بنقطتين:

أولًا: الصحابة وخلق القرآن:
    بعد إن بينا أن معنى القول : إن القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى يستلزم المغايرة المقتضية أن يكون الكلام غير الله جل جلاله أي بمعنى أن الكلمات هي من صفاته الفعلية الحادثة , وأما بما يخص موقف الصحابة يؤكد الشيخ ابن تيمية على أن السلف كانوا أيضًا يقولون بأن القرآن هو كلام الله , حيث يقول :
” وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحدًا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة ولا غيرهم، بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله” [21]

 

ثانيًا: أهل البيت عليهم السلام وخلق القرآن :

    أئمة آل البيت ( عليهم السلام ) هم الامتداد الطبيعي لخط النبوة ودائمًا يحاولون أن يجنبوا الأمة الابتعاد عن الخوض في الصراعات والفتن وكما هو مشهور ما تكلم به الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة حينما يقول :
كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب [22] , وهذا للنأي بالنفس من الوقوع في شراك الفتن ومدلهماتها التي تحرق الأخضر واليابس وتجعل النفيس بقيمة ما لا ثمن له , لأنها عمياء لا تبصر كما عبر عنها النبي محمد ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) في حديث له يقول فيه : ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف [23] .
لذا تجد أن أئمة أهل البيت يسيرون طبقًا لأحاديث ومنهج الرسول ويحاولون بما أوتوا من قوة لدفع الأمة عن الوقوع في الفتن وحتى بما يخص مسألة القول بخلق القرآن من عدمه كانوا عليهم السلام يجيبون السائل بأن القرآن هو ( كلام الله ) وهذا الجواب يدل على أنهم عليهم السلام لا يريدون أن يحققوا للملوك والانتهازيين ما تربوا إليه نفوسهم من التصريح بموقفهم من مسألة خلق القرآن وكانوا ( عليهم السلام ) يجيبون السائل بالجواب بأن القرآن هو ( كلام الله ) .
سُئل الإمام الرضا (عليه السلام) : ما تقول في القرآن؟ 
فقال: كلام الله لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا . [24]
سُئل الإمام العسكري (عليه السلام): القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ 
فقال: للسائل: يا أبا هاشم، الله خلق كل شيء وما سواه مخلوق . [25]
فلنتأمل كيف يجيب الأئمة ( عليهم السلام ) بجواب لا يمكن للمستغلين من الحكام والملوك ومن مثيري الفتن وأصحاب النفوس الضعيفة استغلاله لتحقيق مآربهم وأهدافهم الدنيئة الرامية لخلق الفتن والصراعات المؤدية للقتال والتقاتل وتشتيت وحدة الصفوف , وخاصة الإمام الرضا ( عليه السلام ) لأن الفتنة كانت قائمة في فترة إمامته كما أشرنا لما قام به المأمون بأمر الناس والمحدثين للاعتقاد بمسألة القول بأن القرآن مخلوق , لذا علينا جميعًا أن لا ننجر وراء كل الفتن والشبهات التي ما من شأنها أن تؤدي إلى التشظي والتقاتل والتكاره والنفور وعلينا كمسلمين أن نبحث عن المشتركات بيننا وهي كثيرة لا عد لها ولا حصر وإلّا فنكون من أدوات مثيري الفتن ونحقق لهم أهدافهم فيما لو تم استغفالنا والتلاعب بنا وبمصيرنا من خلال انشغالنا بها سلبيًا .

الخاتمة

    علينا جميعًا أن نجعل الحوار الموضوعي الأخلاقي هو سبيلنا لتحقيق الغايات , وأن نحرص على دماء وأرواح المسلمين بغض الطرف عن انتمائهم , فكل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه , وأن نبتعد عن الخوض في كل ما من شأنه أن يزيد من حدة الاحتقان والتكاره والتقاتل , وإذا اضطررنا لطرح المسائل الخلافية فلا بد أن يكون الغالب على طرحها التعامل بالحسنى ونبذ التطرف والإقصاء لنكوِّن مجتمعًا حصينًا مانعًا لكل من تسول له نفسه ويجعلنا نتصارع ونتقاتل ونغفل بعدها عن هدفنا السامي ورسالتنا الإسلامية.

    الإسلام وشريعته التي ضحى من أجلها العظماء من الصالحين والأولياء جدير بنا أن نواصل السير على خطاهم تحت راية الإسلام وشعار النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كفيل بأن يجعلنا نتوحد تحت رايته الداعية إلى أن نكون كالبنيان المرصوص وليس البنيان الذي يمكن لكل من هب ودب أن يخترقه ويزرع ما تأمره نفسه الأمارة بالسوء من سموم وأفكار هدامة ضحيتها نحن كمسلمين على مر العصور والدهور , فلا بد من يقظة نشد بها الأيادي ونقولها بكلمة عالية مدوية الإسلام يحفظ جمعنا وشهادة لا إله الإ الله تعصم دماءنا .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

[1] الجعد بن درهم .
[2] سورة طه الآية 5 .
[3] مجموعة الفتاوى لابن تيمية – ج 5 – صـ17.
[4] تاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة جعد بن درهم
[5] نفس المصدر .
[6] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من أباطيل (247-248)
[7] سير أعلام النبلاء ج 5 صـ 426
[8] مسند أحمد بن حنبل 1: 95، 128
[9] سير أعلام النبلاء ترجمة القسري خالد بن عبد الله .
[10] ينابيع المودّة للقندوزي 1: 375 الباب (42) الحديث (6).
[11] نفس المصدر
[12] مجموعة الفتاوى لابن تيمية الحرّاني ج7 صـ 99 .
[13] البداية والنهاية ج 14 صـ 208 – 209
[14] البداية والنهاية ج 14 صـ 211
[15] البداية والنهاية ج 14 صـ 212
[16] البداية والنهاية – ابن كثير – ج ١٠ – الصفحة ٣٠٧
[17] البداية والنهاية – ابن كثير – ج ١٠ – الصفحة ٢٥٩
[18] مقدمة كتاب ضوابط الجرح والتعديل ص 6
[19] أخرجه مسلم
[20] أخرجه أحمد: 3/390، وأبو داود: (4734)، والترمذي: (2925).
[21] مجموع الرسائل والمسائل 20/3
[22] نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) 165
[23] كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق آبادي
[24] أمالي الصدوق/ 326
[25] مناقب آل أبي طالب ج2/ 525

عن مركز المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

استعمال السب في القرآن وإبطال دليل القائلين بجوازه 

استعمال السب في القرآن وإبطال دليل القائلين بجوازه    إعداد علاء المنصوري     المقدمة …

14 تعليق

  1. مازن الجنابي

    بوركتم على هذا البحث القيم
    ننتظر منكم المزيد

  2. بوركت الاقلام الاصيلة

  3. نوار اللامي

    موفقين موضوع جدا قيم

  4. احسنتم وفقكم الله لكل خير

  5. حيدر البابلي

    بحث قيم جدا ويتم عن عقلية كبيرة للكاتب الأستاذ علاءالمنصوري..كل التوفيق وان شاء الله مزيد من البحوث القيمة.

  6. بحث قيم ووفقكم الله وان شاء الله يسجل في ميزان اعمالكم دمتم لنصرة دينكم

  7. وفقكم الله اخي الكريم

  8. ميثم الشدود

    بارك الله فيكم أخي الكريم وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *