الرئيسية / مقالات وتحليلات / أثر الإرهاب في التحولات الفكرية المعاصرة تجاه الموروث الديني… بمنظار الوسطية والاعتدال

أثر الإرهاب في التحولات الفكرية المعاصرة تجاه الموروث الديني… بمنظار الوسطية والاعتدال

المهندس حسين الكربلائي

( إن ملء عالم بالدين ، أو بأديان ، كالأديان الإبراهيمية ، هو تماما كملىء الشوارع بالمسدسات المحشوة بالرصاص ، لا تتعجب إذا ما تم استعمالها ) [1]

بهذه اللهجة الصريحة ، التي تحمل بين ثناياها الاتهام المباشر للأديان الابراهيمية بأنها مصدر الارهاب في العالم ، خاطب عالم الاحياء الشهير ريتشارد دوكينز في مقاله ، الذي نشر في صحيفة الجرديان البريطانية بعد اربعة ايام فقط من حادثة الحادي عشر من سبتمبر / ايلول عام 2001م وكان قد سبقه بثلاثة ايام – أي بعد يوم واحد من التفجيرات – المفكر والفيلسوف الامريكي سام هاريس ببدأ تأليف كتابه ( نهاية الايمان ) [2]

ومن هنا بدأت مرحلة الالحاد الجديد ـ الذي اخذ طابعا تبشيريا ـ ذات خطاب هجومي لاذع ، لانتقاد الموروث الديني والأديان ، وخصوصا الإسلام الذي يعد المستهدف الاول ، لأنه ( من اكبر الشرور في العالم ) كما وصفه دوكينز [3] ، وغيره من اقطاب الالحاد بذلك ، حتى تسرب هذا الفكر الى العالم العربي والاسلامي واخذ يتسع بين صفوف الشباب والشرائح المثقفة بعد احداث ما يسمى بالربيع العربي ، فبرزت على الساحة الفكرية والثقافية تجاهات عدة تحمل معها قراءة مغايرة للنص الديني ، بل موقف واضح المعالم من الدين ، وما يرتكز عليه من موروث ونتيجة لذلك تحول الصراع من الاروقة الفكرية والثقافية الى الساحة الاجتماعية بفضل جملة من العوامل منها مواقع التواصل الاجتماعي والانفتاح على العالم من خلال الشبكة العنكبوتية .

وبنظرة تحليلة نلاحظ ان الدافع الاول في تفاقم هذه الاتجاهات الفكرية هو التطرف الديني ، الذي يحمل النزعة العدوانية المسلحة المتلبسة بزي الاسلام ، من خلال ارتكازها على بعض القراءات الموروثة للنص الديني ومساوقتها للدين على نحو الكلية والإطلاق ، فظهرت بشكل حركات أطلقت على نفسها السلفية الجهادية لتعطي بذلك بعدين :

احدهما :

  • ديني او ايماني من خلال انتهاجها – حسب زعمها – منهج السلف الصالح الذين يمثلون اتباع النبي صلى الله عليه واله من جيل الصحابة والجيلين الَلذين تلياه وهم التابعيين ويعدون هذه الاجيال الثلاثة الاولى ( جيل الصحابة ، وجيل التابعين الاول ، وجيل تابعي التابعين الثاني ) العصر الذهبي للإسلام .
  • والأخر مرتبط بالإسلام السياسي من خلال انتهاج مفهوم الجهاد – الذي يعد احد فروع الدين الاسلامي – كوسيلة للتغيير .

ونحن في هذه المقالة ليس هدفنا دراسة هذه الحركات ، أو التحليل البنيوي الداخلي او العقدي لها ، أو أسباب ظهورها ومراحلها عبر التاريخ ، بل نهدف الى اطلالة ممنهجة ، ترصد اهم الاتجاهات الفكرية التي برزت على الساحة الفكرية والاجتماعية ، وموقفها من الدين وما يحمله من موروث روائي او تاريخي .

فالمتتبع للساحة الفكرية يلاحظ ان ظاهرة الارهاب الذي تلبس بزي الدين والإسلام ، افرز جملة من الاتجاهات الفكرية ليس على مستوى التأسيس بل الانتشار والشيوع ، والتي يمكن ان نصنفها الى خمسة اصناف رئيسة بلحاظ موقفها من الدين والموروث الديني وهي :

 

الصنف الاول – الرافضون للدين فضلا عن موروثه

ويتمثل بالإلحاد الجديد [4] الذي انتشر كظاهرة في صفوف الشباب والمثقفين ، والذي بدأ في المجتمع الغربي في بداية العقد الاول من القرن الواحد والعشرين – كما اسلفنا – بعد احداث الحادي عشر من ايلول عام 2001م ومن اهم دعاته ( ريتشارد دوكينز ، وسام هاريس ، وكريستوفر هيتشنز ، دانييل داينيت ) ويلقبون بالفرسان الاربعة [5] ، ثم انتقل الى العالم العربي والاسلامي بعد احداث الربيع العربي .

وهؤلاء رافضين لفكرة الاديان جملة وتفصيلا ويعتمدون في اثبات مدعاهم على انتقاد الاديان وبالاخص الاسلام ، وفق محاور ثلاثة رئيسة ، وهي :

أـ ما يرتبط بالجانب العقدي والميتافيزيقي من قبيل ( الله , الملائكة , الوحي , الجنة , النار , القيامة , ….الخ ) .

ويعتمدون في تفسيراتهم على نظريتي التطور والانفجار العظيم وكذلك نظرية الكم او الفيزياء الكمومية .

ب ـ ما يرتبط بالقران الكريم على مستوى التشريع ( الاحكام الشرعية والتعاليم الدينية ) ، او ما يرتبط بأهم الموضوعات التي جاءت في القران من قبيل القصص القرآنية والإشارات العلمية لبعض الظواهر .

ج ـ ما يتعلق بتاريخ وسلوك المسلمين

وهذا المحور يمثل العلامة البارزة في اشكالات الملحدين والعصا السحرية في الاقناع من خلال طرح الواقع المأساوي للمسلمين ومدى التراجع في مختلف مجالات الحياة مقارنة بالغرب ، وتعد الحركات التكفيرية كالقاعدة و داعش وما حصل على يديها من انتهاكات لحقوق الانسان من قتل وتهجير وسبي وتفجير ، شعارا ومنفذا واسعا وحجة قوية يحتجون بها على بطلان الاسلام ووصفه بالإرهاب .

الصنف الثاني ـ المؤمنون بالدين والرافضون لموروثه

وهؤلاء يؤمنون بوجود الله والأديان والإسلام لكنهم رفضوا الموروث الروائي ، وهذا الرفض على درجات اشدها رفض ما يسمى بحجية السنة سواء كانت المحكية ام الفعلية ، ويتمثل هذا المنهج بما يسمى ( بأهل القران ) او ( القرآنيين ) ومن ابرز دعاتهم الدكتور محمد شحرور ، والدكتور احمد صبحي منصور .

الصنف الثالث – المؤمنون بالدين والمتمسكون بالموروث الديني مطلقا

وهذا يتمثل بالمرجعيات الدينية الرئيسة كالأزهر والنجف وقم والزيتونة ومكة ، وتمتاز بموقفها الرافض لأي حركة فكرية تجديدية على صعيد الموروث الديني وإعادة قراءته وتنقيته .

الصنف الرابع – المؤمنون بالدين والرافضون للتاريخ الاسلامي خصوصا وما جاء فيه ، مع اعادة قراءته بمنهجية مقارنة للنصوص التاريخية – بغض النظر عن صحتها – وبناء المعتقدات الدينية وفقا لهذه القراءة .

الصنف الخامس – المؤمنون بالدين والرافضون للجمود على التراث والمطالبون بتنقيته وتصحيحه من خلال اعادة قراءته والكشف عن عناصر القوة والضعف فيه .

وتوجد محاولات جادة في هذا المضمار ابرزها ماطرحه المحقق الصرخي في قراءته للموروث الاسلامي على مستوى التاريخ والعقائد محاولا الكشف للفكر المتطرف المزروع في المذاهب الاسلامية منذ قرون عدة سواء تلك التي تنتسب لمدرسة الصحابة ام لمدرسة اهل البيت عليهم السلام ، وبهذا استطاع تقديم رؤية واضحة للمشهد الفكري الاسلامي مع بيان كيفية التعاطي مع الاتجاهات الطائفية المنضوية تحت عناوين المذاهب الاسلامية الرئيسة ، لمعالجة اشكالية التكفير ومصدرها بأبعادها الايدولوجية والتاريخية ، مع رفع الايهام بان التكفير والتطرف والطائفية منحصرة بمكون او مذهب دون اخر .

 ـــــــــــــــــــــ

المصادر

………

1- ( مليشيا الالحاد / العجيري / ص22)

2- المصدر السابق

3- راجع الرابط التالي:

https://theenlightenedminds.wordpress.com/…/richard_dawkin…/

4- تعبير استخدمه الصحفي الأمريكي جاري وولف في مقالته المطولة “كنيسة اللامؤمنين The church of non-believers / راجع http://www.masralarabia.com/…/664217-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%…

5- المصدر السابق

عن المنهج الوسطي

شاهد أيضاً

الاعتدال والوسطية من أهم الصفات البارزة لثورة أبي الأحرار الحسين بن علي

إعداد: سامي البهادلي لا يخفى على كل عاقل ومنصف في العالم سواء كان يعتنق الدين …

2 تعليقان

  1. احسنتم ووفقكم الله تعالى و جعلكم الله من الداعين إلى المنهج الوسطي على طول الخط

  2. سامر العراقي

    احسنت استاذي العزيز اسئل الله التوفيق لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *